ريم الميع

تكريم فني لوزير غير رياضي
‏في أول تكريم شعبي لوزير سابق... استقبال كبير للدكتور جمال الحربي في منطقة غرب مشرف يشكرونه على أدائه المميز بالوزارة. حضر الحفل جمع من المواطنين والمواطنات مطالبين بإعادة توزيره مرة أخرى.‏الفنانة حياة الفهد: «إن شاء الله ترجع بالوزارة مرة أخرى فنحن بحاجة لأمثالك».إلى هنا انتهى نص الخبر الذي تم تداوله في كل وسائل التواصل الاجتماعي من «واتساب» إلى «سناب تشات»، مروراً بـ «تويتر» و«إنستغرام» في حملة علاقات عامة انتهجها الوزير السابق لم تنته بخروجه من الوزارة.كان ذلك النص بمثابة الموجز، أما الأنباء بالتفصيل، فهي من الأول: عن أولوية أول تكريم شعبي. هل هو التكريم الأول لهذا الوزير يليه تكريم ثان وثالث ورابع، وأمانة عليك يا ليل طوّل وهات الوزارة من الأول، أم أنه أول وزير يتم تكريمه شعبياً عند خروجه من وزارته رغم أننا اعتدنا تزايد حفلات التكريم بعد الخروج من المنصب، حتى إنها تبدو وكأنها احتفال بخروجه من الوزارة؟ العجيب والغريب ان التكريم عادة يثني على قرارات، إما عارضها أو اعترض عليها أو تمت مساءلته عليها، وأحياناً أدت إلى خروجه من الوزارة. ألم أقل إنها احتفالات أكثر منها حفلات؟وبعد الأول، وكما يقول نص الخبر نفسه: إن التكريم شعبي لوزير سابق، وفِي الجملة مفارقة أن الشعب لم يختر هذا الوزير، فلم يصل للوزارة بالانتخاب ممثلاً للشعب، بل بالتعيين ممثلاً للحكومة التي اختارته حسب ضرورات المرحلة، وبعد تجاوز تلك المرحلة تطلبت ضرورات المرحلة اللاحقة التخلي عن أحد خياراتها بحسب الضرورات التي تبيح المحظورات، وإن كان لا حظر على الاستغناء عن وزير بغض النظر عن أدائه، فالحكومات تشكل وفق معايير أبعد ما تكون عن الأداء وأقرب ما تكون إلى الأداة في أداء مهمة تتطلبها المرحلة، ولكل مرحلة دولة ورجال ولكل حكومة قبيلة ووزراء.المثير في الخبر أن الوزير الذي لم يكن دخوله الحكومة مطلباً شعبياً بعد خروجه من الحكومة، صار مطلباً شعبياً وهذا ربما يضاف إلى بداية الخبر «في أول» وما أكثر أولويات الوزير الذي التف حوله المواطنون للمطالبة بإعادة توزيره، وضع خطاً وخطين وثلاثة تحت كلمة مواطنين.لأن المواطن الذي سوّق الخبر سلط الضوء على مواطنة أشادت بأداء الوزير في مفارقة تكشف عن مواطن خلل احتواها الخبر من متنه إلى عجزه ومن موجزه إلى تفاصيله. فوزير الصحة تشيد به فنانة، ونحن ننتظر أن يشيد المرضى والأطباء بأداء وزير الإعلام وسيحصل قريباً. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على مرونة الوزراء وقابليتهم للتزوير والتدوير، أما الخروج من الوزارة فلا بد أن يصاحبه تكريم مصحوب بمطالبات إعادة التوزير ما يشبه شكل تظاهرات الرفض والاحتجاج، ما يؤكد المقولة الخالدة لرئيس الحكومة الواعدة إن «الروح الرياضية ماهي موجودة إلا بالرياضة». reemalmee@

زارا ابراهيم صالح

زارا ابراهيم صالح / العثمانيون الجدد والحنين إلى الماضي!
إن التسليم بمقولة (التاريخ يعيد نفسه), قد لا يكون صائباً في أغلب الأحيان لكن الحالة التركية الراهنة تجعلنا نسلم ببعض الأدلة التاريخية التي تتكرر بصور مختلفة. فعندما هرب شاه سليمان، جد السلطان عثمان، من بطش جنكيز خان من مناطق توران وخراسان إلى مناطق تركيا الحالية, لم يخطر لذلك الرجل بأن حفيده سيصبح سلطاناً ذا شأن، وعلى تلك المكانة والشهرة والنفوذ, لكنه تحقق بالفعل وحكم العثمانيون وأحفادهم المنطقة, بل ووسعوا في احتلالهم وحكمهم إلى قسم كبير من أوروبا الشرقية، (هذا عدا المناطق والدول العربية التي حكموها قروناً من الزمن), وكانت الخلافة الإسلامية عثمانية طيلة تلك الفترة إلى أن وصلت الحالة بهم إلى (الرجل المريض) بعد الحرب العالمية الأولى. كانت تركيا في ذلك الوقت مهددة بالانقسام ومستسلمة لشروط الدول الكبرى المنتصرة في الحرب, وأقرت بذلك في اتفاقية «سيفر» 1920. لكن ظهور كمال أتاتورك غير في الموازين, فبفضل حنكته السياسية استطاع أن ينقذ تركيا ويتفق مع الفرنسيين والانكليز وكذلك مع الروس( السوفيت الجدد), ويلغي الاتفاقية السابقة ويخرج منتصراً في حربه مع اليونان، ويعقد اتفاقية جديدة لصالحه في لوزان بسويسرا عام 1923.اليوم يبدو أن الأحفاد الجدد، ومنهم حزب اردوغان، بدأوا يشعرون بذلك الحنين إلى ارثهم التاريخي, خاصة بعد فشل مشروعهم السابق (تركيا الكبرى) بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وتغيير الموازنات والتحالفات الدولية بعد سقوط نظام صدام.فتركيا التي تقدم نفسها بوجوه متعددة مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وعضويتها في الناتو, لا تقف عند حدود (علمانيتها) التي تدعيها منذ كمال أتاتورك رغم غلبة الشعور والتعصب القومي على المجتمع التركي, وتحاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم عدم التزامها بشروط الاتحاد (قضايا حقوق الإنسان, قبرص والقضية الكردية، ...), لهذا فهي تسعى جاهدة إلى أخذ العديد من المبادرات، ومحاولة لعب دور محوري في منطقة الشرق الأوسط من خلال القضايا العربية والإسلامية، وتساعدها في ذلك ظروف دول الجوار التي تتفق فيما بينها على القضية الكردية، وخطرها المزعوم، وتساهم دول عربية في إفساح المجال لتركيا رغم وجود إجماع عربي على التحفظ على دور إيران وتركيا في القضايا العربية.ولعل الطموح التركي بدأ يأخذ حجماً أكبر, فالسيطرة على منابع الثروات المائية (نهري دجلة والفرات)، وإقامة أضخم السدود عليها, وإقامة أفضل العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل, عضويتها في حلف الناتو, لعب دور الوسيط والمصالحة في العديد من القضايا مثل المباحثات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل, تدخلها المستمر في شؤون دول الجوار, بل وحتى احتلال (لواء اسكندرون السورية), وأخيراً محاولاتها الحثيثة في تسلم الملف الفلسطيني وأخذ المبادرة من إيران التي تتحكم جيداً في هذه القضية من خلال أجندتها الإقليمية.ترى هل تستطيع تركيا حمل هذه السلة من التناقضات، كيف بمقدورها التوافق بين علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل التي تحتل أرضاً عربية وإسلامية، وبين التزامها الديني في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، كيف تبرر علمانيتها وإسلاميتها ودفاعها عن المظلومين, وهي لا تطبق ذلك في داخلها مثل (قضية أكثر من عشرين مليون كردي مسلم محرومين من الحقوق كافة, قضية قبرص, تهديداتها وتدخلها في العراق تحت ذريعة حماية التركمان). رغم ادعاء تركيا العلمانية, إلا أن الجزء الأكبر من المجتمع التركي ذو طبيعة إسلامية محافظة ومتعصبة قومياً، وخير دليل على ذلك نتائج الانتخابات البرلمانية وسيطرة «حزب العدالة والتنمية الإسلامي» بالأغلبية عليها, وهذا ما يثير الدهشة والتناقض والشك في العديد من التوجهات التركية, وكذلك سوف تدفع تركيا فاتورة تناقضاتها في تعاملها مع قضايا المنطقة, ولن يكون سهلاً أخذ مبادرة وملف مهم من دولة أو (إمبراطورية مذهبية) مثل إيران والتي تملك أوراقا أكثر حسماً من تركيا اللهم إذا غيرت تركيا في حلفائها مثل إسرائيل, لكن الحلم شيء والواقع العملي شيء آخر, فمهما ادعت تركيا حرصها وبكاءها على الشعب الفلسطيني, لن يكون ذلك على حساب علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل, والكلام لن يتعدى إطار الشعارات والمزايدات واللعب بالعاطفة وكذلك الدعاية الانتخابية لحزبها في الداخل. لكن الذي يثير الدهشة هو هذا التطبيل والتهويل من قبل البعض في الإعلام العربي، وكيل المديح لأردوغان وموقفه في «دافوس»، وتجاهل أن انسحابه جاء بسبب عدم السماح له بالكلام واختصار الوقت وليس بسبب حرب غزة, وإذا كان أردوغان بالفعل حريصاً على الشعب الفلسطيني لماذا لا يقوم بقطع علاقاته مع المحتل الإسرائيلي؟!إن الحلم بسلطنة عثمانية جديدة على أنقاض هذا الكم من التناقضات في السياسة التركية يبدو مستحيلاً وليس هذا فقط, بل سوف تنكشف يوماً بعد يوم الوجه الحقيقي لهذه الأقنعة المزيفة والتي تتفنن في وضعها دولاً أخرى مثل إيران التي تقمع شعوبها (من عربية, كردية, أذرية) وتنفق الملايين لدعم أجندتها الإقليمية لحساب مصالحها ورهاناتها واتفاقاتها على حساب دماء الآخرين, وتحتل جزراً عربية، وتهدد دوماً دول الخليج العربي, وفي المقابل تقدم نفسها بصورة المخلص والحريص والصديق للعرب والمدافع عن قضاياهم المصيرية, فكيف يكون ذلك؟ اعتقد بأن سياسة النعامة لن تمر بهذه البساطة على شعوبنا التي تعلم كل شيء في هذا العصر المتطور من التكنولوجيا والإعلام وسرعة إيصال ومعرفة الخبر.زارا ابراهيم صالح كاتب مصري. ومنشور بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»www.minbaralhurriyya.org

زهراء الموسوي

التفكير الموازي
دخل أربعة اشخاص مكفوفين في غرفةٍ، فوجدوا في منتصف الغرفة شيئاً يعوق حركتهم فقاموا بلمسه كي يعرفوا ما هو. قال أحدهم انه عمود وقال الاخر لا انت مخطئ بالتأكيد فهي بلاشك مروحة يدوية. فرد عليهم الثالث بغضب واستغراب كيف تؤلفون هذا الكلام البعيد عن الواقع، فهو من دون شك مزراب الماء فقال الرابع كلكم مخطئون فهو ليس الا سريرا دافئا ناعما. ارتفعت أصواتهم بالشجار وكل يصر على رأيه ويعتقد أن الاخرين لا يفهمون ولا يدركون. سمعهم شخص يبصر فدخل الغرفة واستفسر عن الخلاف فسردوا عليه قصتهم. أجابهم كلكم مخطئون لأنكم رأيتم جزءاً من الحقيقة وتصورتم انكم امتلكتم الفهم الكامل له فما تختلفون حوله هو فيل وهو حيوان يعيش في الهند ولأنكم لم تروه سابقاً ولمستم جزءاً منه، ظن الذي لمس اقدامه بأنه عمود ومن لمس اذنيه الكبيرتين ظن انها مروحة والذي لمس خرطومه ظنه مزرابا والذي لمس ظهره ظن انه سرير.هذه القصة من الناحية الاخلاقية استعارة على ان عدم الابصار هو الجهل والإصرار على امتلاك الحقيقة كلها وليس عدم الابصار الجسدي.واما من الناحية المعرفية والعقلية فهي تبين نوعاً من التفكير- للأسف الشديد- هو السائد لدينا بقوة وهو التفكير المتعاكس. أي التفكير الذي يظن ان الذي يختلف معه لا يملك من الحق شيئاً والحق كله معه ومُلكٌ له. ولذلك نرى ان معظم حواراتنا غالباً لا تنتهي الى نتيجة مفيدة سواء على المستويات العامة مثل الحوارات الدينية والسياسية وحتى الرياضية او المستويات الخاصة مثل الحوار بين الأزواج او الحوار في الخلافات الاجتماعية او العائلية.بينما لو تدربنا على نوع آخر من التفكير وهو التفكير الموازي لاستفدنا من الطاقات المختلفة واختلاف وجهات النظر والقدرات المعرفية المتفاوتة لتكوين نظرة شاملة.ففي القصة السابقة لو استخدم الأشخاص الموجودون في الغرفة التفكير الموازي بدل التفكير المعاكس، وفكروا بأن كلا منهم لديه جزء من الحقيقة ولو ركبوا الأجزاء المختلفة سوف يصلون الى الحقيقة كاملةً ولما احتاجوا الى من يأتيهم من الخارج ويقول لهم ما تختلفون عنه هو فيل وليس أياً مما تقولون. لو فكروا للحظة واحدة بأنه قد يكون الحق مع الاخر ثم توقفوا عن الجدال وتساءلوا اذاً لماذا ما أراه يشبه المزراب وليس العمود واخذ يد الاخر ووضعها على المروحة واستفسر كل منهم واختبر الجزء الذي يتحدث عنه الاخر لاكتملت الصورة من دون صراع.يجب أن نعلم بأن قدراتنا المعرفية والعقلية وتجاربنا ومعرفتنا قليلة مهما اجتهدنا ومهما كنا على قدر عال من الذكاء والفطنة والقدرة على رؤية الأمور من زوايا مختلفة، رغم كل ذلك لدينا نواقص في المعرفة (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، وكم من عالم ومختص ومثقف ومفكر وسياسي وحزبي و... الخ اعترف بعد 20 عاماً من الجدال بأن ما كان يقوله سابقاً ويدافع عنه بقوة لم يكن صحيحاً وانه غيّر آراءه الى رأي آخر. بينما لو من البداية سمح لنفسه بأن يتدبر في رأي الاخر ويضيفه الى مجموعة معارفه لما خسر كل تلك الطاقات والصداقات.لو اعترفنا بأن قدراتنا محدودة وننظر الى الاخر ذي الرأي المخالف الى انه إضافة وليس عدوا لاختصرنا الكثير من الوقت ولأصبحنا يداً واحدة وقدرة هائلة.

زين الشامي

زين الشامي / إنهم محكومون بالقهر
تتميز سورية عن باقي الدول العربية بتمدد الأجهزة الأمنية وشدة قبضها، صحيح أن غالبية الدول العربية تنفق الكثير على مؤسساتها الأمنية وتسعى لتحقيق مزيد من الاستحواذ والتدخل في مختلف مستويات الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، إلا أن المؤسسة الأمنية السورية تتمايز عنها بإحكام سيطرتها وضخامة عديد عناصرها وعملائها، فضلاً عن اختراقها مبكراً للتكوينات السياسية والحزبية كلها، ما أدى لاحقاً لتخريبها وهشاشتها وتضررها. بكل تأكيد المؤسسة الأمنية السورية ليست بعيدة عن كل التكوينات الاجتماعية والثقافية الاقتصادية، إنها تقبض تماما على كل شيء. إنها وراء تعيين المختار في الحي والقرية، وهي من تضع قائمة بأسماء المرشحين لمناصب وزارية.هذا الاستحواذ الكلي لم يتحقق بين ليلة وضحاها، لقد خضع لسيرورة طويلة ربما تكون لحظة بدايتها عام 1958، وهو تاريخ قيام الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر، لاحقاً وبعد نحو خمسة أعوام أتى حزب «البعث» لينهل كل ما انتجته تجربة بلدان أوروبا الشرقية على هذا الصعيد حتى باتت الحياة السورية، خصوصاً منتصف الثمانينات ولغاية اليوم كما لو أنها فصل في رواية «جورج أوريل» (1984).لا بل إن تلك الرواية التي بدت أنها أشبه بالفانتازيا حين كتبها «أوريل»، أمست في الأعوام الأخيرة مقارنة بالواقع المعاش في سورية مجرد قصة قديمة او تفصيل. هل نتجنى على هذه المؤسسة؟منذ نحو شهر كان هناك موقع الكتروني سوري اسمه «سيريا لايف»، وهو موقع يعنى بالحياة اليومية للسوريين ولا يتدخل في السياسة ولم يعرف عنه متابعوه أنه نشر ولو مجرد مقالة واحدة تحمل توجها مخالفا للسياسة الرسمية، لا بل إن الموقع وصفه البعض بالمتواضع لكونه لم يعمل خلال عمره الذي لم يتجاوز ستة أشهر سوى على إعادة ما تنشره الصحف الحكومية الثلاث وأخبار أخرى مسلية. هذا الموقع رغم بؤسه وتواضعه لم يسلم من الإغلاق حين طلب أحد ضباط الأمن من المشرفين عليه إيقافه، وأخبرهم فوق ذلك أن عليهم الصمت وستكون عقوبتهم السجن في ما لو رووا ما حصل معهم؟تزامن ذلك مع طلب الأجهزة الأمنية من كل أصحاب مقاهي الإنترنت أن يسجلوا قائمة يومية بكل مرتادي مقاهيهم لحظة دخولهم وخروجهم متضمنة كل التفاصيل عنهم.طبعاً سبق ذلك سجن الكتاب والصحافيين والمثقفين السوريين كلهم الذين يملكون صوتاً مختلفاً ومتميزاً عن أبواق النظام. إن الذين يقبعون اليوم في السجون السورية ليسوا أبداً من النوع المتطرف في معارضتهم، على العكس تمام، فكتابات ومواقف ميشيل كيلو وأكرم البني وفايز سارة وغيرهم هي كتابات ومواقف سلمية هادئة تتمايز بالرصانه قبل أي شيء آخر رغم معارضتها لسياسات الحكومة ونظام حزب «البعث».وإذا ما أضفنا الكتاب والصحافيين الذين قرروا الصمت أو الهجرة، يكتمل المشهد السوداوي، لقد باتت سورية مملكة الصمت حقاً، على حد تعبير المعارض السوري رياض الترك الذي قضى نحو عشرين عاماً في السجون السورية موزعة على عهدي الرئيس السابق حافظ الأسد (1930-2000) وولده بشار الاسد.سألت بعض الأصدقاء عن الظروف التي وقفت خلف قرارهم بالهجرة أو الصمت فحدثوني عن قصص طويلة من المعاناة والخوف.أحدهم اليوم يعيش في دولة غربية، قال لي إنه مارس مهنة الكتابة نحو أعوام عشرة، لكن حياته وحياة أسرته تحولت الى جحيم في الأعوام الأخيرة قبل أن يحسم أمره ويقرر الهجرة. قال لي: «هل تتخيل كم هو صعب أن تنسف ماضيك كله وتبدأ من جديد؟ هل تتخيل مدى صعوبة أن تقتلع من جذورك بإرادتك وتبدأ من جديد في مجتمع غريب لا أهل لك فيه لا أصدقاء ولا ينطق بلغتك، وذاكرته وثقافته مختلفة عنك تماماً؟».روى لي كيف بات في الأشهر الأخيرة قبل مغادرته يعيش «فوبيا» الامن والاستخبارات، حتى صار يخاف من سماعة الهاتف حين ترن ومن طرق الباب، ومن الجلوس في المقاهي الشعبية. قال لي: «كنت أحياناً وإذا ما كنت وسط دمشق وأملك متسعاً من الوقت، أتوجه إلى مقهى الروضة لأحتسي فنجان قهوة مع الذين أصادفهم من الأصدقاء، حيث يفضل الكتاب والصحافيون الجلوس هناك، لكنني غالباً ما اقرر الخروج مسرعاً، لقد كنت أرى العناصر الأمنية في كل أركان المقهى، بت أعرفهم من قمصانهم وسراويلهم القماشية والمفكرات الزيتية والسوداء اللون التي يحملونها في أيديهم ومن نظراتهم المتفحصة ومن لهجتهم أيضاً».صديقي هذا غالباً ما كانت تستدعيه أجهزة الاستخبارات العسكرية وإدارة المخابرات العامة أو ما يعرف في سورية بجهاز امن الدولة في أعقاب كل تحقيق صحافي يجريه أو مقال يكتبه.أخبرني أيضاً عن حياته الخاصة والحميمية «هل تعرف ماذا يعني أن يتصل بك رجل أمن ويطلب منك مراجعة الفرع بعد نشرك مادة صحافية؟ يتحول جسدك إلى كتلة باردة ووجهك يصبح أصفر اللون في ما عيناك مضطربتان وقلقتان... لا ترغب في الكلام ولا تستطيع أن تلاعب طفلك الصغير الذي يدنو منك ممازحاً، كما أنك تشعر بالذل والعجز لفعل أي شيء، تشعر أنك حشرة صغيرة، ذبابة، أو ربما فأر، كنت أهرب إلى حضن زوجتي بحثاً عن الدفء والسلام، فأجد جسدها بارداً مضطرباً مثل جسدي تماماً، مع الخوف لا يمكننا أن نمارس الحب، حتى لو كنا داخل منزلنا وحيدين».إن غالبية من السوريين اليوم، خصوصاً من هم في المعارضة، يشعرون أنهم متروكون وحيدين أمام وحشية وبطش الأجهزة الأمنية وفساد أجهزة القضاء، والإطباق تماماً على الأصوات المعارضة، وأمام التواطؤ الإعلامي العربي والدولي على قضيتهم الديموقراطية حسب ما يعتقدون، ويحز في انفسهم أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يضيقون على النظام على خلفية تتعلق بمصالح وبأوضاع إقليمية كالعراق ولبنان ومطالبهم من النظام إزاء مثل هذه الملفات من دون أن يتوقفوا عند اوضاع حقوق الإنسان والقضايا الداخلية.عندما اتخذت الإدارة الأميركية منذ أكثر من شهر قراراً تعلق بفساد رجل الأعمال رامي مخلوف قريب الرئيس السوري، شعر بعض السوريين بالأمل لانها المرة الأولى الذي تلامس به قرارات الإدارة الأميركية أوجاع السوريين الحقيقية. هكذا أخبرني أحد الشعراء السوريين من أصول كردية، طبعا لن أقول اسمه أو اسم غيره لأن ذلك سيكلفهم كثيراً.زين الشاميكاتب سوري

سارة النصار

سارة النصار / رولا... جانب آخر
عندما تخرجت في عام 1996 تقدمت بطلب للدائرة الاقتصادية في معهد الكويت للأبحاث العلمية والتي كانت ترأسها الدكتورة رولا دشتي. كنت مفعمةً بالحيوية وطموح الشباب آنذاك لم يخطر ببالي دور الانتماء في شغل الوظائف الدنيا والعليا، ولم تكن تربطني ولا المقربين مني أي صلة برئيسة الدائرة. هذه الإنسانة التي وظفتني فوراً بناء على إمكاناتي وشهادتي الجامعية وولعي بتخصصي وأمنيتي أن أكون شخصاً منتجاً لوطن تكفل بتعليمي بمراحل حياتي كلها. أن يكون أول رئيس لك في عملك إنسان يهتم بك فكرياً ويفعل المستحيل لصقلك وإظهار أحسن ما عندك هو فرصة عظيمة لا يحظى بها الكثيرون. كانت الدكتورة رولا دشتي قدوة وأمل لكل من تدرب تحت يديها. تهديك وقتها وجهدها وتستمع لشكواك وتذمرك بكل صدر رحب. تعطي الكل شعورا أن لا أحد مهما إلا أنت.كانت معظم المشاريع التي نقوم بدراستها في معهد الأبحاث تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العام للدولة. ولما لتوصيات هذه الدراسات من أهمية كانت الدكتورة رولا دشتي تسعى جاهدةً لتأهيل كوادر قادرة على التحليل مقدرة أهمية العمل الجاد ومتفانية لإيجاد الحلول المناسبة. كانت الدكتورة من خلال التدريب العملي في هذه المشاريع تعطينا الفرصة لإبداء الرأي والاختلاف فيه وتحرص على اشراك الكل في المناقشة الإيجابية وخلق الأفكار للخروج بأفضل وأنسب التوصيات التي بالإمكان تطبيقها على أرض الواقع. كانت تغرس فينا مبادئ وأخلاقيات البحث العلمي مهما كانت العواقب والضغوط السياسية. لقد مهدت الدكتورة لي الطريق للارتقاء بتعليمي لمرحلة الماجستير وتدرجت في المناصب القيادية في القطاع الخاص حتى أصبحت على رأس عملي. أدين لأشخاص قلة لما وصلت إليه اليوم، والنجاح الذي أحظى به اليوم مبني على حجر أساس بنته هذه الإنسانة في بداية طريقي لتمهد لي الدرب حتى هذا اليوم. لا تزال هذه الإنسانة منبعاً أستقي منه ولا يزال الدين يتراكم. سارة النصار

سامح المحاريق

سامح المحاريق / بطاقة صفراء للاتحاد الأوروبي!
يسجل اللاعب الألماني مايكل بالاك الهدف الثاني لمصلحة منتخب بلاده في مرمى صربيا، بينما الكاميرا تبحث عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتلتقط ردة فعلها التي لا تختلف في حماسها عن أي مشجع ألماني، والجيد أن الماكينات الألمانية استطاعت أن تقبل تخلفها بهدف لفوز متأخر، والسيئ أن أنجيلا ميركل ستعتبر هذه اللقطة إضافة لشعبيتها لدى الناخبين الألمان. حسناً، هي في النهاية امرأة تحب وطنها وتحب أن يحقق الانتصارات المتتابعة، ولكن الكثير من القضايا المهمة كانت تنتظر ميركل على مكتبها لليوم التالي، وللأسف هي لا تستطيع أن تتعامل معها بالنبرة المتحمسة نفسها! اليوم تقف ألمانيا كأحد الراعين الكبار للاتحاد الأوروبي، وفي الصف الأول تحديداً بجانب فرنسا، بينما تقبع صربيا في قائمة الدول المغضوب عليها أوروبياً. وبطبيعة الحال يختلف شعور المواطن الألماني تجاه الاتحاد عن شعور نظيره الصربي الذي لم يتمكن حتى الآن من الدخول في جنة «الشينغن»، ولكن للاتحاد الأوروبي وجهة نظر أخرى؛ فيمكن أن يتسع هذا الاتحاد حتى لدول لا ترتبط جغرافياً مع القارة العجوز مثل إسرائيل ليثبت رياضيوه المتقاعدون قدرتهم على استيعاب الفكرة الأوروبية أكثر من سياسيي بروكسل الذي يضعون المعايير القياسية للأوربة وفق حزمة من الشروط الاقتصادية التي تخضع أيضاً لمجموعة من المعادلات الاستراتيجية التي يمكنها أن تضع تركيا مثلاً في طابور الانتظار لأعوام طوال. التساؤل الذي يصعد بسرعة مع ارتفاع وتيرة التأفف الشعبي من التجربة الأوروبية والذي مازال يتواصل منذ موسم الاستفتاءات على الدستور الأوروبي الموحد: هل يعتبر مشروع الاتحاد خطوة مرحلية تجاه تحقيق اقتصاد عالمي أم يعد سوراً جديداً ضد موجات العولمة؟ من الناحية المبدئية، يمثل الاتحاد الأوروبي عائقاً أمام العولمة، وذلك رغم المكانة التي تمثلها الدول الأوروبية في منظومات العولمة المتعددة، مثل منظمة التجارة العالمية وتواجد العديد من الشركات الأوروبية العابرة للقوميات. فالخطاب الاجتماعي الأوروبي يتجه لاستبدال القوميات القائمة على أساس ثقافي - اجتماعي ـ لغوي مثل الفرنسية والألمانية والهولندية بقومية أوروبية تمثل مصالحها وترتهن من جديد لصندوق انتخابي موسع يعبر عن مجموعة من المشاعر القومية الجديدة الكفيلة بوضعه في حالة صراع ـ وإن يكن دافئاً ـ دائم مع الآخر عبر المحيط الأطلسي والمتوسط وآسيا الوسطى، وبالتالي تبقى سيطرة الديموقراطية في نسختها الحالية وآليات فرزها التقليدية مهيمنة على الجو النخبوي الذي أفرز فكرة الاتحاد قبل عقود. من ناحية أخرى، يلقي السؤال الأوروبي بظلاله على دول العالم الثالث، وبصورة أكثر تحديداً الدول التي استطاعت أن تحقق استقراراً اقتصادياً معقولاً، وموقفها الحقيقي من العولمة. لنأخذ مثلاً الأردن. ففي الأردن يتمكن المهندس الحاصل على مستوى تعليمي معقول وعدد محدود من أعوام الخبرة من الحصول على راتب لا يقل عن 1500 دولار أميركي، وهو مبلغ لا يحصل عليه نظيره الهندي بتعليم متفوّق نوعياً وعدد أكبر من أعوام الخبرة، وبالتالي، سيكون الموقف المبدئي للمهندس الأردني رفض الاستغناء عن الحصانة التي توفرها القوانين الأردنية بخصوص العمالة الوافدة، خصوصاً الماهرة منها، وسيحرص المهندس الأردني من خلال الجسد النقابي الذي يمثل مصالحه ومن خلال قدرته التصويتية على الاحتفاظ في هذه الحالة بعد أن تماسّ بآثارها عندما قبل المهندس الهندي أن يأخذ وظيفة في إحدى الدول الخليجية مقابل 2000 دولار لم تكن كافية لا لتلبية طموحات نظيره الأردني ولا متطلباته المعيشية هناك. أوروبا أيضاً تعاني من المأزق نفسه. ففي الوقت الذي تحتاج فيه للملايين من العمالة غير الماهرة، فإنها تضع القيود أمام العمالة الماهرة في التدفق لأراضيها، ولا يجد أي موظف في السفارة الأوروبية غضاضة في الاعتذار عن منح فيزا الدخول لطبيب ماهر لأنه سيجد، وبسهولة، عملاً في بريطانيا ولأنه سيقبل في تلك الحالة العمل بأجر أقل من الطبيب البريطاني، بينما سيتساهل الموظف نفسه في منح فيزا سياحية أمام وثائق معَدّة وفق الشروط المطلوبة لطالب لم ينه دراسته ويفكر في اقتناص فرصة عامل في أحد مصانع مانشستر. المسألة تتخطى ذلك؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه الدول الأوروبية دول العالم الثالث لرفع الدعم أو تقليصه إلى الحدود الدنيا واعتماد آليات السوق الحر، فإنها، ولنفترض بريطانيا مرة أخرى، تقدم شتى أنواع المعونات الاجتماعية لمواطنيها بصورة نقدية مباشرة ومغرية لدفع أحد الشباب للحصول على المعونة، ومن ثم العمل «وقت الحاجة» لتوفير ثمن تذكرة السفر إلى النمسا لحضور نهائيات بطولة أمم أوروبا والانضمام لآلاف الهوليغانز!ستمثل حوارات العامة أثناء بطولة أوروبا لكرة القدم ومناكفاتهم مادة ثرية للباحثين الاجتماعيين لرصد توجهات الأوروبيين تجاه الاتحاد الأوروبي كمشروع ومستقبل مشترك، ولكن هل سيدفع ذلك السياسيين في بروكسل إلى إعادة النظر في المواقف الحقيقية لأوروبا من اقتصاد عالمي مفتوح لا يختبئ خلف وسائل الحصانة الاقتصادية ويقبل فكرة المنافسة الحرة قبل أن يعمد إلى تصديرها لدول العالم الثالث في صورة دعائية برّاقة؟سامح المحاريقكاتب أردني، وهذا المقال برعاية «مصباح الحرية www.misbahalhurriyya.org 

سامي كليب

سامي كليب / لبنان بعيون سيّاحه
| سامي كليب | مشكور التين اللذيذ ومشكورالبطيخ ذو الطعم السكري لانقاذهما شيئا من ماء وجهنا في هذه الايام الرمضانية مع بعض زوارنا من السياح العرب. وأما البقية من شؤون الكهرباء والماء والهاتف وأمراض العيون والبضائع الفاسدة والفساد المستشري في جل مفاصل البلد والقلق الامني، فقد كانت أوقح من أن يتحملها بعض زملائنا الصحافيين العرب الذين زارونا وغادرونا قبل انتهاء اجازتهم، وكل منهم يتذرع بذريعة خاصة للهروب من لبنان الذي حوله ساسته من سويسرا الشرق الى جحيم هذا الشرق. وإليكم القصة من بدايتها:جاءنا بعض الزملاء العرب قبل أيام من تونس وقطر والجزائر وسورية بغية قضاء جزء من شهر رمضان الكريم في بيروت. دغدغتهم منذ أشهر تصريحات بعض الزعماء من امراء حرب سابقين حول صيف هادئ وسياحة عامرة، او من السياسيين الطارئين على السياسة لأسباب عائلية او طائفية او عشائرية، وناغشتهم صور الكليبات التلفزيونية (مشكورة «روتانا») الموحية بأن كل شيء في بلاد الأرز يرقص فرحا ونشوة، وان الرفاهية تعم العاصمة والضواحي، وان أحزمة البؤس التي أسست لحروب سابقة، انما اختفت وقامت مكانها الأبراج والشوارع النظيفة والأنوار.مرحبا بكم، تبتسم موظفة الأمن العام في المطار. جل الموظفين الجدد هم من الشباب المهفهف الأنيق هنداما وكلاما. صورة جيدة لبداية الرحلة. عال.لكن الرحلة سرعان ما ترسم كل خطوط العذاب والقهر. زحمة سير خانقة بين المطار وبيروت.الجميع «يتفرج» على حادث، والشرطي يدخن سيجارته. اشارات مرور توحي بأنها هنا فقط للفرجة، أو انها شاهدة على تقهقر حالنا. نرفزات السائقين يتخللها اشتباك بالأيادي وشتائم من كل الانواع بسبب افضلية المرور ويختتمها الشتامون بعبارة: «اللهم اني صائم».أخبار «صوت لبنان» تفصَل ما حصل في برج ابي حيدر قبل ليلة، يشرح السائق للزملاء السياح ان الاشتباك حصل في منطقة بعيدة عن طريق سير السيارة، تشد صديقتنا على يد زوجها القطري بشيء من القلق.يصل موكب زملائنا الى المنزل. البناية موحية من خارجها بشيء من طمأنينة المكان وتمد رجليها قليلا صوب البحر. ولكن ناطور البناية غادر قليلا لشراء خضراوات الافطار، فلا بد من الانتظار لعشر دقائق حتى يتكرم الشاب السوداني المتآلف مع لبنان منذ 8 سنوات بتشغيل «موتور» الكهرباء. يتهافت الزملاء الى المصعد والعرق يتصبب من وجوههم ويسيل معه بعض ماكياج الزميلتين السورية والتونسية.لابأس، لعلها لحظات عابرة، يفكر زميلنا القطري الساعي للتخفيف من تأفف زوجته، فهما كانا قد ودعا حرارة قطر التي تصل الى نحو 60 درجة، لكن المكيفات هناك تشتغل 24 ساعة على 7 أيام، تشتغل أينما كان، فلا يشعر الخليجي عادة بجور الطبيعة... الا اذا زار سويسرا الشرق. مفارقة غريبة.ترحيب سريع، وخبريات متنوعة تنسي زملاءنا السياح هموم الرحلة، وقليل من «الليموناضة» والجلاب، يرطب الأجواء الملتهبة عند بحر بيروت... تنفرج الأسارير، ينتقل الحديث الى بعض النكات والطرائف... يتصل الناطور السوداني: «استاذ، الرجاء عدم الاسراف بالمياه اليوم، فهي ستنقطع حتى صباح الغد....». نشكر الله أننا توقعنا ذلك وخزّنا على مدى اليومين الماضيين كل ما يلزم لراحة ضيوفنا - السياح....حان موعد مسلسل «أبو جانتي» السوري الممتع، ولعله الاكثر امتاعا بين مسلسلات الشهر الكريم، أو لعلنا في لبنان وجدناه كذلك لأن فيه ما يفرج عن الناس كروب الكهرباء والماء والهاتف... يصدح الممثل السوري سامر المصري بصوته الحلو وابتسامته المريحة: «يا بو السيارة اللانسر، واللانسر عيني يا يُمّا، يا بو سبع مارايا، مكتوب على رفرافا ابو جنتي عيني يا يُمّا وخصوصي للصبايا...» لا يكاد ينهي جملته الاخيرة حتى «تبرغل» شاشة التلفزيون... اتصال آخر مع الناطور السوداني، جواب جاهز: «عذرا يا استاذ، الزول (أي الرجل) المهتم بالدش (الصحن اللاقط) يتناول الافطار ولن يعود قبل ساعة...».نغضب، نلجم عباراتنا القاسية حيال الدولة وساستها ليس حبا بهم ولكن لكي لا نعكر رحلة ضيوفنا منذ يومها الأول، تمر الساعة هادئة لا بل وفيها شيء من الرومانسية، فالشمس التي ودعت لتوها سقف البحر تركت خلفها شيئا يؤكد روعة الخالق.يدق جرس الباب، يقف خلفه الشاب المصري المكلف شؤون مجلس خدمة الدش: «السلام عليكم ورمضان كريم يا باشا» يقول مبتسما، شأنه شأن جل المصريين يضحكون على مآسينا كما يضحكون على مآسيهم، ولو التقيت به كل نصف ساعة سيقول لك: «كل عام وانت طيب يا باشا»... نسأله عن الدش ونرجوه تسريع اصلاحه للحاق بمسلسل «أهل الراية»... يضحك ويعتذر ويقول ان اصحاب الدش باعوه الى شركة اخرى وان الشركة المصونة لن تباشر بإصلاحه قبل اسبوع... عال... يفرك عينيه، نسأله عن سبب تورم عينه واحمرارها، فيشرح ان ثمة فايروس ضرب بعض المناطق اللبنانية وانه معد. قال ذلك بعد ان كان لامس تقريبا كل شيء حول التلفزيون. تسارع الزميلة التونسية لتنظيف يديها بالدواء المعقم، يسأل الزميل القطري ما اذا كان من الضروري شراء دواء معين.ننتظر عودة الكهرباء والتلفزيون، يسعى بعض زوارنا لتقطيع الوقت بالاتصال بعائلاتهم، يكررون المحاولة الهاتفية أكثر من مرة، نخبرهم انه منذ بدأت مسيرة القبض على الجواسيس باتت خطوط الهاتف شديدة الصعوبة، تضحك زميلتنا التونسية قائلة: «اعيدوا اطلاق الجواسيس خدمة للكهرباء» يقهقه الجميع، الا السوريين.تعالوا ننزل الى وسط بيروت تقترح زميلتنا السورية. تستفسر زوجة زميلنا القطري وهي بالمناسبة زميلة عراقية: «الداون تاون يعني؟»... نعم.تمر الأيام على غرار اليوم الأول، يصبح زميلنا القطري خبيرا بشؤون الكهرباء وتنويعاتها، يعرف متى يدور الموتور، ومتى تأتي الكهرباء، ومتى نكتفي بالجهاز المشغل لعدد قليل من «اللمبات»، وتتحول زوجته الى خبيرة الريموت كونترول، بحيث تنتقل بسرعة فائقة من محطة «مبرغلة» الى اخرى مقبولة. وتتولى الزميلة التونسية وزوجها شؤون ادارة المكيفات بحيث كلما «تكت الساعة» (فصلت) تسارع الى اطفاء مكيفين والابقاء على الثالث.تضحك زميلتنا السورية، وهي بالمناسبة صاحبة نكتة من الطراز الرفيع، لعل لديها الكثير من الاسباب التي تضحكها، فالكهرباء في سورية قلما تنقطع منذ سنوات طويلة، ولو انقطعت فلساعة او اثنتين فقط، وثورة الارز الشهيرة تلفظ أنفاسها الاخيرة على طريق المصنع، وامراء الحرب وزملاؤهم من الطارئين على السياسة اللبنانية يتنافسون في تحميل بعضهم البعض مسؤولية المياه والكهرباء، ومسؤولو وزارة الصحة وحماية المستهلك يحذرون تارة من العصائر الفاسدة في الشهر الكريم، ومرة اخرى من أمراض العيون، ويكلل وزير التربية حسن منيمنة كل ذلك بالكشف عن شبكة تزوير الشهادات التربوية...تضحك الزميلة السورية وتلتقط خبر وزارة التربية بتعليق لئيم، قالت: «لعل من يحكمونكم اليوم نجحوا في السابق بتزوير شهاداتهم، ذلك انه من المستحيل في بلد الثلوج والامطار والانهار أن يتسول الكهرباء والماء»...يتبارى زوارنا وزملاؤنا العرب في دعوتنا الى بلادهم حيث الماء والكهرباء والهاتف والطرقات وكل شيء يسير على نحو جيد. نعدهم خيرا.غادروا جميعا في الصباح. لم يقولوا شيئا. ماذا سيقولون؟ ونحن بدورنا شكرنا الدولة الكريمة وكل الساهرين على دمارها المحتوم على منحنا قليلا من الكهرباء لكي لا ينزل زملاؤنا السياح سيرا على الاقدام من الطابق الخامس... كان «الزول» السوداني نائما هانئا، فالمروحة تشتغل فوق رأسه، وهي قلما تشتغل.عجبت لمقهور لا يخرج على المسؤولين شاهرا سيفه.

ستيف إتش. هانكي

ستيف إتش. هانكي / تأملات في شأن رونالد ريغان
يقدم المفكر الحقيقي للعامة أفكاراً جديدة عن نطاق واسع من المواضيع، بحيث يعبّر عن هذه الأفكار قبل وقت طويل مما يفعل معظم الناس. وهذا هو جوهر تعريف عالم نوبل للاقتصاد، فريدرك هايك، للمفكر. وفي مقالته المنشورة في مجلة جامعة شيكاغو للقانون عام 1949 «المفكرون والاشتراكية»، ألقى هايك الضوء أيضاً على أن المفكرين في مختلف الأحول أهم ما يعتقد معظم الناس. ورغم كل شيء، فهم يشكلون الرأي العام.لقد كان الاقتصادي النمساوي هايك أحد المفكرين المفضلين بالنسبة إلى رونالد ريغان. وقد كان ريغان مفكراً حسب تعريف هايك. ريغان المفكر؟ يجيب كتاب «بقلم ريغان» (2001) عن ذلك السؤال. ويحتوي هذا الكتاب، ذو المقدمة التوضيحية التي كتبها جورج شولتز، 259 مقالة كتبها ريغان بنفسه، والتي تتكون بشكل أساسي من نصوص برامجه الإذاعية التي كانت تذاع لمدة خمس دقائق خمسة أيام في الأسبوع في أواخر السبعينات. إن المقالات رائعة ومثيرة في اتساع وعمق موضوعاتها، وقد وضعت أساس إطار العمل الفلسفي لرئاسته.ومن الجدير ذكره أن «يوميات ريغان» (2007) نُشرت للتو. وباستثناء الوقت الذي دخل فيه المستشفى ليتلقى العلاج بعد محاولة اغتيال فاشلة، فقد كتب ريغان يومياته كل يوم. وقد كانت مذكراته اليومية تحتل ما طوله نحو صفحة ومكتوبة بوضوح بخط ريغان. وكما هي الحال مع كتاب «بقلم ريغان»، فإن «يوميات ريغان» هي من أعمال ريغان التي كتبها بيديه، وليست مواد كتبها موظفوه نيابة عنه.لا عجب أن ريغان بدا مسترخياً ومسيطراً على نفسه. فقد فكر في الأمور ملياً. وبوصفه شخصاً كان كبير الاقتصاديين في مجلس المستشارين الاقتصاديين خلال عامي 1981 و 1982 فقد رأيت بصيرته الفكرية مباشرة.وكانت واحدة من مهامي السابقة تحليل تملك الأراضي من قبل الحكومة الفيديرالية وتقديم التوصيات عما يجب الفعل بها. وكان هذا عملاً كبيراً. فهذه الأراضي واسعة بحيث تغطي مساحة تبلغ ستة أضعاف مساحة فرنسا. وتمثل هذه الأراضي التي يُزعم أنها حكومية شذوذاً اشتراكياً كبيراً في نظام أميركا الرأسمالي. وكما هي الحال مع جميع المشاريع الاشتراكية، فإنها تُدار بشكل سيئ من قبل السياسيين والبيروقراطيين الذين يرقصون على أنغام جماعات المصالح الضيقة. وبالفعل، فإن الأراضي الأميركية المؤممة تمثل أصولاً تساوي تريليونات الدولارات، إلا أنها تولد صافي تدفقات مالية سلبية للحكومة. وقد قدمت توصياتي لاجتماع مجلس الأراضي الحكومية السنوي في رينو، نيفادا، في سبتمبر 1981. وكان عنوان كلمتي «خصخصوا تلك الأراضي». لقد أثارت خطبتي التي ألقيتها في رينو ضجة. فقد استشاط وزير الداخلية جيمس وات غضباً، لأنه أراد أن يسلم الأراضي للدولة، مستبدلاً نوعاً من الاشتراكية بآخر. ولا داعي للقول إنني ظننت أنني وقعت في ورطة. وعلى أمل تجنب أن أصبح أضحية سياسية، فقد أرسلت بسرعة تحليلي إلى الرئيس.ولدهشتي، فقد استجاب ريغان فوراً، ووقف إلى صفي. والأفضل من ذلك، فقد جعل بسرعة من عروضي سياسة للإدارة. كما جعل ريغان رسالته عن ميزانية السنة المالية 1983 علنية عندما صادق على خصخصة الأراضي الحكومية: «إن بعض هذه الأراضي غير مستخدمة وستكون ذات قيمة أعظم للمجتمع إذا تم تحويلها إلى القطاع الخاص. فسوف نوفر في الأعوام الثلاثة المقبلة تسعة مليارات دولار باستبعاد هذه الممتلكات، بينما نحمي ونحافظ بالكامل على الحدائق العامة والغابات والبراري والمناظر الطبيعية القومية».لقد تبين أن ريغان فكر مسبقاً في هذا الأمر. ويحتوي كتاب «بقلم ريغان»، على مقالات عدة عن الموضوع، والتي تؤذن ببيانه السياسي. إن تأملاته المتعلقة بالأراضي الحكومية تردد كتابات مفكر جيد آخر، وهو آدم سميث. ورغم أن ريغان لم يقتبس عن سميث مطلقاً، فإن منطقهما كان متشابها.  واختتم سميث كتابه «ثراء الأمم» (1776) بقوله «لا تبدو أي شخصيتين غير منسجمتين أكثر من شخصيتي التاجر والسيد»، لأن الناس يبذرون أموال الآخرين أكثر مما يبذرون أموالهم. وبذلك الاعتقاد، فقد قدر أن إنتاجية الأراضي التي تمتلكها الدولة تبلغ 20 في المئة فقط مقارنة بالممتلكات الخاصة. واعتقد سميث أن قطع الأراضي الرائعة في أوروبا هي «مجرد مضيعة وإضاعة للدولة من المنتج والسكان على حد سواء». وقد أوقفت المعارضة السياسية ريغان من الخصخصة. وبالتالي بقيت أراضي الولايات المتحدة المؤممة تستخدم بطريقة سيئة. ولكن ريغان المفكر كان محقاً قبل وقت طويل!ستيف إتش. هانكيأستاذ علم الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، وهو زميل قديم في معهد كيتو في واشنطن العاصمة، وهذا المقال برعاية «مصباح الحرية»، www.misbahalhurriyya.org

سطان حمود المتروك

سطان حمود المتروك / حروف باسمة / حلت البركة
البركة كلمة تبعث على الأمل وتفضي إلى الخير. ونحن في عرسنا الديموقراطي الذي اوشك على الانتهاء من خلال الندوات الانتخابية ومقار المرشحين التي امتلأت بصنوف الغذاء وانواع المأكولات، وكأنما فكرة الاديب تلوح في تلك المقار حيث يقول:أخي أقبل القوم في رقصةإذا اكتشفوا في الجفان الجدىجلسنا عليها بلا رحمةفصارت هباء وصارت سدىثمة مقار تترى فيها الشيش ويلوح في اروقتها دخانها، وكأنما لا مجال «لبيئة ولا مفهوم للتلوث»، ومقار لندوات تفضي عن فكر طيب، وبرنامج طموح ووعود في الاصلاح، وقوة في الاتحاد، ولسان طيب، وقلب مفعم بالأمل نحو مستقبل أفضل لاجيال تنتظر ان تحل عليها البركة، ونحن في يوم البركة، يوم الاقتراع، نأمل بأن تحل البركة على الافكار المفعمة بالخير للكويت، وعلى القلوب التي تهتف وتقول تحيا الكويت، وعلى الضمائر التي تنتعش حبا باسم الكويت.تحل البركة على المخلصين الذين ينبذون التفرغ والتشرذم والتطرف، اولئك الذين قبيلتهم وطائفتهم وفكرهم وخطتهم وبرنامجهم الكويت وأهل الكويت.فلننتخب كل ضمير حي يلهج باسم الكويت ولتحل البركة في يوم الاقتراع على الكويت وأهلها المخلصين الذين يتمنون الخير لها ويعملون من أجلها.ولننشد عزيزي القارئ لأمنا الكويت في هذا اليوم المبارك:الحب لا يخفى على من يرىمهما انطوى بصدر خل امينوالجهر يحلو عند صدق الوفامحبوبتي ذكر اسمها يحيينيهي الكويت موطني شامخجبينها يعلو فيعلو جبينيسطان حمود المتروككاتب كويتي

سعد الراجحي

سعد الراجحي / أمن الداخلية
سعد الراجحيما من يوم إلا ونقرأ في الصحف ما تقر به العين ويثلج الصدر من تصدي أبطال الداخلية ضباطاً وأفراداً لعصابات الموت والسرقة والفساد في البلاد، والذي يزيد اطمئناننا وثقتنا بهؤلاء الأشاوس هو سرعة الوصول لمرتكبي هذه الأفعال الشنيعة من عديمي الإيمان والضمير.نعلم أن عملهم مضن ومجهد ودؤوب ومستمر دوماً من دون كلل أو ملل حماية لوطنهم وشعبهم ومجتمعهم وأهاليهم من سموم المخدرات والسرقات ومحاربة أهل الفساد ومرتكبيه. فتحية لهؤلاء الأفذاذ يعجز عنها اللسان أو يسطرها البنان. ففي كل جريمة سرقة أو فساد أو حتى حادث مرور نجد ذكر أسماء هؤلاء الأسود من أنه قد كلف العقيد فلان الذي أوكل المقدم والرائد فلانـ ويذكر ضباط وأفراد تابعوا الجريمة حتى تم كشفها.المتابع لما ينشر في الصحف من أسماء الضباط ورتبهم ومناصبهم يستطيع أن يحددهم جميعاً، وأظن أنه هنا تكمن الخطورة على إخواننا وأبنائنا حماة الوطن، ولا أرى حكمة من ذكر عدد ما لا يقل عن سبعة أو عشرة ضباط في كل حادثة، حتى لو كانت حادثة صغيرة كحادث مروري.مما لا شك أن في الجرائم الكبرى، مثل تهريب المخدرات وغيرها، أن عصابات السموم المنحرفة لن تجد صعوبة في معرفة ضباط المباحث المختصين في مكافحة المخدرات، مما يشكل خطورة عليهم مباشرة من صدهم أو التصدي لهم أو حتى مهاجمة بيوتهم وأسرهم وأبنائهم.وخوفاً على هؤلاء الأفذاذ من عديمي الضمير أرى من المصلحة عدم ذكر أسمائهم ومناصبهم في الصحف عند كل جريمة أو حادث، وفقهم الله وحفظهم من كل مكروه وسوء ونور بصائرهم وسدد خطاهم.سعد الراجحيكاتب كويتي[email protected]

سعد المعطش

سعد المعطش /رمح الشمال/أموال المحسنين و«بيت الزكاة»
سعد المعطشمن هم الأقربون الذين أمرنا الله بأن يكون معروفنا بهم قبل الآخرين؟ أعرف أن الجميع يعلم من هم المقصودون بتلك الآية الكريمة، ولكن هل الجميع يطبق ما يعرفه عن ذلك الأمر الرباني؟لقد وصلتني رسالة من أحد الإخوان بعنوان «هل يعقل يا المعطش»، ويذكر فيها أنه مواطن كويتي ومعيل لأسرة كبيرة، وأنه تقدم بطلب إلى «بيت الزكاة» من أجل قروضه التي أعسرته. ولكنه لم يجد منهم الاهتمام بما يعانيه، والشيء الغريب بأمر تلك الرسالة ان «بيت الزكاة» يعرف جيداً هذا المواطن، فهو لجأ إليه منذ عام 2002 ليعينه على أمور الحياة ومشاكلها، وهذا ما جعلني استهل مقالي بذلك التساؤل عن تلك  الآية الكريمة، فهذا المواطن هو أقرب إلى المعروف الذي تفضل به سمو الشيخ سالم العلي الصباح أطال الله عمره، فهم درسوا حالته منذ أكثر من خمس سنوات ولهذا فهو من الذين يقدم اليهم إعانة من قبل «بيت الزكاة» منذ ذلك التاريخ، كل ما نتمناه ألا يكون بعض العاملين في «بيت الزكاة» نفذوا تلك التوصية الربانية بالمعروف، وأنهم ابتدأوا بالموظفين وقروضهم قبل المعسرين الحقيقيين، فهؤلاء الذين قد درستم حالتهم منذ أعوام هم أكثر ناس يستحقون المساعدة، أجزم ان مدير بيت الزكاة هو رجل لا يسمح بأن تحدث هذه الأمور مع المحتاجين لتلك المساعدات.احتفظ برقم ملف المواطن الكويتي المعسر وبياناته كاملة، أدام الله المحسنين في الكويت... ولا أدام الله من يعتبرها ملكاً للعاملين عليها فقط. كاتب كويتي                                                                                                                                                                                                                                  [email protected]

سعد جاسم الهاشل

سعد جاسم الهاشل / التعليم في خطر
| بقلم: سعد جاسم الهاشل |نشرت جريدة «الراي» الغراء في عددها (11636) بتاريخ 2011/5/11 حوارا لقناة «الراي» مع وزير التربية وزير التعليم العالي السيد احمد المليفي وعليه وددت ان أبدي الرأي في ما ورد على لسان الوزير.بداية أود ان أعرب له بتمنياتي له بدوام الصحة والعافية وان يحفظه الله من كل سوء.أما بعد، لقد تطرق الوزير في بداية حديثه بأنه قد عرضت عليه وزارة العدل، ولكنه رفضها وفضل مسؤولية وزارة التربية. والواقع انني اعتقد بأن تولي السيد احمد المليفي وزارة العدل سيكون له ايجابيات بحكم العلم والخبرة في المجال، بل انني ارى بأنه سيقوم باستكمال تطوير بعض اجهزة القضاء مثل ادارة الخبراء، ومعهد الدراسات القضائية، وإدارة التنفيذ وغيرها من الاجهزة ذات العلاقة.كما اشار الوزير في حديثه الى خطة عمله المقبلة لتطوير منظومة التربية والتعليم، وهي تبدو لي بأنها مبنية على خبرة شخصية محدودة في شأن التعليم بحكم علاقته بأبنائه وسماعه للآخرين حول قضايا التعليم ومشكلاته.أولاً، أود ان أشير بأنه قد يكون محقا في ما تناوله في شأن القضاء على المركزية في العمل والتحول الى العمل الالكتروني وإلغاء نظام الاوراق وذلك بهدف مواكبة العصر وتطوراته التقنية.كما اشار الى انه سيلغي عن كاهل المعلم الاعمال الادارية، وهذا بالطبع توجه يشكر عليه، والهدف منه إتاحة مزيد من الوقت لعمل المعلم الاساسي وهو الجانب المعرفي.ثانياً، ما يسترعي الانتباه من ذلك اللقاء ويدعو الى الاستغراب هو ما اشار اليه الوزير الى انه ينوي في الصيف اجراء ما أسماه برجيم المناهج (وهو دون شك مصطلح جديد على التربويين)، وأضاف ان المجتمع سيرى مناهج مختلفة تماما والواقع انني أحسب الوزير عندما تحدث عن المناهج بأنه يعني الكتب الدراسية وهي دون شك جزء لا يتجزأ من المناهج، اما المناهج بمفهومها العلمي أوسع بكثير مما يعنيه. فقد عرف اصحاب الفكر التربوي المناهج بأنها مجموعة من المقررات والنشاطات والخبرات في داخل المدرسة وخارجها وتحت توجيه ادارة المدرسة لتحقيق الاهداف التربوية.وأود هنا ان أؤكد على امر في غاية الاهمية وهو ان تصريح الوزير في شأن المناهج يعد امرا خطيرا وغير مدروس ويجعل التعليم في خطر لو انه أقدم على هذه الخطوة، بل يعد عبثا في التعليم، باعتبار ان التعليم شأن مجتمعي بدءا بأصحاب الاختصاص والقيادات التربوية، وانتهاء بأولياء الامور والمتعلمين، وبالتالي فهو مسؤولية جماعية، وتطويره يجب ان يكون وفقا لبرنامج مخطط، ومبني على رؤية مستقبلية ذات غايات بعيدة المدى مشتقة من دراسات تشخيصية للواقع الميداني. وبأن يكون التطوير قائما على سياسات ثابتة لا تتغير بتغير القيادات.ثالثاً، يشير الوزير ايضا بأنه سيقوم بتوطين الدراسات العليا داخل الكويت، وهذه زلة اخرى للوزير ناتجة عن عدم التأني والتريث في تناول المسؤولية.والواقع انني كنت أتوقع بأنه سيشير بحكم تجربته السياسية بأنه يحتاج الى وقت كاف بهدف التعرف على وجهات نظر القيادات التربوية سواء في وزارة التربية ووزارة التعليم العالي من جهة، وأساتذة وقيادات الجامعة وهيئة التعليم التطبيقي من جهة اخرى. والتعرف على المستجدات والمتغيرات والامكانات المادية وحاجات سوق العمل وهي دون شك تعد عوامل حاكمة في بلورة تصور حول البيئة الداخلية والخارجية للتعليم.كما انه يجب علينا جميعا ان نؤكد على اهمية الارتباط بالعالم الخارجي المتطور حتى نستفيد من تجاربه وخبراته. كما ان خروج الابناء للتعليم في الخارج يعد بمثابة اعداد الحياة.وأخيرا أود ان اشير الى مجموعة من الدراسات التي لو اطلع عليها الوزير لتمكن من تحقيق رغبته في الاصلاح التربوي باعتبارها تتضمن فلسفة تربوية لتنظيم العمل التعليمي ولتحقيق الغايات المنشودة. ومن بين هذه الدراسات ما يلي:1 - استراتيجية مستقبلية لتطوير التربية في دولة الكويت حتى عام 2025 (1998).2 - مشروع استراتيجية التربية والتعليم في الكويت 2025 (2001).3 - استراتيجية التعليم العام (2005 - 2025) 2003.4 - طريق الى تطوير التعليم في الكويت (2006).وأختتم حديثي بأن أذكر بأن منظومة العمل التربوي والتعليمي تعد ذات اهمية بالغة باعتبارها تتعلق بوجود المجتمع وتطوره، وبالتالي يجب ألا تؤخذ باستهانة، ولا بالاندفاع الحماسي.والله ولي التوفيق.وزير العدل السابق

سعد خالد الرشيدي

سعد خالد الرشيدي / إسقاط القروض ... لماذا؟!
| سعد خالد الرشيدي |أثارت التوجهات الاخيرة للحكومة القبرصية نحو اقرار مشروع قانون لفرض ضريبة مثيرة للجدل على الودائع المصرفية، مقاربة مشروعة للتوجهات السائدة في الكويت، والتي تحتل منذ فترة واجهة النقاشات بين مجلس الامة والحكومة.فبينما يعكس المشهد القبرصي توجهات الدولة الى تحميل المواطن مسؤولية الاسهام في حل ازمة الدولة والدفع من جيبه الخاص لتسديد ديونها، بغض النظر عن سلامة هذا الاجراء، نجد ان مؤسسة الدولة في الكويت تعاكس هذا التوجه تماماً، وتبحث مسألة اسقاط القروض او الفوائد، عن 67 ألف مواطن من جيب الدولة كلها، مخالفة في ذلك الابعاد والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والدستورية.وبعيداً عن الكلفة الحقيقية التي يمكن ان تتحملها ميزانية الدولة جراء هذا الاجراء، فان اخطر ما في موضوع اسقاط القروض ان المقترحات المختلفة في هذا الخصوص مبنية على أهداف سياسية في اطار سباق خطير لكسب الشارع الانتخابي على حساب العدل والتنمية والمال العام، وتحالف تيارات لا تهتم كثيراً بمبدأ المحافظة على العدالة الاجتماعية ومكتسبات الشعب التي يحفظها الدستور في ان يكون توزيع الثروة بين جميع المواطنين بالتساوي.والمثير للدهشة في جميع مشاريع اسقاط القروض التي قدمت سابقاً او الصيغة الحالية، ان عوائدها تنحصر فقط على شريحة محددة من المواطنين، فيما يمكن لو تم الاتفاق على استبدال هذه المشاريع بأخرى تضمن توجيه كلفة هكذا اجراء في تنمية القطاعات الصحية او التعليمية او التنموية، التي بدت منذ التحرير انها لا تحظى بالاهتمام الكافي سواء من الدولة او مجلس الامة، ومن ثم تتحقق المصلحة العامة لجميع المواطنين دون استثناء، وبما يحفظ في الوقت نفسه حقوق الاجيال القادمة من الثروة التي وهبها الله للكويت.وفي اعتقادي ان ما يزيد المخاوف المالية من مشاريع اسقاط القروض، من ان تنصت الدولة لتعاون الحكومة ومجلس الامة، فيما تغفل الاعتبارات الاقتصادية وتداعيات هذا القرار الذي قد تمتد اثاره على المستقبل المالي لدولة احادية الدخل مثل الكويت، والذي تحول اقتصادها في العام 2010 من نمو حقيقي موجب وكبير الى انكماش اي نمو سالب، بعد ان تحول من اقتصاد بمتوسط نمو حقيقي معقول بلغ نحو 4.5 في المئة الى اقتصاد ضعيف النمو بمتوسط منخفض بلغ نحو 1.2 في المئة.وبرأيي انه كما اتخذت الدولة اجراءات للحيلولة دون نشوب صراع مباشر مع النواب منذ 2006، عليها ان تستمر في مسارها الرافض لجميع سيناريوهات اسقاط القروض، ما لم تكن لديها خطط غير معلنة لاسترضاء نواب المجلس الحالي بمزيد من البذخ المالي على بعض المواطنين دون ان تراعي تكلفة الفاتورة على المال العام، او ان هذه المطالبات لن تكون الاخيرة اذا شرعت الدولة الباب لتلبية المطالب الشعبوية والرغبات الاستهلاكية المسرفة، على حساب الاجيال القادمة.

سعد صالح الخنة

سعد صالح الخنة / مجرد رأي / التخلص من الأزمة
كيف يتم التخلص من الأزمات السياسية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ هذا هو السؤال الأبرز.ولعل الجواب يحتاج إلى مقدمات كما يقال ان السياسة هي فن الممكن. وإذا ما أخذنا ما يقوله نواب الأمة على مر المجالس المتعاقبة، منذ التحرير وحتى الآن عن الحكومة «غير المتعاونة» و«حكومة مصالح» و«حكومة تأزيم» وغيرها، وهذا ما يؤدي إلى استجوابات، ومن ثم حل المجلس تلو المجلس وعودة الحكومة نفسها والخاسر الشعب ومصالحه.المطلوب فهم عقلية الحكومة والتعاطي معها بالمبدأ أعلاه «فن الممكن» نحو أهداف رئيسية ومركزة لا يختلف عليها اثنان، وعدم تشتيت هذه الاهداف بأهداف ثانوية أو ذات مصالح انتخابية، ومن هذه الاهداف الرئيسية الرعاية الصحية والتعليم والارتقاء بخدماتها بما يغنينا عن العلاج بالخارج، والتعليم الذي يعيد لابنائنا حسن القراءة والكتابة والحفظ ونمو الثقافة العامة لديهم، كما هو في الستينات والسبعينات، والأمن الذي يجب ان يقوم عليه المختصون ويحيطون علماً بالمخاطر المستقبلية ويعدون العدة لمواجهتها وتحصين الشعب منها وعدم خلطها بأهداف يُختلف عليها كإسقاط القروض، الدواوين، الكوادر الوظيفية.ومع متابعة المجلس لأدائه في الرقابة الموزونة والتشريع الملائم يكون نواب الأمة قد أخذوا بيد الحكومة وانتشلوها من عقليتها المختلفة وأدائها المحبط حسب زعمهم نحو تحقيق تلك الاهداف، وحينها ينعم الشعب بالاستقرار السياسي والأمان والاعمار وتخلق الاجواء للابتكار والابداع.سعد صالح الخنةمحام كويتي

سعد مفرح الزمانان

سعد مفرح الزمانان / المكرمة الأميرية
لقد استبشرنا خيراً في المكرمة الأميرية عندما أمر سمو أمير البلاد حفظه الله ورعاه معاشات استثنائية للعسكريين المتقاعدين في القطاعات العسكريـة الاربع (الجيش/ الداخلية/ الحرس الوطني/ الادارة العامة للإطفاء) والتي شملت الضباط من رتبة رائد الى رتبة لواء ممن تقاعدوا من 26 /1 /1991 حتى 30 /6 /2004 اسوة بزملائهم الذين تقاعدوا من تاريخ 1 /7 /2004 حتى 28 /4 /2008 ولكن هناك زملاء لهم ادوا العمل بالإخلاص، الصدق، الأمانة، وكانت أعمالهم جليلة، وقد ابلوا بلاءً حسناً طوال الأعوام التي قضوها بالعمل.وهؤلاء الرجال هم افراد و ضباط الصف والضباط من رتبة ملازم إلى رتبة نقيب، فلقد حملوا هذا العمل الخطر كل منهم بجهته حيث يقوم العسكريون بالجيش في حماية أمن الوطن من أي بلاء خارجي، ويقوم رجال الشرطة بحماية أمن البلد ومكافحة الجرائم بشتى أنواعها، وتنظيم طرق السير، ويقوم رجال الحرس الوطني بدور لا يقل عن دور رجالات الجيش والشرطة، ويقوم رجال الاطفاء بمكافحة الحرائق وقيادة الاليات الثقيلة وذلك للحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين والمقيمين، وهذه الأعمال الجليلة أديت من قبل الأفراد وضباط الصف والضباط الذين لم تشملهم هذه المكرمة، وإذ هم ابناؤك يا صاحب السمو يناشدونك بأن تشملهم هذه المكرمة، كما عهدناه من سموك دائماً حريصاً على تكريم ابنائك، ونسأل الله أن يطيل في عمرك ويجعلك ذخراً للكويت الحبيبة.سعد مفرح الزمانانكاتب كويتي

سعود عبدالعزيز العصفور

سعود عبدالعزيز العصفور / المستشار «الطيار»!
سعود عبدالعزيز العصفورعندما يصرح صاحب السمو أمير البلاد أكثر من مرة برفض فكرة «الحل غير الدستوري» فإن مثل هذا التصريح يجب أن يكون منهياً لكل مروج لمثل هذا الإجراء غير الدستوري سواء صراحةً أو تلميحاً، لذلك كان استغرابنا شديداً جداً، مما كتبه المستشار الإعلامي في الديوان الأميري سامي النصف عندما حاول في إحدى مقالاته الأخيرة تلميع صور الحل غير الدستوري السابقة التي مرت على هذا البلد وعادت عليه بأسوأ مراحله التاريخية والتي لايزال يدفع ثمنها حتى وقتنا هذا! الحل «غير» الدستوري يا أستاذنا الفاضل «قبيح» بكل صوره فلا حاجة ولا أثر سيبقى لأي محاولة لتجميل أحداثه أو تبرير سابقاته، فغير «الدستوري» سوف يبقى غير دستوري مهما كانت «الظروف الدولية المحيطة» والتي يحاول البعض أن يعلق عليها شماعة الترغيب والترويج لمثل هذه الحلول الخارجة عن نطاق الدستور والشرعية، مثلما علقت عليها كل محاولات الحل غير الدستوري السابقة!مثل هذه الدعوات ومحاولات بناء القواعد المروجة لمثل هذا الحل، غير الشرعي مرة أخرى، عندما تصدر من أشخاص لهم مصالح متضررة من وجود السلطة التشريعية والرقابية الممثلة بمجلس الأمة قد تكون مفهومة الدوافع والأهداف ومحصورة كل حسابات الربح والخسارة المتعلقة بها، ولكن أن تصدر مثل هذه الدعوات ممن توكل إليهم مهمة تقديم النصح والاستشارة إلى صناع القرار في هذا البلد، فهذه كارثة الكوارث والطامة التي تجعلنا نتساءل عن مدى جدية هؤلاء المستشارين في تقديم النصائح الصادقة والمخلصة للوطن أولاً، ثم لمن استعان بخبراتهم في مجالهم! وعندما تأتي مثل هذه الدعوات المناهضة للديموقراطية والحريات ممن يتبنون منهجاً قمعياً إقصائياً لا مجال فيه لمشاركة الشعب في إدارة شؤونه تكون متوقعة وإن لم تكن مقبولة، ولكن أن تأتي ممن يحاول أن يصنف دوره وتوجهه ضمن الفريق المنادي بالحريات والانفتاح على العالم والتوجهات الديموقراطية، مثل المستشار «الطيار» سامي النصف، فتلك أقل ما يقال عنها، تهذباً ومداراة للخواطر، تلون سياسي ممجوج للأسف!يصل بنا الاستغراب مداه الأبعد، ونحن لا نزال نعاني تبعات دور مستشار آخر في تمرير مشروع كاد أن يكلف هذا البلد وأهله ما يزيد على اثني عشر مليار دينار بالتمام والكمال، عندما نفاجأ بمثل هذه التوجهات لمستشاري صناع القرار في بلدنا! هل يعقل أن يكون هذا هو منهج ودور هؤلاء المستشارين؟ وهل يفسر هذا لماذا البلد في تراجع على جميع المستويات مادام هؤلاء هم أهل الاستشارة والنصح والإرشاد والخبرة؟ ومادام هؤلاء هم أهل النصيحة والرأي السديد، فهل يحق لنا أن نتوقع رأياً سديداً؟نداؤنا الأخير إلى المخلصين من أعضاء مجلس الأمة، لا تترددوا ولا تتأخروا بسن قانون يجرم أي دعوة أو ترويج للحل غير الدستوري، فمثل هذه الدعوات تضرب الاستقرار السياسي والأمني الداخلي عبر الدعوة إلى تقويض النظام الديموقراطي العام الذي يضمن الاستقرار لهذا البلد.سعود عبدالعزيز العصفوركاتب ومهندس كويتي[email protected]

سعيد السني

سعيد السني / الرئيس أم الدستور أولا؟
على صفحته الشخصية بموقع تويتر للتواصل الاجتماعي، وفي تدويناته طلب المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحائز جائزة نوبل للسلام، الدكتور محمد البرادعي، من البرلمان المصري، أن ينتخب من بين أعضائه فورا رئيسا موقتا لمصر، قبل الشروع في تشكيل لجنة كتابة الدستور الدائم للبلاد، وعلى أن يعقب الدستور، انتخاب برلمان ورئيس للجمهورية.. البرادعي أيضا هو زعيم الجمعية الوطنية للتغيير بمصر، ومرشح منسحب من سباق الانتخابات الرئاسية، احتجاجا على ما يصفه بـ «تخبط» سياسات المجلس العسكري الحاكم بمصر، وقد جاء مطلبه متزامنا مع ارتفاع الأصوات الشبابية الثورية، المنادية في «ميدان التحرير» والميادين الأخرى، بتسليم السلطة للمدنيين، وإقصاء المجلس العسكري عن الحُكم، ومع ذكرى مرور عام على اندلاع ثورة 25 يناير التي أسقطت الرئيس حسني مبارك ونظامه، يوم 11فبراير من العام الماضي، ومن ثم فإن دعوته لاقت ترحيبا شديداً، وسط هذه القوى الثورية المصطلح على تسميتها «قوى الميدان» التي لا تمل الهُتَاف بشعار «يسقط يسقط حُكم العسكر».قبل البرادعي وعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، فإن الفقيه القانوني طارق البشري رئيس اللجنة التي كلفها «العسكري» إعداد التعديلات الدستورية عقب قيام الثورة، دعا هو الآخر، عبر حوارات تلفزيونية وصحافية عدة، لاختصار مراحل وزمن انتخابات مجلس الشورى، يعقبها فورا، تشكيل لجنة كتابة الدستور، وفتح باب الترشح لـ «الانتخابات الرئاسية»، وعلى أن تجرى «أولا»، و «قبل» كتابة الدستور، وغير هذا وذاك، تنادى قوى الميدان، بتسليم السلطات الباقية مع العسكري، وهي سلطات رئيس الجمهورية إلى «رئيس البرلمان» فورا، ويتولى هذا الأخير سلطات رئاسة الجمهورية إلى جانب رئاسته للبرلمان، مع ملاحظة أن رئيس البرلمان هو «إخواني».المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري، وعقب محاولات اقتحام وزارة الداخلية، في شهر نوفمبر الماضي، والمعروفة إعلاميا بـ «موقعة محمد محمود»، كان قد تعهد في شهر نوفمبر الماضي بتسليم سلطات البرلمان فور انعقاده، وهو ما حدث بالفعل يوم 23 من شهر يناير الماضي، أثناء انعقاد أولى جلسات البرلمان، كما تعهد المشير يومها بإجراء انتخابات الرئاسة قبل نهاية شهر يونيو المقبل، وعارضا أن يتنحى «العسكري» فورا عن السلطة، إذا وافق الشعب على ذلك عبر استفتاء عام.هكذا يبدو «المشهد السياسي المصري» مرتبكاً بشدة، وتُمزقُه الانقسامات الحادة، وربما أن كل هذا الارتباك، يرجع إلى أن الانتخابات البرلمانية جرت قبل كتابة الدستور، إذ المُعتاد هو أن يكون إعداد «الدستور» أولا، كي يتحدد النظام المراد والأسس التي يقوم عليها، وشكل الحياة التي يريدها المجتمع، وبعدها تكون «الانتخابات» لإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يتوافق مع الدستور الجديد، إلا أن لجنة البشري وبدلا من ذلك، جعلت «الانتخابات» أولا قبل الدستور، وهو ما جاء لصالح «جماعة الإخوان المسلمين»، إّذ ان «الأحزاب» القديمة كلها تكاد تكون سقطت مع النظام، بينما الجديدة و الثورية تحتاج إلى وقت للتواجد، والكل يعلم أن «الإخوان» هم التنظيم السياسي «الوحيد» الذي كان جاهزاً لخوض الانتخابات، ومؤهلاً للفوز، رغم أنه كان محظورا من الناحية القانونية قبل الثورة، ولعل جهوزية الإخوان ترجع لمجموعة من الأسباب ليس مجالها الآن.وعودة لـ «مطلب» البرادعي بتعيين رئيس موقت للجمهورية، وكتابة الدستور، ثم حل البرلمان، بدلا من «الرئيس» الذي ينتخبه الشعب مباشرة قبل نهاية شهر يونيو المُقبل، طبقا لتعهد المشير، فهذا الذي يطلبه البرادعي يتعارض بشدة مع الإعلان الدستوري القائم حاليا، ويفتح الباب واسعا لصراعات قد تكون مصحوبة بالعنف، نتيجة هدم ما تم بناؤه، والبدء من نقطة الصفر..ذلك أن الإخوان، والسلفيين، والجماعة الإسلامية، والذين يمتلكون نحو 70 في المئة من مقاعد البرلمان، يتوافقون مع المجلس العسكري، ويؤيدونه، فيما قرره من إجراء لانتخابات الشورى وكتابة الدستور، ثم رئاسة الجمهورية في موعدها المقرر، قبل نهاية يونيو المقبل، وهذه «القوى الإسلامية» أعلنت أخيرا، أنها لا ترغب ولا تنوي الصدام مع العسكري، كما أنها لا تقبل «مطلب البرادعي» لأنه يعني «حل البرلمان» وتجريدها من إنجازها بالاستحواذ على الغالبية البرلمانية، وهي لا توافق أيضا على فكرة الرئيس الموقت للجمهورية، بل وقد رفض الإخوان أن يكون رئيس البرلمان، وهو منهم، رئيسا للجمهورية، وهذا الرفض توافق مع رؤية العسكري واتفاق، وربما تحالف خفي، إذ المعلوم ان «العسكري»، لا يقبل تسليم رئاسة الجمهورية إلى الإخوان، هكذا ومن دون انتخابات، كما أنه ربما يؤيد ويُفَضل مرشحا مدنيا له خلفية عسكرية.أما عن دعوة «البشري»، لتقديم وتسريع الانتخابات الرئاسية قبل إقرار الدستور.. فإن أي باحث موضوعي دارس للقانون يعلم جيدا أن «البرلمان» بمجلسيه (الشعب والشورى)، يُمكن أن يتعرض للحل، عقب إقرار الدستور المنتظر، لأن البرلمان منتخب في ظل الإعلان الدستوري الحالي والصادر بمرسوم عسكري في 30 مارس الماضي، كما أنه لا يجوز للبرلمان أن يستمر حال «ميلاد» الدستور المنتظر، إذ ان هذا الميلاد يعني وفي نفس اللحظة إعلاناً بـ «وفاة» الإعلان الدستوري الحالي، الذي هو بطبيعته «انتقاليا»، ويكون البرلمان المنتخب على أساسه «انتقاليا» أيضا، وإذا تم الأخذ بدعوة البشري، وانتخاب الرئيس الآن، قبل الدستور، فإن الرئيس يمكن أن يسقط أيضا مع البرلمان، بميلاد الدستور المُنتَظر، ولعل أبسط ما يمكن أن يُساق من براهين قانونية في هذا المجال، هو أن الرئيس المنتخب أقسم فور انتخابه على احترام الإعلان الدستوري الحالي (الانتقالي)، بينما هو سيعمل في ظل دستور جديد مختلف تماما ودائم، وهو لم يُقسِم على احترامه، ناهيك عن الاختصاصات الموكولة للرئيس في الدستور المُنتَظر، لابد وإنها تختلف عن الانتقالي القائم حاليا..ويكون السؤال الجوهري هو.. أليس من الأفضل أن نكتفي بما يمكن أن يواجهنا من مأزق دستوري حول «شرعية البرلمان»، ويكون لدينا رئيس ننتخبه قبل نهاية يونيو المقبل، في ظل الدستور الجديد والدائم؟، أم نسير وراء البرادعي والبشري وقوى الميدان، وبعد أشهر قليلة، نجد أنفسنا مع ميلاد الدستور الجديد في حالة فراغ رئاسي وبرلماني؟ ونبدأ من الصفر مجدداً، وندخل في دوامات الانقسامات والصراعات، نتيجة سقوط الشرعية عن البرلمان والرئيس؟، غير أنه لا يفوتنا أن الأمور إذا سارت على هذا النحو المقترح، فإن هذا يعني تسليم مصر باباً وشباكاً ومفتاحاً، للإخوان المسلمين، وربما يشركون معهم السلفيين في ملكية مصر. سعيد السني * المقال منشور بالتعاون مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org

سلام الربضي

سلام الربضي / الأمن العالمي
إن الرهانات الدولية في ظل العولمة أضحت مرتبطة بشكل أقوى بالقضايا الاجتماعية, وأقل تفاعلاً مع الاستراتيجيات السياسية والعسكرية, والفاعلون الاجتماعيون أكثر حضوراً على الساحة الدولية حيث المجال الدولي لم يعد حكراً على الحكومات وحدها, بل هو فضاء عمومي تتداخل فيه كل من الحكومات والأفراد والمنظمات غير الحكومية, والذي يعبر عن نوع من التصالح ما بين الإنسانية والواقع الدولي.وهناك منظور جديد للأمن بدأ يفرض نفسه متجاوزاً الاعتبارات الترابية والإقليمية والعسكرية, فالتحديات الجديدة جعلت مفهوم الأمن شمولياً ومتعدد الأبعاد وأكثر التصاقاً بالحياة الاجتماعية, وهذا ما جعل برنامج الأمم المتحدة للتنمية يتبنى فكرة «الأمن الإنساني» فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات, بل بمدى الاستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان.ونتيجة للظروف الناتجة عن اختلال التوازنات الاجتماعية، وتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية, تم التعجيل بالتفكير في مبدأ إدارة شؤون الدولة والمجتمع كنمط لتجديد أساليب الحكم وتفعيلها بشكل أفضل من خلال صياغة أشكال جدية في المشاركة, قائمة على التضامن والنهوض بالاحتياجات الأساسية للمواطن.ومن الواضح بقدر ما هناك قوة في طموحات المشاريع الكونية على الصعد كافة إلا أن هناك قصوراً، إلى حد ما، حين تتجسد في الواقع. فعندما نتكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك كثير من التساؤلات تطرح: تاريخيا هل تم تحقيق الأمن العالمي، المضامين الجديدة للأمن العالمي هل متفق عليها عالمياً، هل يمكن مقابلة منظور السيادة الوطنية بمواطنية كونية شبه مكتملة؟ وإذا كان هناك أنماط معقدة من أنسنة الواقع الدولي, فهل نكون قد انتقلنا من منظور كلاسيكي يدافع بقوة عن عدم التطابق بين حقوق الإنسان والسياسة الدولية إلى نوع من التجاوب الفعلي والمستمر وغير المستقر بينهما، هل مرجعية المضامين الجديدة للأمن العالمي ستنمو بسرعة واقعية السياسة الدولية؟ عندما يتم التكلم عن المضامين الجديدة للأمن العالمي يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار حالتين:- الأمن العالمي القائم على العلاقة بين الإنسان والطبيعة (البيئة).- الأمن العالمي القائم على العلاقة فيما بين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة، والدول فيما بينها (الأمن السياسي) من جهة أخرى. فيما يتعلق بالعلاقة القائمة بين الإنسان والبيئة هناك تحديات تواجه الأمن العالمي, وقد يكون التضامن العالمي لإيجاد حلول لمواجهة التحديات في هذا الصدد أكثر إمكانية منه على صعيد الأمن السياسي بين الدول. والعقد الاجتماعي هو أساس شرعية القانون في المجتمعات البشرية, وفي النظام الدولي التقليدي, الدول تتمتع بقدر من الحرية والسيادة, ولا توجد أي سلطة فوقها, ولا قانون دولي إلا ما تختاره على أساس اتفاقيات، أو معاهدات تمت مناقشتها بحرية تامة، أو أعراف تم قبولها ضمنياً, فحرية الدولة لا تحدهاسوى حرية الدول الأخرى, وإذا كانت الحالة الطبيعية قد تم تجاوزها في النظام الداخلي فليس الأمر كذلكفي النظام الدولي حيث القوة هي المقياس الوحيد للتصرف, رغم أن الأمور قد تغيرت مع ظهور المنظمات غير الحكومية إلا أن علاقة القوة داخل هذه المنظومة ستبقى موجودة.وإذا كان هناك حرص على المصلحة والسلطة والأمن القومي, إلا أنه على الجانب الآخر هناك تشديد على الحق والعدالة ومراقبة الحكام والتركيز على حقوق الإنسان, وهذا ما نجده في الصراع الفكري التاريخي بين هوبز الذي يرفض منح حقوق الإنسان أي اعتبار دولي باعتبار الأمن القومي هو وحده الذي يمنح المعنى للمصالح الوطنية، وبين غروسيوس الذي كان مناصراً للمواطنة العالمية ولنظام عادل يسمو فوق كل السلطات والسيادات.على صعيد المضامين الجديدة للأمن العالمي هناك إشكالية على مستوى تأقلم الضوابط القانونية مع القضايا أو المشكلات العارضة, فكيف تتم معالجة قضايا في ظل غياب قواعد قانونية تضبط هذه الأوضاع العارضة, مثل قضية اللحوم الملوثة هرمونياً التي انقسم حولها الرأي العالمي بين الولايات المتحدة وكندا من جانب والمجموعة الأوروبية من جانب آخر. هناك كثير من القضايا الشائكة التي تطرح علامات استفهام حول إمكانية الاتفاق عليها خاصة على الصعيد الثقافي, والخلاف الدائر ما بين «منظمة الصحة العالمية» ومصر حول ختان الإناث يعبر عن واقع هذه التناقضات, حيث تعارض «منظمة الصحة العالمية» هذه العملية من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان وتحديداً حقوق المرأة, بينما تدافع مصر عن موقفها من منطلق التمتع بالحقوق الثقافية الخصوصية للمجتمعات التي كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.الجانب الاستراتيجي والمصلحي ما زال فاعلاً وحاضراً بقوة, وكثيراً ما تتحول حقوق الإنسان إلى أداة لضغط الأقوياء على الضعفاء, وهو ما يخلق التداخل بين ما هو دولي وما هو إنساني, وبالتالي من الطبيعي أن ينعكس ذلك فيما بعد على الأمن العالمي.إن الأمن العالمي الذي بدأت تتضح معالمه يوماً بعد يوم يجعلنا أكثر تفاؤلاً بمستقبل التعاون الدولي, وسيبقى القانون الدولي دعامة لهذا المستقبل وهنا نتساءل: كيف يمكن للقانون الدولي أن يتطور، هل يمكن للقانون الدولي أن يتطور إلا في ظل الحياد السياسي الذي يسمح له بالمحافظة على استقلاليته، هل ذلك ممكن، تاريخياً هل تم تحقيق ذلك؟سلام الربضي هذا المقال منشور بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»www.minbaralhurriyya.org

سلطان حمود المتروك

سلطان حمود المتروك / «بيت قصيِّر بورميضان»
سلطان حمود المتروك شهر تهل معه الخيرات وهو مفعم بالخير، اعتاد الناس أن يؤدوا بعض الظواهر التراثية في استقبال الشهر الفضيل، وهناك بعض الظواهر التي يؤديها الناس أثناء الشهر الفضيل، فقبل قدوم الشهر يُحتفى بيوم القريش والذين احتفوا به في هذا العام كان احتفاؤهم احتفاء صحيحاً، لأن شهر شوال كان وافياً، فالقريش يكون آخر يوم من الشهر الوافي، وليس في الشهر الهافي.أما الذين احتفوا بالقريش قبل أسبوع فإنهم لم يدركوا التراث، بل ضيعوا أوقاتهم وأخذوا من أوقات دوامهم الشيء الكثير، وكلفوا اخوانهم أكثر مما يحتمل، وأتى الشهر الفضيل وعجت الجمعيات التعاونية والأسواق بصنوف الأطعمة فاقتنصها المقتنصون، ما حدا بضعفاء النفوس زيادة الأسعار وتحداهم الزبائن بكثرة الاقتناص لأنواع المأكولات والمشروبات التي هي أكثر من حاجاتهم، وانتظرنا مدفع الافطار ونظرنا إلى المائدة، فوجدنا أشكالا من الاطعمة وأنواعا من الاغذية، منها الهريس واليريش واللقيمات والتشريب، والتفتنا إلى الطاهين فلم نجد فاطمة ولا بيبي ولا مكية ولا حصة، بل وجدنا كومار وميري وأطفال لا يعرفون لأسماء أطعمة أجدادهم نطقاً سليماً، فأين جهود الأمهات والآباء في تعميق الظواهر الرمضانية الأصيلة.رحم الله جدتي عندما يهل شهر رمضان فإنها تشدوا «أقبل رمضان بوالقرع والبيديان»، تدلف ليالي الشهر الفضيل وتأتي ليلة النصف من رمضان ويكون القرقيعان ولم تنتبه إلى أحداثه بعض الأسر حتى بهتت معانيه وأديت مظاهره بطريقة فيها الكثير من التكلف، ودعنا ننظر إلى أمرين، أولهما: أطفال صغار يصطحبهم خدمهم يجوبون الفرجان والتحية لأهليهم الذين أبوا إلا ان يفعلوا هذه الظاهرة ويجسدوا مفرداتها ولو بطريقة حديثة، أما الأمر الثاني: فهو دور وزارة التربية عن طريق الاحتفاء بهذه المناسبة بمدارسها على اختلاف بعض مراحلها، فلابد من التفكير في وضع الخطة الملائمة والهدف المناسب لتفعيل هذه الظاهرة بأسلوبها القديم حتى نعطي للأجيال أثراً حقيقياً وواقعياً وصحيحاً من آثار هويتنا المفعمة بكثير من أنواع التراث التي تقف الدنيا أمامها إعجاباً وتقديراً.ويبقى أن ننشد مع أطفالنا:«قرقيعان وقرقيعانبيت قصير بورميضانعادت عليكم صيامكل سنة وكل عام»  كاتب كويتي

سلمان بارودو

سلمان بارودو / لماذا علينا احترام التنوّع الثقافي بين الشعوب؟
إن للثقافة بعدين، أحدهما المجتمع الذي تشكل ثقافته، وماهيته وشخصيته تلك الثقافة. واحترام الثقافة يعني احترام حق المجتمع بثقافته، واحترام ماهية تلك الثقافة وشخصيتها. ولكل من صيغتي الاحترام أسس مختلفة، إذ يتوجب علينا احترام حق المجتمع بثقافته لأن للبشر الحرية في تقرير طريقة حياتهم، ولأن ثقافتهم مرتبطة بتاريخهم وهويتهم، ولأنها تعني الكثير بالنسبة إليهم، ولأسباب أخرى عدة، من هذه الناحية لكل مجتمع حق متساو في تبني ثقافته، وليس ثمة أسس منطقية لعدم التساوي.إن النظرة الأحادية والموقف المتكبر يرفضان الاعتراف بثقافة الآخر وشخصيته وحضارته، وأن عدم الاعتراف بالآخر وبثقافته يفضي إلى إقصائه وتهميشه, وهذا شكل من أشكال التمييز التي تؤجج مشاعر الكراهية التي هي فتيل للصراع والصدام. فالتعالي والتكبر السياسي والثقافي والحضاري، هو الدافع إلى النزاع والصراع بين الحضارات، والصدام بين الثقافات وزعزعة أمن واستقرار المجتمعات الإنسانية، ولذلك كان الاعتراف بثقافة الآخر, الخطوة الأولى نحو تعزيز الحوار بين الحضارات والثقافات, تمهيدا لإقامة جسور التواصل فيما بينها، وهذا هو الهدف النبيل الذي تسعى إلى تحقيقه بعض المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام بقضايا الحوار بين الحضارات والثقافات.يجادل بعض الكتاب في أن البشر كلهم متجذرون ثقافياً ولهم حق التمتع بثقافتهم الخاصة، وبالتالي يشكل التنوع الثقافي نتيجة حتمية وشرعية لممارسة ذلك الحق، لذلك لا يكفي منح الأفراد الحق الرسمي بثقافتهم، بل يتوجب على المجتمع إيجاد الظروف المساعدة على ممارسة ذلك الحق، كتقبل واحترام الاختلافات، وتنمية ثقة الأقليات بنفسها، وتوفير الموارد الإضافية للمحتاجين. ولا يود المجتمع الأعم أن يتكبد أعباء التكاليف التي يقتضيها ذلك، أو تقبل التغييرات الضرورية في مؤسساته عن طيب خاطر، أو كبت نزعته التمثيلية، ما لم يتم إقناعه بأن التنوع الثقافي يصب في مصلحته أو أنه قيمة تستحق التمسك بها ورعايتها.وإن التنوع الثقافي هو مصدر من مصادر إثراء للثقافات، وتعزيز لقدراتها، وإعطائها أبعاداً إنسانية، وإطلاق العنان لآفاقها الإبداعية الخلاقة، إذ ليس للثقافة سلطة عدا تلك المستمدة من ولاء أبنائها ورغبتهم بالانتماء إليها، لذلك يستحيل الحفاظ على أي ثقافة بالقوة أو اللجوء إلى وسائل وأساليب اصطناعية. أما بالنسبة إلى الثقافة ذاتها فإن احترامنا لها يعتمد على تقييمنا لماهيتها أو نوعية الحياة التي توفرها لأفرادها، ولأن كل ثقافة تعطي استقراراً ومعنى للحياة الإنسانية، وتضم أفرادها معاً في مجتمع متماسك، وتبرز طاقات إنسانية خلاقة، وما إلى ذلك، فإن كلا منها تستحق الاحترام.إن قبول ثقافة الآخر المختلف لا يعني بالضرورة الاقتناع بها، إنما هو إقرار بوجود الاختلاف معها وبوجود هذه الثقافة وقبولها من قبل الآخر، شرط ألا تكون تلك الثقافة مبنية على حساب حقوق الآخر أو وجوده، كما ويجب النظر إلى الآخر المختلف من دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو القومية أو الخلفية الاجتماعية أو الاتجاه السياسي أو أي سبب آخر، وطالما أن الاختلاف لا يكون على حساب وجود الآخر أو حياته، فالآخر هو فرد مواطن، له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها، فيجب احترام هذا الاختلاف والعمل على تعزيز قبول ثقافة الآخر المختلف مهما بلغت درجة الاختلاف، وتفعيلها بشكل طبيعي بما تنسجم مع واقعنا ومتطلباته.إن احترام الآخرين يتضمن حكماً احترام استقلاليتهم الذاتية، بما فيها حقهم في إدارة شؤون حياتهم بالطريقة التي يفضلون، مع أن ذلك لا يمنعنا من تقييم وانتقاد خياراتهم وطرق حياتهم. ويبدو جلياً أن أحكامنا يجب أن تُبنى على تفهم ودي يتعاطف مع عالمهم ويتفهمه من الداخل، وإلا ظلمناهم وأسأنا الحكم على تلك الخيارات. أما إذا استمعنا إلى دفاعهم عن وجهات نظرهم، ومنحناهم ما يكفي من الاهتمام والدراسة المتأنية، ووجدنا بعد ذلك أن خياراتهم لا تمنح مجالاً لحريات الأفراد والضوابط المجتمعية المتفق عليها طوعاً، فلا يترتب علينا واجب احترامها، بل واجب عدم احترامها.ومن دون أدنى شك فإن الحوار الثقافي بين الدول والشعوب هو بديل عن وسائل العنف والتطرف، فليس هناك من وجه مقارنة بين حوار السلاح وحوار العقول. سلمان بارودو هذا المقال يُنشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»www.minbaralhurriyya.org