م. أحمد عبدالهادي السدحان

الدمج الرياضي من زمان!
كتبت مقالة في جريدة «الراي» في شهر 3 عام 2021 بعنوان (دمج الرياضة والشباب!) ومما ذكرت بتلك المقالة «أن الإصلاح الحقيقي من الحكومة يكون باتخاذ الإجراءات الجريئة في مواجهة التضخم، عبر تحجيم الهياكل الإدارية في ظل الحديث عن العجز المالي، وأحد الأمثلة الحية، وجود هيئة للشباب وهيئة للرياضة، وقد كانتا هيئة واحدة، وتم فصلهما، لذا يجب دمج الرياضة والشباب في هيئة واحدة مرة أخرى، وبالطبع للصالح العام، للأسباب أعلاه، والتغيير يكون - كذلك - بتشكيل مجلس إدارة جديد وإدارة جديدة للهيئة بعد الدمج المطلوب إن شاء الله، والنقطة الإصلاحية المهمة تتمثل في تعيين أسماء بعيداً عن المحسوبيات والترضيات والتدخلات، والتي (بهدلت) الشارع الرياضي، لذا نتمنى وجود أسماء جديدة ذات بُعد إستراتيجي رياضي».وهناك مقالة أخرى كتبتها في السياق نفسه بعنوان (لو أصبحت مديراً للرياضة!) في شهر 11 عام 2022، ذكرت فيها «أن الرياضة يجب النظر إليها من زوايا عدة، مثل كاميرا 360 درجة، ففي الجانب التشريعي وكوني مسؤولاً عن الرياضة كما افترضت! فحينها أقوم بجمع الأفكار والتشريعات المطلوبة والتوصيات المهمة من أهل الحكمة الرياضية والكفاءات في هذا المجال، وأنظر إلى هموم اللاعبين أنفسهم،، وأما في الجانب التنفيذي فحينها أقوم بتطوير الإستراتيجية الرياضية بالأساسات القوية للبدء بها ومنها التمويل وليس فقط من ميزانية الدولة، ولكن يمكن توفير موارد مالية أخرى مثل الهيئة العامة للاستثمار على أن تتعامل مع الأندية والألعاب الرياضية كأنها نموذج تجاري يكون ذا فائدة مالية وربح لجميع الأطراف، وكنت أقوم بتوفير الدراسات لهم وأيضاً التعاون مع القطاع النفطي في التطوير، وذلك ما يدعو إلى ضرورة تخصيص الأندية، فأقوم بتوفير ما يلزم لتحويلها إلى نماذج ومشاريع استثمارية وليس اللهث وراء المال فقط، بل تسخير هذا المال الناتج عن الدورة المالية الاقتصادية الصحيحة لتطوير الألعاب المختلفة وعمل الأحداث والفعاليات الرياضية المحلية والعالمية لتواكب الأندية العالمية وطريقة عملها الإداري والمالي والتشغيلي والاهتمام بمفهوم الاحتراف».لذلك، وبعد صدور مرسوم بقانون في أواخر شهر يونيو 2026، يقضي بإلغاء الهيئة العامة للشباب في الكويت. جاء هذا القرار في وقت لم تحقق فيه الهيئة أهدافها المطلوبة في رعاية الشباب وتنمية قدراتهم على أرض الواقع. ثم توجه الحكومة لدمجها مع هيئة الرياضة تحت المسمى القديم نفسه وهو (الهيئة العامة للرياضة) ما يؤكد ما ذكرته منذ سنوات عن أهمية الموضوع.وأن الدمج الرياضي منذ زمان يجب أن يتم وهو مطروح في الإعلام وطالبت به من واقع خبرتي الإدارية والحكومية وحتى في المنشآت الرياضية الكبرى، وهو ليس قراراً حالياً أو إلهاماً آنياً بل هو توجه دولة ونبهتُ شخصياً به كما ذكرت وكتبتُ مراراً وتكراراً.وأضيف أيضاً بأن الحديث عن توحيد الجهود بين قطاعي الشباب والرياضة جزء من الرؤية الحكومية الهادفة إلى تطوير العمل المؤسسي ورفع كفاءته، إلى أن جاء قرار دمج الهيئة العامة للشباب مع الهيئة العامة للرياضة ليترجم هذا التوجه إلى واقع عملي، مؤكداً أن الإصلاح الإداري لا يقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات، بل يهدف إلى بناء منظومة أكثر تكاملاً وقدرة على تحقيق النتائج.والرياضة تمثل أحد أهم أدوات الاستثمار في طاقات الشباب وصقل شخصياتهم وترسيخ قيم الانتماء والانضباط والعمل الجماعي، وهو ما يجعل الفصل بينهما أقل فاعلية من جمعهما تحت مظلة مؤسسية واحدة تمتلك رؤية موحدة وأهدافاً مشتركة. ومن هنا، فإن الدمج لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل يشكّل فرصة حقيقية لتوحيد الإستراتيجيات والبرامج، وتسريع اتخاذ القرار، وتقليص الازدواجية في الاختصاصات، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات والمبادرات الموجهة للشباب والرياضيين على حد سواء...واليوم، تبدو الفرصة مواتية لاستثمار هذا القرار في بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على اكتشاف الطاقات الوطنية، ورعاية المبدعين، وتوفير بيئة متكاملة فنجاح الرياضة لا يبدأ من الملاعب فقط، بل للتأكيد بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها. ويؤكد أن الحكومة تمضي بثبات نحو الإصلاح.وللعلم فترة الستينات والسبعينات كانت تزخر بالأنشطة الشبابية وكانت هناك مراكز للشباب في أكثر من منطقة مثل الشامية، القادسية، الدعيةوتمارس فيها مختلف الأنشطة الرياضية والشبابية، واليوم يجب إحياؤها وتشييد مراكز شباب جديدة في العديد من الضواحي.والله عز وجل المعين في كل الأحوال.X@alsadhankw

د. دانة العنزي

حرب الظل بين واشنطن وطهران... اشتعال بلا مواجهة وحسم مؤجل
لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تقاس بمنطق الحرب التقليدية أو السلام المستقر، بل أصبحت نموذجاً لما يمكن وصفه بـالحرب المتقطعة وهي حال من التصعيد المحسوب الذي يتخلله هدوء موقت دون أن يصل الطرفان إلى مواجهة عسكرية شاملة. فمنذ أكثر من أربعة عقود تتبدل أدوات الصراع لكن جوهره يبقى ثابتاً. صراع على النفوذ والردع وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.وتتميز هذه الحرب بأنها لا تخاض على جبهة واحدة وإنما عبر ساحات متعددة تمتد من الخليج العربي إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وصولاً إلى البحر الأحمر، وفي كل محطة يستخدم كل طرف أدوات مختلفة، فالولايات المتحدة تعتمد على العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والانتشار العسكري بينما تستند إيران إلى شبكة من الحلفاء والقوى غير النظامية لتعزيز نفوذها الإقليمي وإيصال رسائلها الإستراتيجية.لقد أثبتت التجارب أن الطرفين يدركان جيداً كلفة الحرب المباشرة، فالولايات المتحدة رغم تفوقها العسكري تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستؤثر في أمن الطاقة العالمي وتعرض قواتها وقواعدها العسكرية في المنطقة للاستهداف، كما ستفرض أعباءً اقتصادية وسياسية كبيرة، وفي المقابل تعلم إيران أن الدخول في حرب شاملة مع واشنطن قد يهدد بنيتها العسكرية والاقتصادية ويضع النظام الإيراني أمام تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة.ومن هنا تتكرر دورة التصعيد والتهدئة فبعد كل ضربة عسكرية أو استهداف متبادل يسارع الطرفان إلى إرسال إشارات غير مباشرة تؤكد أن الرد سيكون محسوباً وأن الهدف هو استعادة الردع وليس إشعال حرب إقليمية واسعة، وهذا ما يجعل الأزمة تبدو وكأنها سلسلة من المواجهات المحدودة التي تدار وفق قواعد اشتباك غير معلنة.كما أن الملف النووي الإيراني يبقى العامل الأكثر تأثيراً في هذه العلاقة، فكلما اقتربت طهران من تطوير برنامجها النووي ارتفع مستوى الضغوط الأميركية سواء عبر العقوبات أو الحشد العسكري أو التنسيق مع الحلفاء، وفي المقابل تستخدم إيران هذا الملف كورقة تفاوض إستراتيجية لتحسين شروطها السياسية والاقتصادية وإثبات قدرتها على الصمود أمام الضغوط الغربية.ولا يمكن فصل هذا الصراع عن البيئة الإقليمية فالتوتر بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على أمن الخليج العربي وأسواق النفط وحركة الملاحة الدولية، فضلاً عن الأزمات الممتدة في العراق وسوريا واليمن ولذلك، فإن أي تصعيد محدود قد يتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية إذا فقدت الأطراف القدرة على ضبط إيقاع المواجهة.ومن منظور إستراتيجي يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس حرباً تهدف إلى تحقيق نصر عسكري حاسم بل هي صراع طويل الأمد لإدارة النفوذ وتثبيت معادلات الردع، فالولايات المتحدة تسعى إلى احتواء النفوذ الإيراني ومنع تغير موازين القوى في المنطقة، بينما تحاول إيران فرض نفسها لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص الشرق الأوسط.وفي هذا السياق، تبرز أهمية دول الخليج العربي التي تبنت سياسة تقوم على خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتنويع شراكاتها الدولية مع التأكيد على أن أمن المنطقة لا يتحقق عبر الحروب وإنما من خلال الحوار واحترام السيادة والتعاون الإقليمي، وقد أثبتت التجارب أن أي اضطراب في الخليج لا يقتصر أثره على المنطقة بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.ختاماً، تبدو الحرب الأميركية -الإيرانية مرشحة للاستمرار بصورتها الحالية تصعيد محدود يعقبه احتواء ورسائل ردع متبادلة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. إنها حرب متقطعة تدار بعناية حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب سياسية وإستراتيجية مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تغير خريطة الشرق الأوسط وتفرض أثماناً لا يرغب أي منهما في تحملها.وفي ظل هذا المشهد، يبقى الرهان الحقيقي على الدبلوماسية لأنها الخيار الوحيد القادر على كسر دائرة التصعيد المتكرر وبناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقراراً.

كامل عبدالله الحرمي

النفط ما بين 55 و60 دولاراً خلال العامين المقبلين!
تشير توقعات عدد من المؤسسات المالية والاستشارية الدولية إلى أن أسعار النفط خلال العامين المقبلين قد تتراوح بين 55 و60 دولاراً للبرميل... كيف ستتعامل الدول الخليجية مع هذا الواقع؟... وهو مستوى يُعد منخفضاً مقارنة باحتياجات معظم الدول الخليجية المنتجة والمصدرة للنفط، التي تحتاج إلى أسعار تقارب 90 دولاراً للبرميل أو أكثر لتحقيق التوازن في موازناتها العامة دون تسجيل عجز مالي.ويبدو أن الوصول إلى هذا المستوى السعري في الوقت الراهن أمر غير مرجح، في ظل استمرار وفرة المعروض في الأسواق العالمية، وتزايد الإنتاج النفطي من مختلف الدول المنتجة. كما تشير التجارب السابقة إلى صعوبة التزام جميع المنتجين بحصص الإنتاج المتفق عليها، إذ ظل الالتزام الكامل أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق النفطية. فعندما تُخفض كميات الإنتاج وترتفع الأسعار، تسارع بعض الدول إلى زيادة إنتاجها للاستفادة من المكاسب المالية السريعة، وهو ما يحد من فاعلية جهود الدول الساعية إلى تحقيق الاستقرار في الأسواق، ويؤدي إلى استمرار التقلبات السعرية بما ينعكس سلباً على نمو الطلب العالمي واستقرار أسواق الطاقة.لقد بذلت منظمة أوبك، ومعها تحالف أوبك+، جهوداً كبيرة خلال السنوات الماضية لإعادة التوازن إلى السوق من خلال خفض الإنتاج وإدارة المعروض النفطي. كما انضمت دول نفطية كبرى، وفي مقدمتها روسيا، إلى هذا التحالف دعماً لاستقرار السوق، إلا أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة بصورة مستدامة، وهو ما يفسر استمرار التقلبات الحادة في أسعار النفط والاجتماعات المتواصلة لأعضاء التحالف لمتابعة تطورات السوق.وقد شهدت الأسواق خلال إغلاق مضيق هرمز ارتفاعاً تجاوز 120 دولاراً للبرميل نتيجة اضطرابات الإمدادات، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى مستويات تقل عن 70 دولاراً للبرميل، لتدور أخيراً حول 68 دولاراً. ومع ذلك، لا يزال بعض التوقعات يشير إلى احتمال هبوط الأسعار إلى حدود 60 دولاراً للبرميل أو أقل إذا استمرت وفرة الإمدادات وضعف نمو الطلب العالمي، وهو ما قد يدفع «أوبك+» إلى إعادة تقييم سياساتها خلال اجتماعاتها المقبلة.ويبرز في هذا السياق تحدٍ آخر يتمثل في الإنتاج الأميركي، الذي يبلغ نحو 14 مليون برميل يومياً من النفط الخام، وهو الأعلى عالمياً. ويشكل هذا الإنتاج الضخم مصدر قلق للدول الأعضاء في «أوبك+»، التي يبلغ إجمالي إنتاجها نحو 28 مليون برميل يومياً. كما عزّزت الولايات المتحدة صادراتها النفطية إلى الأسواق الأوروبية مستفيدة من التحولات التي شهدتها حركة الإمدادات العالمية، وغالباً ما تعرض خامها بأسعار تقل بنحو خمسة إلى ستة دولارات للبرميل مقارنة ببعض الخامات المنافسة، ما يزيد من حدة المنافسة في الأسواق الدولية.ورغم انخفاض العائدات، فإن السوق الأميركية تظل من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، وقادرة على استيعاب كميات كبيرة من النفط، وهو ما يجعلها سوقاً لا يمكن تجاهله بالنسبة للدول المصدرة، حتى وإن كان ذلك على حساب انخفاض الإيرادات.ومن هنا، قد يكون من الضروري أن تستعد الدول المنتجة لمرحلة قد تتسم بانخفاض الأسعار واستمرار زيادة الإنتاج العالمي. وربما يكون من المناسب أن تتريث «أوبك+» في اتخاذ إجراءات إضافية، لإتاحة الفرصة أمام الأسواق لاختبار قدرة المنتجين من خارج التحالف على التكيف مع مستويات الأسعار المنخفضة، ومدى استعدادهم للاستمرار في الإنتاج عند هذه المستويات.وفي حال أثبتت الأسواق أن الأسعار الحالية غير قابلة للاستمرار بالنسبة للعديد من المنتجين، فقد تجد «أوبك+» نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياساتها والعودة إلى خيار خفض الإنتاج. أما إذا استطاعت الأسواق تحقيق التوازن بصورة طبيعية، فقد يكون تقليص التدخل المباشر من جانب المنظمة خياراً أكثر فاعلية على المدى الطويل.وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً مهماً لسياسات إدارة السوق النفطية، كما ستكشف مدى قدرة المنتجين داخل أوبك+ وخارجها على التكيف مع واقع جديد قد يتسم بانخفاض الأسعار واشتداد المنافسة في سوق الطاقة العالمية.كاتب ومحلل نفطي مستقل[email protected]

سلطان حمود المتروك

لابنتي الدكتورة حور... مع التقدير
الحياة سفر كبير، الذي يقلب صفحاته يدرك كثيراً من الاستعدادات والمواهب والقدرات التي تحتاج إلى صقل وعناية وتوجيه حتى تحلق في سماء الإبداع، وتشرق في مجالات التقدم والازدهار لبلوغ الغاية وتحقيق الهدف وإدراك المعارف الطيبة، التي تدفع صاحبها إلى مجالات أكثر ازدهاراً وأوسع معرفة.من هذه الشخصيات الواثقة ابنتي حور بشار، التي جدَّت واجتهدت وتألقت في مجال العلم والمعرفة حتى حققت درجة الامتياز مع مرتبة الشرف.ما أجمله من لقبوما أحسنه من تقليدوسام للعلم والمعرفة، يوضع على صدور المتألقين في هذا المجال، فيدفعهم إلى مزيد من السمو والتألق.هكذا الأبناء إذا تألقوا فإنهم يكونون شمعة زاهرة تضيء طريق التألق أمام أهليهم.وهم زهور يانعة متفتحة أمام الأهلين، فيجدّون في إرسال الكلمات الطيبات في شأنهم؛ فهذه أعرابية تنشد لولدها حتى ترقصه فتقول:يا حبذا ريح الولدمثل الخزامى في البلدأهكذا كل ولدأم لم يلد مثلي أحد؟!وكثير من الشعراء تغنوا بأولادهم من أجل تحفيزهم ومواصلة الجد والاجتهاد لبلوغ أحسن الغايات.وإذا ما سعى الأهلون إلى مساعدة أبنائهم في صقل قدراتهم فإنهم يكونون طرفاً طيباً يساعد المدرسة في استمرار العملية التربوية المشتركة بين البيت والمدرسة التي تعمل على التربية الشاملة المتكاملة للأبناء فيشقون الطريق من أجل المساهمة في بناء صرح الوطن الذي يحتاج إلى جهود الأبناء وقدراتهم واستعداداتهم وميولهم في بناء صرحه وتقدمه وازدهاره.هكذا الأبناء في جهودهم ومثابرتهم وإخلاصهم المتدفق في دفع حركة التقدم والازدهار حتى يكون الوطن في طليعة الأوطان، لاعتماده على جهود أبنائه وأيديهم القوية في عمليات البناء والتشييد، ليكونوا في محمل واسع ممتلئ بالخير يرسله إلى جميع أنحاء الدنيا فينعم كل من يحتاج إلى هذا الخير بخير هذه الديرة المتألقة.نجدد التحية لجميع المخلصين والمجتهدين والمتألقين في مجال العلم والمعرفة ومعهم ابنتي حور؛ كي يمضوا في سبل التقدم والازدهار حتى تتقدم الأوطان بجهودهم.وأقول لهم ولابنتي حور:أملٌ أنتِ يا حورفاجتهدي نحو النورالوقت مملوء بالنورفحققيه يا حورتحية لجميع المبدعين المساهمين في تألق أوطانهم.

حمد الحمد

يحيى الكندري... الكويت تفتخر به
أعرف الأستاذ يحيى الكندري، من قبل فترة كورونا، ولكن بعدها باعدت بيننا مشاغل الحياة، لكن كنت أتتبع أخباره، وهو من الشباب الكويتي النشط الذي ارتبط بالماضي أكثر من الحاضر، وهو من مواليد فبراير 1990، لكن له نشاط وجهود مميزة، رغم أنه مجهول للكثيرين، إلا أن ما يقدمه من أبحاث وتحقيق مخطوطات يعتبر عملاً مميزاً يصعب على الكثيرين ممن هم في عمره تقديمه.وقعت تحت يدي سيرته الذاتية، ويصعب عليّ أن أدوّن هذا المختصر عن نشاطه في البحث والتحقيق، ولكن أذكر بعض ما قام به في السنوات الأخيرة. وهو يعمل كباحث تاريخي لجهة حكومية مهمة، ونشاطه يتعدى واجباته الوظيفية، إنما هو مهموم ومنشغل بالبحث والتحقيق في الوثائق القديمة وتقديم معلومات مهمة ينتزعها من عمق التاريخ لشخصيات كويتية مجهولة، وآخر ما كتبه عن الشيخ الكويتي سرحان بن حسين المالكي، الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي في الكويت وله مخطوطات كثيرة. سيرة الأستاذ الكندري، الذاتية، يصعب الغوص بها وذكر كل تفاصيلها، منها تحقيق عن أخبار الخيل في الكويت للرحالة الألماني كارل روسان، وأبحاث كثيرة في هذا المجال، لكن شهرة زميلنا ونشاطه تعدت الكويت ومن محاضراته الأخيرة، نختار بعض العناوين منها، جهود العلماء العرب في أنساب الخيل في أبوظبي، وعن كتب الفروسية المملوكية في القاهرة، ومحاضرة في يوم الفروسية في الدوحة، وكذلك محاضرات في دبي وأبوظبي وآخرها محاضرة عن الحياة العلمية في الكويت في القرنين الثامن والتاسع عشر في المركز الأمريكاني في الكويت.يقول عنه الدكتور خليفة الوقيان (يحيى الكندري باحث ومحقق كويتي على درجة عالية من الكفاءة والجلد والعمل، وهو مشهور ومعروف لدى المراكز الثقافية المهمة في الوطن العربي، وهو يدعى لتقديم محاضرات في مجال تخصصه وله جهود كبيرة وينفق من ماله الخاص لتسليط الضوء على جهود علماء الكويت وهو عالم في التحقيق).ويقول عنه أستاذ التاريخ في جامعة الكويت الدكتور فيصل الوزان (يحيى الكندري ذكي ومواظب وطموح وله علاقات كثيرة خارج الكويت في مجال التحقيق، ويدعى لمحاضرات مهمة في هذا المجال، وهو مكسب كبير للكويت في مجال التحقيق وله تعاون مميز مع مركز البحوث والدراسات الكويتية).أما الباحث الأستاذ صلاح الفاضل، فله إشادة مميزة حيث يذكر (يتمتع يحيى الكندري بذاكرة قوية ونظرة ثاقبة ودقة عالية عند تفحصه الوثائق والمخطوطات، وله علاقات قوية مع الباحثين في الكويت وخارجها، حيث الجميع يقدر علمه ونباهته مما مكنّه من الحصول على نوادر الكتب والوثائق، وهو باحث مجتهد ومتخصص لا يكل ولا يمل للحصول على المعلومة، وقد أثرى في هذا المجال بمحاضراته ومقالاته التي كشفت عن أمور كثيرة خافية في تاريخ الكويت وعلمائها، وقد قدّر مركز البحوث والدراسات الكويتية علم هذا الباحث القدير فنشر له عدة مقالات في مجلة المركز الفصلية «رسالة الكويت»، وهي مقالات عميقة تدل على ما قام به من جهد كبير واطلاع واسع على الكثير من المراجع والمصادر).لهذا، نؤكد أن شخصية يحيى الكندري، طاقة تفتخر الكويت بها، والله يكثر من أمثاله.

جابر الهاجري

رحم الله جعفر كرم بهبهاني... الجار الطيب
من الوجوه المعروفة بالطيب والكرم والنخوة... العم جعفر كرم بهبهاني (بوميثم)، عرفته قبل 47 عاماً جاراً ونعم الجار الإطلالة الخفيفة والأخلاق الحسنة المحب للجميع، كنت كل فترة أتواصل معه للسلام عليه حيث كان صديقاً للوالد، رحمهما الله، ومن جيران الخير الذي يكون المرء محظوظاً عندما يجاور أمثال (بو ميثم).كان أباً وأخاً وصديقاً وناصحاً أميناً لا يبخل على أحد بالنصيحة الطيبة وكان يقول لي: (جابر راح أزورك بالمغرب انا ويا مشبب محمد)، أطال الله في عمر مشبب .في المطار قبل فترة التقيت بالعزيز الصديق محمد جعفر كرم، الذي ما ان التقينا حتى اغرورقت عيناه بالدموع، قال لي (جابر أبوي يحبكم وايد ويحب عمي أبو جابر وايد وايد...) كان لقاء فيه من الحزن الظاهر على وجه محمد، الذي افتقد بشدة والده الطيب، محمد يشبه أباه، رحمه الله، في الفزعة والنخوة والطيب والأخلاق الرفيعة، وقد كان باراً به.رحل أبو ميثم، وهو بكامل قوته رغم تجاوزه الثمانين عاماً وافتقدناه كما افتقده الكثير من أصدقائه.كان واصلاً ومتواصلاً مع معظم دواوين الكويت ويحظى بمحبة وتقدير الجميع.عندما يرحل الطيبون تبقى ذكراهم وذكرهم الطيب، رحم الله العم (النشمي) جعفر كرم بهبهاني، ونجدد التعازي للعزيز محمد، الذي افتقد والده بشدة وشعر بعده بفراغ كبير حيث كان صديقاً له قبل أن يكون أباً...اللهم ارحمه رحمة واسعة ... دمتم بخير.

موسى بهبهاني

«الكويت أجمل بلا تعديات»
... وأخيراً انتفضت بلدية الكويت بتنفيذ حملة شاملة تحت شعار: «الكويت أجمل بلا تعديات»تستهدف تلك الحملة إزالة جميع المخالفات والتعديات على أملاك الدولة داخل مناطق السكن الخاص.وتواصل الفرق الرقابية جولاتها الميدانية المكثفة لإزالة المخالفات التي تشمل تعديات البناء على أملاك الدولة في جميع محافظات البلاد.وللأسف لعدم تفعيل قانون التعديات في- السابق - أدى إلى تفشي تلك التعديات السافرة والتي شملت: ( المظلات الملاصقة لمحولات الكهرباء -الممشى في المناطق -الممرات والطرق بين المنازل - بناء غرف للعاملين - التعديات على ممرات الطوارئ - الأسوار العشوائية - استغلال أسوار المدارس - ساحات المساجد - الساحات الترابية - مواقف الجمعيات... ) بالإضافة إلى ركن زوارق الصيد والنزهة داخل الشوارع الداخلية في المناطق ما يعرّض الأرواح لخطر الاصطدام.— القانون يُطبق بمسطرة واحدة على الجميعوالتعديات يجب ألا تقتصر فقط على القطاع السكني دون غيره، بل يجب أن تشمل جميع القطاعات مثل: القطاع الصناعي والقطاع التجاري وأملاك الدولة الرعوية مثل (المزارع - الجواخير -الشاليهات... )فالحملات التفتيشية يجب أن تستمر لضبط مخالفات قانون العمل والسلامة المهنية في المنشآت الصناعية، بالإضافة إلى متابعة الأسواق والمحلات التجارية لضبط قضايا الغش التجاري والمخازن غير المرخصة.ولابد أن تشمل الحملات منطقة - الري والشويخ - فهي منطقة حرفية تجارية وخدمية خاصة لوكالات عالمية، كذلك هي مناطق تخزينية ومعارض، بالإضافة إلى أنها منطقة خاصة لصيانة وإصلاح المركبات، فجأة تحولت بعض تلك القسائم إلى أنشطة تجارية متعددة...تساؤلات إلى الجهات المسؤولة:هل استقطاع أجزاء من القسيمة الواحدة إلى محال تجارية عدة وتأجيرها للغير أمر جائز؟هل يُعد ذلك مخالفة صريحة لشروط التخصيص؟هل هناك موافقات رسمية من الجهات المعنية؟هل هذا الإجراء صحيح أم مخالف؟-من أجل ضمان السلامة العامة نطرح النقاط التالية للجهات المسؤولة للتعامل معها:1 - هناك تلوث بصري يتعلق بالأشجار في- رصيف الخدمات- في المناطق الداخلية، حيث تحتاج هذه الأشجار إلى التقليم، لأن البعض منها يشكّل عائقاً وحاجباً لمرتادي الطريق.2 - تعتمد علامات السلامة والطريق بشكل كلي على ألوانها الواضحة والعاكسة لتوجيه مرتادي الطريق، وعند تعرض أي علامة للتلف وفقدان لونها الأصلي، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية المتمثلة في التنبيه والتوجيه.3 - ضرورة توفير إضاءة آمنة لأعمال الطرق،فتلك الأنظمة تعتمد على نظام ضوئي منظم، حيث تومض المصابيح بشكل متزامن وترتيب متتابع مما يوجّه ويحذر السائقين للمسار الصحيح وتجنب مناطق العمل بكل أريحية.4 - تُعد مطبات السرعة خطراً على مرتادي الطريق اذا انعدم الطلاء العاكس منها خاصةً بالليل، فتلك المطبات صممت لتنبيه السائقين وإجبارهم على تهدئه السرعة خاصةً بجانب المدارس والمستشفيات وليس الهدف منها إلحاق الأذى بالمركبات وغياب الألوان التحذيرية منها يفرغها من هدف إنشائها، فالمطبات تكون وفق شروط خاصة بحيث لا تكون مدببة، وتدهن باللونين الأسود والأصفر، وتُزود بشرائط أو علامات عاكسة للضوء لضمان رؤيتها بوضوح ليلاً ونهاراً.5 - ظاهرة انتشار الكلاب الضالة، حيث تتكاثر بأعداد كبيرة وتتجمع في المناطق السكنية ومواقع التسوق والشاليهات والمزارع والجواخير بحثاً عن الطعام والماء، ما يهدّد السلامة العامة ويثير مخاوف الأهالي من التعرض لهجمات أو الإصابة بأمراض مشتركة مثل داء السعار، ناهيك عن تعرض مجموعة من المواطنين لتلك الهجمات الشرسة من هذه الكلاب المسعورة.- نحو كويت أجملإنَّ المحافظة على جمال وطننا الكويت ورونقها العمراني، يتطلب تعاوناً بين المواطن والمسؤول، تفعيلاً لمبدأ كل مواطن خفير وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.إنّ إزالة التعديات ليست مجرد إجراء إداري بل هي خطوة إصلاحية تعكس حرص الدولة على بناء مجتمع متوازن يحترم النظام ويصون البيئة ويجعل من الكويت نموذجاً للجمال العمراني والعدالة الاجتماعية.ختاماً،نشيد بالجهات المعنية التي تقوم بتنفيذ ومراقبة الإزالات والتعديات على أملاك الدولة على مدار الساعة، وذلك لأن البعض أفرط بالتعديات المخالفة للقانون، وكذلك نشيد بالمواطنين بالتعاون وإزالة التعديات طوعاً.ونشد على أيادي الجهات الرسمية بأهمية ديمومة تلك الجولات والاستمرار بالحملات الميدانية الصارمة لإزالة التعديات وضبط المخالفات، تحت مبدأ «لا تهاون ولا استثناءات» في تطبيق القانون على الجميع.وما أجمل وما أروع أن نرى الكويت «أجمل بلا تعديدات»!اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

د. عيسى محمد العميري

فقيد قطر
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقى العالم العربي والإسلامي نبأ وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحد أبرز القادة الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ دولة قطر الحديث، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز والعمل من أجل رفعة وطنه وتعزيز مكانته على المستويين الإقليمي والدولي.وقد أعلن الديوان الأميري القطري وفاة الأمير الوالد، في خبر أثار مشاعر الحزن والأسى داخل قطر وخارجها، لما كان يتمتع به الفقيد من مكانة واحترام واسعين. ويُعد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة التحول الكبرى التي شهدتها دولة قطر.فمنذ توليه قيادة البلاد عام 1995، عمل على إطلاق مشاريع تنموية وإصلاحية واسعة، كان هدفها بناء دولة عصرية تقوم على التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد والاستثمار في الإنسان. كما شهدت البلاد خلال فترة حكمه تطويراً ملحوظاً في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة، إلى جانب إطلاق رؤية إستراتيجية طويلة المدى أسهمت في رسم ملامح مستقبل قطر. ومن أبرز إنجازاته أيضاً ترسيخ حضور قطر على الساحة الدولية، وتعزيز دورها الدبلوماسي في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، فضلاً عن دعم المبادرات الإنسانية والتنموية في مختلف أنحاء العالم. كما أولى اهتماماً كبيراً بالاستثمار في المعرفة والبحث العلمي، وهو ما انعكس في تأسيس مؤسسات تعليمية وبحثية رائدة أصبحت وجهة للطلاب والباحثين من مختلف الدول. ومن جانب آخر، فقد كان الفقيد هو أول من قاد دولة قطر إلى الفوز بتنظيم كأس العالم 2022، في خطوة غير مسبوقة على الصعيد العربي والآسيوي والأفريقي. وفي هذا الصدد أيضاً نقول إنه وفي عام 2013، قدّم الشيخ حمد بن خليفة، نموذجاً لافتاً في انتقال السلطة بسلاسة، عندما سلّم مقاليد الحكم إلى نجله صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست إيماناً بأهمية استمرارية الدولة وتجديد القيادات، مع مواصلة مسيرة التنمية التي بدأها.لقد شكّل الأمير الوالد، رمزاً وطنياً لدى أبناء قطر، واستطاع خلال سنوات قيادته أن يرسخ أسس النهضة الحديثة للدولة، وأن يضعها في موقع متقدم على المستويات الاقتصادية والتنموية والسياسية. وستبقى إنجازاته جزءاً من الذاكرة الوطنية، وإرثاً يستند إليه الأجيال في مواصلة البناء والتقدم.وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدم بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق، سائلين الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته، وأن يلهم أهله وذويه والشعب القطري الصبر والسلوان.إن رحيل القادة الكبار يترك فراغاً يصعب ملؤه، إلا أن ما يخلد ذكراهم هو ما قدموه من أعمال وإنجازات ومواقف راسخة. وسيظل اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضراً في تاريخ قطر الحديث بوصفه أحد أبرز صناع نهضتها، ورمزاً من رموز العمل الوطني والإخلاص في خدمة بلاده، وستبقى سيرته مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ بالاستثمار في الإنسان، والتخطيط للمستقبل، والعمل الدؤوب من أجل رفعة الوطن وازدهاره.رحم الله الفقيد.والله الموفق[email protected]

مقالات

سارة النومس

كتاب الثراء
ربما أحب كتابة المقال، لكن ذلك لا يعني أنني خبيرة في تأليف الكتب وبيعها، أو أنني أفكر في الاعتماد على دار نشر لتقوم بكل الواجب. ولأنني أجلس كثيراً مع مؤلفين، أغلبهم مديونون، وبعضهم لم يتسلّم نصيبه من مبيعات كتابه منذ سنتين أو أكثر.في السابق، كنت أصدق الشريط العريض الذي يوضع فوق عنوان الكتاب ويُكتب عليه (الكتاب الأكثر مبيعاً حسب صحيفة نيويورك تايمز) وغيرها من الصحف العالمية. وعندما أقرأ الكتاب أجده سطحياً ولا يستحق كل هذا الزخم. والأغرب أن هذه العبارة انتشرت على معظم الكتب إلى درجة جعلتني أبحث عن الكتاب الذي لا يحظى بدعم إعلامي مبالغ فيه.بحثت في الموضوع، فوجدت أن صحيفة «نيويورك تايمز» دافعت عن نفسها في قضية قانونية شهيرة، وادّعت أن «قائمة الكتب الأفضل مبيعاً» الخاصة بها ليست إحصاءً دقيقاً وصارماً لكل كتاب يُباع في البلاد، بل هي محتوى تحريري يخضع لتقييم محرري الصحيفة وتوقعاتهم وثقافتهم. إذاً فهو رأي ناشر لا أعرفه ولا أعرف ذائقته، وربما كان صديقاً لمؤلف الكتاب، أو تلقى هديةً أخجلته فأراد رد الجميل بمدح الكتاب في الصحيفة. كما أن نسب البيع لا تُحتسب عن طريق إحصاء الكتب المباعة عبر أمازون أو المتاجر الكبرى، بل تعتمد الصحيفة على متاجر ومكاتب مختارة تُبقي أسماءها سرية وتأخذ منها الأرقام. وحتى لو كان الكتاب ناجحاً حقاً واشتراه الآلاف، لكنه لم يكن يُباع في إحدى الجهات التي تعتمد عليها الصحيفة، فلن يدخل القائمة.سأخوض في الحديث عن مثال نجح فعلاً. فـ جيه كيه رولينغ، أغنى مؤلفة في العالم، وهي صاحبة سلسلة هاري بوتر، بثروة تُقدّر بمليار دولار. وقد باعت السلسلة أكثر من 600 مليون نسخة حول العالم، لكن الثروة الحقيقية جاءت من حقوق الأفلام، ومدن يونيفرسال ستوديوز الترفيهية، ومبيعات البضائع والهدايا التي تحمل شعار السلسلة. تخيّل أن تبتكر شخصية يحبها العالم كله، ثم تحصل على أرباح خيالية بمجرد استخدام تلك الشخصية تجارياً.طرحت سؤالاً على محركات البحث: «لماذا لا يصنع الكاتب العربي ثروة فاحشة من الكتب؟» فجاءت الأسباب مؤسفة. ويتصدرها أن الكتاب، ما إن يرى النور، حتى يُصوَّر بصيغة PDF ويُنشر مجاناً على الإنترنت، أو يُطبع في مطابع غير شرعية ويُباع على الأرصفة بربع السعر، من دون أن يحصل الكاتب على فلس واحد من بيعه. ثم يأتي سبب آخر، وهو أن الكاتب العربي يحصل على نسبة ربح لا تتجاوز 15 % من سعر غلاف الكتاب، بينما يذهب الباقي إلى دار النشر والموزع والمكتبات.كما أن الطبعة الأولى للكتاب في الدول الغربية تتجاوز خمسين ألف نسخة، بينما تتراوح الطبعة الأولى لأي كتاب في عالمنا العربي بين ألف وثلاثة آلاف نسخة فقط، وقد يستغرق بيعها أشهراً أو حتى سنوات. وأخيراً، في أميركا والدول الأوروبية يوجد وكلاء يشترون حقوق الكتب ويسوقونها للمنصات العالمية والترجمات بعقود مليونية، وهو نظام يكاد يكون غائباً في العالم العربي.وأخيراً، وهو الجانب الأكثر حزناً، أن ينتظر الكاتب مهرجاناً مهماً مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب، أو الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، أو جائزة كتارا، كي يحظى بالمبلغ الذي يُشعره بقيمة تعبه ويقدّر جهده في الكتابة. فهذه الجوائز والمهرجانات تُعد من المصادر المباشرة القليلة التي تمنح الكاتب العربي مكافأة مالية كبيرة، تتراوح بين 15 ألف دينار كويتي و60 ألف دينار. يحظى الكاتب بهذه الجائزة دون انتظار حسابات دور النشر التي قد تستغرق وقتاً طويلاً، وربما يموت الكاتب قبل أن يحصل على حقه كاملاً. ودون أن يقف، بكل أسى، محاولاً لفت انتباه آلاف الزوار في معرض يعج بالكتب؛ معظمها يحمل جمالاً مصطنعاً، وقليل منها فقط يحمل الجمال الحقيقي، لكنه لا يجد من يقدّر قيمته.

د. عبدالرحمن الجيران

خياط لندن
الأخلاق وعلاقتها بالكساء علاقة التزام، ولا يخفيها تبدل الموضة، ولا تجديد الثوب والجديلة! غير أن لباس الأمم المجبولة على الحزم والشجاعة والعزم غير لباس الأمم المجبولة على الكسل والجبن والهوان! واختيار كل إنسان لملابسه وطريقة لبسها كفيل بالإبانة عن شخصه ومزاجه ودخائل نفسه وطبعه...وقلما اختلفت الأمم قديماً في شيء اختلافها في الثياب والأزياء... فإنه ما من شيء تختلف به الأمم إلا وله أثر في لباس أبنائها وأسلوب تفصيل ذلك اللباس... فتباين الزي ينطوي في تباين الأقاليم والصناعة والمعيشة والعادة والحكم والتدين وطريقة التفكير...وما من خطوة يخطوها الثوب من لدن كونه زرعاً في الأرض أو شعراً على جلد حيوان إلى أن يصبح لباساً للمسؤول والحقير والوضيع إلا ويتراءى فيها عِلم الأمة وقدرتها وذوقها وخبرتها ودستور حكمها ونظام المعيشة فيها... والغريب أنك تجد أن تغيّر الثياب أكثر تأثيراً وأعجب من تغيّر البيوت! وأن ذخيرة الإنسانية عن أزياء وحُلي والحُلل تربو على ذخيرتها من أساليب العمارة في كل جيل! وعلى هذا الأساس نفهم لماذا قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس:تعلق قلبي في فتًى عربيةًتنّعمُ في الديباج والحلي والحُللفمن لباسها فقط زادته فتنةً ومجوناً فوق مجونه، وجاهلية فوق جاهليته!وقد تشِفُّ الثياب عن الجسم أو لا تشف، وقد تثقل على الإنسان أو تخفّ، ولكنها على جميع حالاتها تشفّ عن النفس البشرية أيما شفوف! وتمثلها أدق تمثيل، ولسنا نحصر الأمر في العفاف والصيانة والستر، ولا فيما يظنه الناس من نفع الثياب في زجر الشهوات وستر المغريات، وقد أخبرنا نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- عمن سيأتينا في زماننا هذا فقال: (صنفان من أهل النار لم أرهما...)، وعدّ منهما (نساء كاسيات عاريات)؛ فالنساء الكاسيات العاريات هن اللاتي يلبسن لباساً لا يسترهن، إما لقصره، وإما لرقته، وإما لضيقه حتى يجسد العورة، فهذه كاسية اسماً، عارية حقيقةً! فإن الأخلاق كلها على صلة مكينة بما يلبسه الرجال والنساء، للزينة أو الوقاية، وعلى مثال واحد في الإبانة عن مكنون النفوس، وإن اختلفت لغاتها ولهجاتها في التعبير...وقد نرى -فضلاً عن هذا كله- أن الثياب زادت عوامل الإغراء والإغواء ولم تنقصها، وأضعفت العفة والصيانة ولم تحصنها؟ لأن المرء يزيد بها جماله ويستر قبحه... وهكذا تجد النساء المائلات المميلات... مائلات عن الاستقامة إلى الفواحش والمنكرات... يعني مائلات إلى ما حرم الله من الزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وليس هذا فقط بل (مميلات) أي مميلات للنساء الأخريات يدعُنّ إلى الفساد، ويُعلمن النساء الفواحش والخنا، ويشجعن على الفساد والإفساد...يقول سافيل رو، الذي كان الخياط اللندني المفضل للملك إدوارد الثامن: «إن أكثر ما يتعبني من هؤلاء الناس تفصيل ملابسهم، أولئك الذين لا يبدو عليهم أنهم يحفلون بما يلبسون!»، بمعنى أنهم مهما زوّقوا من اللباس، وأسرفوا فيه، فإن هذا لا يرضي نزوتهم المريضة! وهذه ملاحظة يعرفها كل خائط فالملابس تقول كلاماً، وهو أن الملابس الثرثارة والأزياء البليغة المرصعة بالمخلوعات تُخفي تحتها أشباحاً ميتة، وأرواحاً متناقضةً مليئة بالغرور والطيش، والجد والهزل.ومن هذه الملابس ما يُنعت بالعقل والكياسة، ومنها ما يُنعت بالخرق والتياسة... ومنها ما يُحيَّى تحيةَ إكبار، ومنها ما يُدخِل الجنة التي وُعد المتقون، ومنها ما يُذهِب إلى النار التي يَصْلاها الكافرون... فهي أشباح وأطياف وأجسام وأفكار وليست بالخيوط البالية والنسيج والحرير! فهذا نابليون يفضل ارتداء المعطف الرمادي والزي العسكري البسيط ليكون قريباً من جنوده ويقول «لو كان الانتصار يعتمد على أناقة الزي لكان الخياطون أعظم قادة».تذكرت هنا وأنا أقارن صور الزعماء وترسانة النياشين على أكتافهم وصدورهم! وحال بلادهم من سيئ إلى أسوأ بهذه الأزياء العسكرية! يوجد في علم النفس مفهوم يُسمى (الإدراك المجسد)، ويقصد به أن ما يلبسه الإنسان يؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه، عندما يرتبط اللباس بمعنى معين في ذهنه... ولهذا نهى الإسلام عن لباس الشُهرة، الذي يقود إلى الكِبر والخيلاء، وفي الحديث: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة)، وأفضل ما يتزين به الإنسان قوله تعالى: «ولباس التقوى ذلك خير».

عبدالرحمن العتيبي

‏الحروب خيار الحمقى
‏ليس في التاريخ ما يدعو إلى تمجيد الحروب، ولا في ذاكرة الشعوب ما يغري بتكرارها.فالحرب، مهما تعدّدت مبرراتها، تبقى الخيار الأكثر كلفة على الإنسان والدولة والتنمية والاستقرار. ... ما ان تنفس العالم الصعداء بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة اللاستقرار في المنطقة وحالة العداء التي انتهجتها إيران تجاه دول الجوار بحججٍ واهية - رجعنا إلى المربع الأول... إيران تغلق المضيق وتهاجم السفن التجارية، تقابله الولايات المتحدة الأميركية بهجمات عسكرية على مواقع إيرانية لتبدأ السمفونية الإيرانية بالعزف بصواريخها ومسيّراتها على دولة الكويت ومملكة البحرين، ويعزف الحرس الثوري معزوفته المعتادة بتهديد دول الجوار بأسرها!‏هنا نقول إنّ الحمقى فهموا سياسة اللين والدبلوماسية المرنة بالمفهوم الخاطئ، وأن المأسوف عليه ليس هم بل الشعب الإيراني الصديق .‏السياسة الإيرانية الحالية تسير في اتجاه مغاير تماماً، ففي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية تفتح نافذة للأمل، جاءت مواقفها وتصرفاتها برسائل تصعيدية، سواء عبر إغلاق المضيق أو من خلال ضرب السفن التجارية وما تبع ذلك من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر استمرار نهج الاعتماد على أدوات النفوذ العسكري خارج الحدود. وهي سياسات لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن تداعياتها الخطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تريد إيران؟‏إذا كانت تسعى إلى رفع العقوبات، وجذب الاستثمارات، واستعادة مكانتها الاقتصادية، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر بناء الثقة مع المجتمع الدولي ومع محيطها الإقليمي، لا عبر سياسات التصعيد. أما إذا استمرت في إرسال إشارات متناقضة بين التفاوض والمواجهة، فإنها تخاطر بإهدار الفرص التي أتاحتها الدبلوماسية، وتدفع المنطقة نحو دورة جديدة من الاستقطاب قد يصعب احتواؤها. وليس من مصلحة أحد أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة. فلا إيران ستخرج بمنأى عن آثار أي حرب، ولا دول الجوار ستكون بعيدة عن تداعياتها، ولا الاقتصاد العالمي سيتحمل اضطراباً جديداً في أسواق الطاقة والملاحة.إن الجميع سيكون خاسراً، وإن تفاوتت درجات الخسارة.‏لقد آن الأوان لأن تنتقل السياسة الإيرانية من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الاستقرار، ومن توظيف النفوذ العسكري إلى بناء الشراكات السياسية والاقتصادية.‏إيران اليوم أحوج ما تكون إلى قادة يغلّبون الحكمة على الانفعال، ويقدمون المصالح الوطنية والإقليمية على حسابات التصعيد. فالتحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجه شعوب المنطقة أكبر من أن تُستهلك في نزاعات مفتوحة، وأجيال المستقبل تستحق أن ترث بيئة أكثر أمناً واستقراراً، لا ساحات جديدة للصراع.

كمال كبشة

مصر... حلمٌ سرقته صافرة ظالمة
رأيتني في حلم غريب... كأنني داخل ملعب لا يشبه الملاعب. المدرجات لم تكن مدرجات عادية، بل كانت شرفات مصرية وعربية ممتدة من القاهرة إلى الخليج، من الإسكندرية إلى الرباط، من الكويت إلى جدة، ومن كلّ بيت عربي كان هناك قلب ينتظر.كانت مصر تلعب أمام الأرجنتين، بطل العالم. لم يكن الحلم مجرد مباراة، بل كان امتحاناً للروح، واختباراً لقميص يعرف كيف ينهض حين يظنّ الآخرون أنه جاء ليودّع مُبكّراً.في الحلم، دخل منتخب مصر لا يحمل خوفاً، بل يحمل تاريخاً ووجعاً وأملاً. ركض اللاعبون كأنهم يركضون باسم كلّ مصري وعربي آمن أن الكبار لا يولدون كباراً إلى الأبد، وأن الملعب أحياناً يُنصف من يقاتل، لا من يملك الاسم الأكبر.تقدّمت مصر... فاشتعل الحلم.رأيت الشوارع تهتف، والبيوت ترتجف من الفرح، والعيون العربية تلمع كأن هدف مصر لم يكن لمصر وحدها، بل كان هدفاً لكلّ عربي تعب من الانحناء أمام الأسماء الكبيرة. للحظات، شعرنا أن التاريخ يفتح بابه، وأن بطل العالم بدأ يتألّم، وأن مصر لا تلاعب الأرجنتين... بل تجرّه إلى معركة لم يكن مُستعدّاً لها.لكن في زاوية الحلم، كان هناك رجل بصفارة لا تشبه العدل.كلّما اقتربت مصر من الحلم، ضاقت صافرة الحكم. كلّ التحاماتهم تمرّ، وكلّ اعتراضاتهم تُسمع، وكلّ سقوط لهم يتحوّل إلى قرار. أمّا مصر، فكانت تحتاج أن تُضرب مرتين كي تحصل على نصف حق. شعرت في الحلم أن الحكم لا يدير مباراة، بل يُحاول أن يدفع مصر خارج الحكاية، كأنّ وجودها بين الكبار أزعج حسابات لا نعرفها.ومع ذلك، لم تنكسر مصر.قاتلت. تقدّمت. تألّمت. عادت. صمدت. ووقفت أمام بطل العالم بندّية جعلت الخسارة نفسها ترتبك: هل هي خسارة حقاً، أم شهادة ميلاد جديدة لفريق أوجع الكبار؟ثم جاءت صافرة النهاية... قاسية كأنها باب أُغلق على حلم لم يكتمل.استيقظت وأنا حزين، لكنّني لم أكن مُنكسراً. كان في صدري وجع، نعم، لكنه وجع الفخر. لأن مصر لم تخرج صغيرة، ولم تخرج صامتة، ولم تخرج بلا أثر. خرجت بعدما قالت للعالم إن المصريين والعرب حين يحلمون بصدق، يستطيعون أن يجعلوا بطل العالم ينظر خلفه بخوف.نعم، خسرنا المباراة. نعم، ظُلمنا بقرارات تحتاج إلى ألف سؤال. نعم، كان الحلم قريباً حتى كاد يُلامس أيدينا.لكن يا منتخب مصر... أنتم لم تخذلونا.أوجعتمونا لأنّنا كنا قريبين جداً، لكنّكم رفعتم رؤوس المصريين والعرب. خسرتم نتيجة، لكنّكم كسبتم احتراماً لا تمنحه اللوحات الإلكترونية.بعض الأحلام لا تنتهي عند الاستيقاظ... بعضها يتحوّل إلى وعد.ومصر، حين تُودّع حلماً، لا تُودّعه مُنكسرة... بل تتركه واقفاً على الباب، ينتظر العودة.

حسين الراوي

لا تكن دائماً متاحاً
في زمن أصبح فيه كل شيء متاحاً على بعد نقرة — الوجوه، الأفكار، المشاعر، وحتى الذوات — تراجعت قيمة الحضور نفسه. ما يُقدَّم بلا حدود يفقد سحره، واللقاء الذي لا يُنتظر يصبح روتيناً بلا طعم. هنا يبرز الغياب المدروس كفن رفيع، ليس انسحاباً، بل إستراتيجية وجودية تحمي الذات وتُعيد للحضور وزنه وعمقه.لماذا يفقد الحضور المستمر قيمته؟الإنسان المتاح دائماً يتحوّل إلى «ماء مراق على الأرض»، كما قال بعض الحكماء. يُستهلك دون أن يُلاحَظ. الوعي بالمسافة هو الذي يجعل العلاقات حية: المسافة تولد الشوق، والشوق يُعيد اكتشاف القيمة. الحضور بلا غياب كالضوء بلا ظل — يبهر للحظة ثم يفقد تأثيره.نماذج تاريخية تُجسّد شجاعة الغياب:عبدالله بن المبارك (736–797م) كان عالماً زاهداً ومحدّثاً بارزاً. سُئل يوماً: «لماذا لا تجلس معنا بعد الصلاة؟» فأجاب: «أذهب لأجلس مع الصحابة والتابعين في كتبهم، فماذا أصنع بكم وأنتم تغتابون الناس؟». غيابه لم يكن كسلاً، بل اختياراً واعياً للرفقة التي ترفع روحه.أنطون تشيخوف، انتقل عام 1892 إلى مليخوفو في الريف الروسي، بعيداً عن صخب موسكو. هناك، كطبيب وكاتب، استلهم من حياة القرى أعمالاً خالدة مثل «النورس» و«العم فانيا». الغياب عن المراكز الأدبية أعطاه رؤية أعمق للإنسان.فرناندو بيسوا، عاش في لشبونة، عزلة اختيارية دامت ثلاثين عاماً تقريباً، متنقلاً بين غرف مستأجرة ومقاهٍ قليلة. من هذه العزلة ولدت «الهيتيرونيمات» — الشخصيات الشعرية المتعددة — التي أعاد بها تعريف مفهوم الذات في الأدب الحداثي.جبران خليل جبران، اختار العزلة في أميركا وأوروبا، قائلاً في رسائله: «أجد راحتي في الانفراد عن الناس، ففي العزلة أستطيع أن أفكر بحرية وأكتب كما أحب».أبوحامد الغزالي، ترك ذروة مجده في المدرسة النظامية ببغداد عام 1095م، ودخل في خلوة استمرت نحو عشر سنوات بين دمشق والقدس وطوس. خرج منها بكتاب «إحياء علوم الدين» — أحد الأعمال في تجديد الفكر الإسلامي. كانت عزلته ليست هروباً، بل تهذيباً للنفس ومراجعة جذرية.حكاية الطائر والشجرةطائر اعتاد زيارة شجرة كل صباح. ألفت الشجرة صوته فلم تعد تصغي. غاب الطائر أياماً، فعاد الصمت، ولما رجع أنصتت له الشجرة كأنها تسمعه للمرة الأولى. الغياب يُعيد ترتيب الأولويات.كيف نمارس الغياب المدروس في عصرنا؟• اختر لحظات حضورك بعناية، وتجنّب التواجد في كل مناسبة بلا معنى.• امنح نفسك فترات انقطاع عن وسائل التواصل والاجتماعات الرتيبة.• استثمر الغياب في القراءة العميقة، التأمل، أو اكتشاف هوايات جديدة.• استخدمه لتقييم العلاقات: مَنْ يفتقدك حقاً، ومَنْ يعامل وجودك كأمر مفروغ منه؟الغياب ليس رفضاً للناس، بل احتراماً عميقاً للذات ولقيمة ما تقدمه. إنه يحوّلك من «متاح دائماً» إلى «ثمين حين يحضر».لا تكن دائماً متاحاً.احضر حين يكون للحضور وزن، و غِبْ حين يصبح العطاء استنزافاً. كن حاضراً بقوة حين تحضر، وغائباً بوعي حين تغيب.كن كالقمر في ليالي التمام: لا يظهر كل ليلة، لكنه حين يطلّ يملأ السماء بنوره ويأسر كل الأنظار. أولئك الذين يمتلكون شجاعة الغياب هم وحدهم مَنْ يعيشون وجوداً حقيقياً، عميقاً، وخالداً.

عبدالعزيز التميمي

مي زيادة... هل قتلت حبيبها؟
ليست كل قصص الحب تنتهي بالزواج، وليست كل النهايات المؤلمة تعني أن أحد العاشقين كان مذنباً والآخر بريئاً. فبعض القصص تقتلها الظروف، وبعضها تقتلها المسافات، وبعضها يقتلها الخوف من المجهول.ومن أجمل قصص الحب في الأدب العربي الحديث قصة الأديبة الفلسطينية اللبنانية مي زيادة (1886-1941) والأديب العالمي جبران خليل جبران (1883-1931). علاقة استمرت ما يقارب عشرين عاماً، لم تجمع بينهما غرفة واحدة ولا مقهى واحد، وإنما جمعت بينهما الرسائل وحدها، حتى أصبحت تلك الرسائل من أجمل ما كُتب في أدب الحب الإنساني.كان جبران في نيويورك، وكانت مي في القاهرة، وبين المدينتين بحر واسع، لكن الكلمة كانت تعبره كلما حمل البريد رسالة جديدة.لقد أحبها جبران حباً صادقاً، ورأى فيها المرأة التي خاطبت روحه قبل قلبه، ولم يكن يخفي شوقه إليها، حتى أنه بعث إليها في آخر رسائله مقاطع من قصيدته التي عُرفت لاحقاً بصوت فيروز:أعطني الناي وغنِّفالغناء سرُّ الوجودوأنينُ الناي يبقىبعد أن يفنى الوجود.ولم يكن الناي هنا مجرد آلة موسيقية، بل رمزاً للروح التي تبقى حين يفنى الجسد، وللحب الذي يتجاوز حدود المكان والزمن.ومع ذلك بقي اللقاء حلماً مؤجلاً.كان جبران يتمنى أن تأتي إليه إلى أميركا، وكانت مي ترى أن ترك القاهرة وصالونها الأدبي، الذي كان يجمع كبار مفكري عصرها، يعني التخلي عن رسالتها الثقافية.وهنا بدأت المسافة تكبر، لا بين نيويورك والقاهرة، بل بين الحلم والواقع.وأحسب أن الغيرة لعبت دوراً في تردد مي؛ فقد كان جبران معروفاً بعلاقاته الإنسانية الواسعة، بينما كانت مي تخشى أن تكون اسماً آخر في حياة شاعر أحبته بكل إخلاص.وفي المقابل، يمكن أن نلوم جبران أيضاً؛ فقد اكتفى سنوات طويلة بالرسائل، بينما كان يستطيع أن يقطع البحر ليطرق باب بيتها في القاهرة ويطلب يدها كما يفعل العاشقون.فالحب الحقيقي لا يعيش على الورق وحده.ولهذا لا أستطيع أن أقول إن مي، وحدها قتلت الحب، ولا إن جبران، وحده فرّط فيه، بل أقول إن الحب بينهما مات ببطء بين التردد والمسافة، وبين كبرياء العاشقين وقسوة القدر.لقد خسر الأدب العربي زواجاً كان يمكن أن يكون من أجمل زيجات القرن العشرين، لكنه ربح واحدة من أعظم رسائل الحب التي عرفها الأدب.واليوم، في زمن الهواتف الذكية ووسائل التواصل، قد يصعب علينا أن نتخيل مقدار الشوق الذي كان يختبئ بين رسالة ورسالة، أو كم كانت الأيام ثقيلة على قلب ينتظر ساعي البريد.لقد كانت الرسالة آنذاك موعداً، وكانت الورقة وطناً، وكان الحبر نبض قلب.رحم الله جبران ومي؛ فقد جمعتهما الكلمة، وفرّق بينهما الواقع.

محمد سالم الراشد

من الشهادات إلى الاحتراف... لماذا نحتاج إلى خطة وطنية لصناعة المواهب في الكويت؟
مع كل بطولة لكأس العالم، أو دورة أولمبية، أو إعلان لنتائج الجامعات العالمية، أو كشف لأسماء الفائزين بجوائز الابتكار والاختراع، يتكرر السؤال ذاته في أذهان كثير من الكويتيين: أين نحن من هذه المنافسات العالمية؟لا يتعلق الأمر بالرياضة فقط، بل بالفنون والعلوم والتقنية والبحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال. فالكويت التي كانت في عقود سابقة من أكثر دول المنطقة تأثيراً في الإعلام والثقافة والتعليم والعمل الأهلي، لم تستطع حتى الآن تحويل إمكاناتها البشرية والمالية الكبيرة إلى حضور عالمي يتناسب مع حجم الدولة وإمكاناتها.المشكلة ليست في نقص المواهب، فكل مجتمع يمتلك نسبة متقاربة من الموهوبين والمبدعين. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب منظومة احترافية متكاملة لاكتشاف المواهب ورعايتها وتحويلها إلى إنجازات عالمية.لماذا تتراجع المؤسسات الناجحة؟التاريخ يخبرنا أن كثيراً من المؤسسات تبدأ قوية ومؤثرة ثم تتراجع تدريجياً. يحدث ذلك عندما يغيب الجيل المؤسس الذي بنى المشروع على الرؤية والطموح والتضحية، ويحل محله جيل إداري يركز على المحافظة على المواقع والمكتسبات أكثر من تركيزه على التجديد والتطوير.ومع مرور الوقت تتراكم البيروقراطية، وتتقدم العلاقات الشخصية على الكفاءة، وتتحول بعض المؤسسات إلى كيانات تدير الواقع بدلاً من أن تصنع المستقبل.وهذا لا يقتصر على الرياضة أو الثقافة، بل يمكن أن يصيب الجامعات والمؤسسات التعليمية والهيئات العلمية والفنية والاقتصادية.ومن هنا فإن السؤال ليس: كيف نصلح مؤسسة واحدة؟ بل كيف نبني منظومة وطنية جديدة لإنتاج الاحتراف؟تجربة قديمة مازلتُ أؤمن بها:أتذكر عندما عملت على إعداد إستراتيجية التعليم الديني مطلع الألفية الجديدة، وقدمت آنذاك في المؤتمر السنوي لجمعية المعلمين الكويتية تصوراً بعنوان «مدارس المستقبل».كان أحد أهم مكونات المشروع أن يتخرّج الطالب بشهادتين لا بشهادة واحدة:الأولى: شهادة التعليم العام.والثانية: شهادة احتراف في مجال موهبة أو قدرة أو تخصص يتناسب مع إمكاناته الشخصية.بمعنى آخر، لا يكتفي الطالب بدراسة الرياضيات والعلوم واللغة العربية، بل يخرج أيضاً وهو لاعب محترف أو مبرمج محترف أو باحث ناشئ أو فنان مبدع أو رائد أعمال صغير أو متخصص في الذكاء الاصطناعي أو الإعلام الرقمي.هذه الفكرة مازالت صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.العالم لم يعد يُكافئ الشهادات بل الكفاءات:في القرن الماضي كانت الشهادة الجامعية تمثل نهاية رحلة التعليم.أما اليوم فإن الاقتصاد العالمي يكافئ المهارات والاحتراف والابتكار أكثر من مجرد الحصول على المؤهل الأكاديمي.ولهذا نجد أن الدول التي تتصدر مؤشرات التنافسية والابتكار لم تبنِ نجاحها على التعليم التقليدي وحده، بل على منظومات متخصصة لصناعة المواهب.ففي نتائج اختبارات PISA الدولية لعام 2022 تصدرت سنغافورة العالم في الرياضيات والعلوم والقراءة والتفكير الإبداعي، حيث حقّق 41 % من طلبتها مستويات النخبة في الرياضيات مقارنة بمتوسط 9 % فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما حقّق 58 % منهم مستويات متقدمة في التفكير الإبداعي مقارنة بمتوسط 27 % عالمياً.هذه النتائج لم تأتِ من فراغ، بل من فلسفة تعليمية تعتبر أن اكتشاف الموهبة وصقلها هدف وطني لا يقل أهمية عن تدريس المناهج.ماذا فعلت سنغافورة وكوريا الجنوبية؟عندما استقلت سنغافورة عام 1965 كانت دولة صغيرة محدودة الموارد الطبيعية، لكنها قرّرت الاستثمار في الإنسان.واليوم تحتل سنغافورة المركز الخامس عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي، وتُعد من أكثر دول العالم تقدماً في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد المعرفي.أما كوريا الجنوبية التي خرجت من الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي واحدة من أفقر دول العالم، فقد أصبحت اليوم من أكبر القوى التكنولوجية والصناعية.وفي مؤشر الابتكار العالمي احتلت كوريا الجنوبية المركز السادس عالمياً في عام 2024، ثم ارتفعت إلى المركز الرابع عالمياً في 2025، مع تصدرها العالم في الإنفاق البحثي للشركات وكثافة الباحثين وبراءات الاختراع.هذه الدول لم تبنِ نجاحها عبر زيادة الإنفاق فقط، بل عبر إنشاء منظومات احترافية لاكتشاف الموهوبين وتأهيلهم منذ سن مبكرة وربط التعليم بالاقتصاد والإبداع والبحث العلمي.أين تقف الكويت اليوم؟وفق مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024، جاءت الكويت في المرتبة 71 عالمياً، ثم في المرتبة 73 عام 2025، بينما تشير التقارير إلى أن مخرجات الابتكار مازالت أقل من حجم الاستثمارات والموارد المتاحة. كما تسجل الكويت أداءً متواضعاً في مؤشرات نضج الأعمال ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا.ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها انتقاداً للكويت، بل باعتبارها مؤشراً على وجود فرصة كبيرة غير مستغلة.فالكويت تمتلك بنية تحتية جيدة، وقدرات مالية عالية، ونظاماً تعليمياً واسعاً، وقطاعاً خاصاً نشطاً، ومؤسسات مجتمع مدني مؤثرة. لكن الحلقة المفقودة تتمثل في منظومة وطنية لصناعة الاحتراف.من إصلاح المؤسسات إلى بناء المؤسسات البديلة:لقد اقتنعت خلال السنوات الماضية بأن بعض المؤسسات التقليدية يصعب إصلاحها بالسرعة المطلوبة بسبب تراكمات طويلة من الأنظمة والثقافات والصراعات.ولهذا فإن أحد الحلول العملية يتمثل في الإبقاء على المؤسسات القائمة، مع إنشاء مؤسسات احترافية جديدة تعمل وفق فلسفة مختلفة.ليس الهدف هدم القديم، بل بناء الجديد.فالجامعات تبقى، والأندية تبقى، والمعاهد تبقى، لكن تنشأ إلى جانبها مؤسسات متخصصة لصناعة النخب والمواهب.مشروع وطني لصناعة النخب:ما تحتاجه الكويت اليوم هو إنشاء «الهيئة الوطنية للتميز وصناعة النخب»، وهي مؤسسة مستقلة تموّل بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والقطاع الخيري.وتتولى هذه الهيئة إنشاء:- مركز وطني لاكتشاف المواهب.- أكاديمية للرياضة الاحترافية.- أكاديمية للفنون والإعلام.- أكاديمية للعلوم المستقبلية.- أكاديمية للذكاء الاصطناعي.- أكاديمية للقيادة الوطنية.- صندوق وطني لرعاية الموهوبين.وتبدأ عملية اكتشاف المواهب من المدارس منذ الصفوف المبكرة عبر اختبارات علمية ومهنية وإبداعية متخصصة.ثم ينتقل الطالب إلى مسار احترافي متدرج بالتوازي مع تعليمه العام.شهادة احتراف لكل طالب:أقترح أن يصبح الهدف الإستراتيجي للتعليم الكويتي خلال العقدين المقبلين أن يتخرّج كل طالب بشهادتين:الأولى شهادة أكاديمية.والثانية شهادة احترافية في مجال موهبة أو تخصص أو مهارة.عندها لن يكون لدينا فقط خريجو جامعات، بل سيكون لدينا علماء ومبرمجون وفنانون ورياضيون ومخترعون وقادة ورواد أعمال.الكويت 2045: مشروع إنساني قبل أن يكون اقتصادياً:التحدي الحقيقي أمام الكويت ليس بناء المزيد من المباني أو إنشاء المزيد من المؤسسات، بل بناء الإنسان الكويتي القادر على المنافسة عالمياً.فالدول التي تتصدر العالم اليوم لم تصل إلى ذلك لأنها الأغنى، بل لأنها نجحت في تحويل مواهب أبنائها إلى رأسمال معرفي وإبداعي.والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: كم مدرسة لدينا؟ أو كم نادياً رياضياً نملك؟بل: كم بطلاً عالمياً نصنع كل عام؟ وكم مخترعاً؟ وكم باحثاً؟ وكم فناناً؟ وكم رائد أعمال؟عندما ننتقل من ثقافة الشهادات إلى ثقافة الاحتراف، ومن إدارة المؤسسات إلى صناعة المواهب، ومن استهلاك الإنجازات إلى إنتاجها، عندها فقط يمكن للكويت أن تستعيد موقعها الطبيعي بين الدول الرائدة في العالم.فالمستقبل لن يكون للأغنى فقط، بل للأكثر قدرة على اكتشاف الإنسان وصناعة التميز.

د. خالد أحمد الصالح

عندما وحّدتنا كرة القدم
هناك لحظات تعجز السياسة عن صناعتها، وتنجح فيها الرياضة ببساطة وعفوية؛ لحظات تسقط فيها الحدود من الذاكرة، وتعلو فيها راية الانتماء الكبير على كل الانتماءات الصغيرة.هذا ما رأيناه في بطولة كأس العالم. لم تكن المدرجات تمتلئ بمشجعي منتخب واحد، بل كانت تمتلئ بقلوب عربية تنبض لفريق عربي، أياً كان اسمه وأياً كانت الراية التي يحملها؛ في الكويت، كما في القاهرة، والرباط، والرياض، والدوحة، والبحرين، وبغداد، وعمان، والجزائر، وتونس، ودمشق، وعدن، وكل مدينة عربية، كان المشهد واحداً: فرحة واحدة، ودعاء واحد، وأمنية واحدة أن يواصل المنتخب العربي رحلته.ذلك لم يكن انتصاراً للرياضة وحدها، بل كان انتصاراً للحقيقة التي حاول كثيرون طمسها؛ فهذه الأمة، على الرغم من اختلاف أنظمتها وحدودها، ما زالت تمتلك لغة واحدة وثقافة مشتركة وقلباً واحداً؛ قد تختلف الحكومات، وقد تتباين المواقف السياسية، لكن الشعوب تعرف بالفطرة أن ما يجمعها أعمق بكثير مما يُفرّقها.لقد أنفقت قوى الاستعمار، والقوى المعادية لأمّتنا قديماً وحديثاً، سنوات طويلة وهي تراهن على تفتيت الوعي العربي، وزرع الشقاق، وإحياء الهويات الضيقة على حساب الهوية الجامعة، وسارت في هذا الطريق جماعات وأحزاب ومصالح وأصوات وجدت في الفرقة تجارة رابحة؛ لكن مشهداً واحداً في مدرجات كرة القدم كان كفيلاً بأن يهدم كل تلك الأوهام.عندما يهتف الكويتي لمصر، ويصفق السعودي للمغرب، ويذرف الأردني دمعة فرح لانتصار الجزائر، فإن الرسالة تكون أوضح من أي خطاب سياسي، وأبلغ من آلاف المقالات؛ إنها رسالة تقول إن الأمة العربية لم تمت، وإن جذورها ما زالت تضرب عميقاً في وجدان أبنائها.قد تبدو كرة القدم لعبة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها مرآة للشعوب؛ وفي هذه البطولة رأينا في تلك المرآة صورة مشرقة لوطن عربي كبير، لا تحده الخرائط ولا تعرقله الحدود، وطن يسكن القلوب قبل أن يسكن الجغرافيا.ولعل أجمل ما خرجنا به من هذه البطولة ليس عدد الأهداف، ولا أسماء الهدافين، ولا نتائج المباريات، بل ذلك الشعور النبيل الذي أعاد إلينا الثقة بأن الأمة التي تستطيع أن تفرح معاً، وتحلم معاً، وتلتف حول نجاح أحد أبنائها، هي أمة ما زالت تملك أسباب النهوض مهما اشتدت عليها المحن.إن كرة القدم انتهت صافرتها في الملعب، لكن رسالتها يجب ألا تنتهي. فقد ذكّرتنا بأن ما يجمع العرب ليس مجرد تاريخ مشترك أو لغة واحدة، بل وجدان حيّ، وشعور قوي ومصالح واحدة وأمة لها تاريخ مجيد، أمة حملت راية التوحيد إلى كل بقاع العالم ونشرت الإسلام الحق في زمن كان الناس عطشى لمثل هذا الدين العظيم.اليوم، إذا أُحسنا جميعاً الحفاظ على ثقافتنا ووحدتنا فلن تنجح كل محاولات التفريق، ولا مشاريع الاستعمار، ولا دعاة الانقسام والأقليات، لن ينجحوا في اقتلاع هذه الحقيقة الراسخة: أن الأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، ستظل أمة واحدة في ضمير شعوبها، مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمنة.