يا صبر أيوب!
تجري هذه الكلمة على ألسنة الناس بسبب تغيّر الحال ولكنها خطأ فلا يجوز أن يقول يا صبر! الصبر ما يُدعىٰ من دون الله... لكن يقول اللهم ارزقني الصبر الجميل، اللهم ألهمني الصبر على طاعتك والصبر عن محارمك، اللهم ارزقني الصبر على ما قضيت، يسأل ربه أنواع الصبر كلها لأنه في حاجة إليها.أيوب، عليه السلام، من أنبياء بني إسرائيل، وقد ذكره الله في كتابه مثنياً عليه بالخصال الحميدة، فإن الله ابتلاه بأهله وولده وماله وأخيراً بجسده فتقرّح قروحاً عظيمة آلمته وذهب كل ماله وأصابه من البلاء ما لم يصب به أحد من العالمين، فصبر لأمر الله ولم يزل منيباً لله حتى قال الله عنه:«إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ».ولما طال به البلاء واشتدّ عليه الكرب وتخلىٰ عنه الصاحب والحميم دعا بهذا الدعاء «أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، فجاءه الفرَج من الله بعدما توسّل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ به الضر كل مبلغ، وسأله برحمته الواسعة الواصلة فاستجاب الله له وقال «اركُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ»، والركض إما هو ضرب الأرض بالقدم أو هو العَدو مسرعاً... ففعل ذلك فنبعت بركضته الأرض عين ماء بارد، فقيل له اشرب واغتسل ففعل ذلك، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من البلاء وأعاد الله له أهله وماله وأعطاه من النعم والخيرات، فصار بهذا الصبر قدوةً للصابرين وسلوه للمبتلين وعِبرة للمعتبرين...وكان في مرضه قد وجد على زوجته المرأة البارة الرحيمة في بعض الشيء كدّر خاطره عليها، فحلف أن يجلدها مئة جلدة فخفّف الله عنه وعنها وجاءه الفرج بعد الفرج، فقيل له خذ بيدك ضِغثاً وهي حزمة حشيش أو شماريخ أو عيدان السنابل الخفيفة مئة عود فاجمعها واضربها به ولا تحنث، أي ينحلّ بذلك يمينك، وفي هذا دليل على أن كفارة اليمين لم تشرع لأحد قبل شريعتنا الإسلامية وإن اليمين عند اليهود والنصارى بمنزلة النذر الذي لا بد من وفائه، وفي هذا دليل على أن من لا يحتمل إقامة الحد عليه لضعفه انه يقام عليه مسمى ذلك الحد لأن الغرض التنكيل وليس الإتلاف والإهلاك.قال، صلى الله عليه وآله وسلم، (بينما أيوب يغتسل عُريانا فخرّ عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك).وليس هذا عتاب من الله بل من قبيل التلطف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه فيزيد في الشكر، ولذلك أقسم أيوب بعزّة الله انه يعترف ويقر بنعمة الله عليه، ثم قال ولكن لا غنى لي من بركتك، فمُحال أن يكون أيوب، عليه السلام، جمع هذا الذهب حباً للدنيا وإنما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنه حديث عهد بربه نزل من السماء ولأنه بركة من الله الذي تبارك اسمه ذو الجلال والإكرام.وهذه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغي تلقيها بالقبول مع إظهار أنه فقير إلى ما أنزله الله من خير وفي ذلك شكر للنعمة وتعظيم لشأنها.فاللهم أعنّا في رمضان على أنفسنا واجعلنا من الصابرين الشاكرين في السراء والضراء والحمد لله رب العالمين.