سافر إلى ذاتك

عن الطمأنينة

تصغير
تكبير

من منظور علم النفس العميق، فإن الإنسان لا يبحث في حياته عن السعادة فقط بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. فالسعادة قد تكون لحظة عابرة مرتبطة بحدث جميل أو إنجاز معين، أما الطمأنينة فهي حالة نفسية مستقرة يشعر فيها الإنسان بأن داخله متوازن مهما تغيّرت الظروف حوله. ولهذا نرى أشخاصاً يعيشون في أفضل الظروف المادية والاجتماعية ومع ذلك يعانون من قلق مستمر، بينما يعيش آخرون حياة بسيطة لكن قلوبهم مليئة بالهدوء. هذا التباين يفسره علم النفس بأن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من الخارج بل من الداخل، من شعور الإنسان بأن هناك معنى لما يمر به وأن حياته ليست فوضى بلا اتجاه.

في هذا السياق، يقدم القرآن رؤية نفسية عميقة عندما يقول الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينةَ في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾.(الفتح 4)، هذه الآية تصف بدقة حالة نفسية يمكن أن نسميها في علم النفس حالة الاتزان الداخلي. فالسكينة هنا ليست مجرد هدوء موقت، بل تنظيم عميق لمشاعر الإنسان بحيث تهدأ استجاباته الانفعالية ويصبح أكثر قدرة على التفكير الواضح واتخاذ القرار. الإنسان عندما يشعر أن هناك قوة عليا تحيط به وتدبر حياته، يقل شعوره بالتهديد الوجودي الذي يعتبره علم النفس أحد أهم مصادر القلق البشري.

القلق في جوهره هو شعور بفقدان السيطرة أو الخوف من المجهول. الدماغ البشري مبرمج بيولوجياً على البحث عن الأمان، وعندما لا يجد تفسيراً واضحاً لما يحدث في حياته يبدأ بإنتاج أفكار سلبية وتوقعات كارثية. هنا يأتي الإيمان كعامل نفسي يعيد ترتيب هذا الاضطراب الداخلي، لأنه يمنح الإنسان إطاراً أوسع لفهم الحياة. عندما يؤمن الإنسان بأن هناك حكمة إلهية وراء الأحداث، يتغير تفسيره للألم والخسارة والتحديات، فيتحول من حالة مقاومة قلقة إلى حالة قبول هادئ.

تؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الإيمان والروحانية يرتبطان بانخفاض مستويات القلق والتوتر. السبب في ذلك أن الإيمان يخفف شعور الإنسان بالعزلة النفسية، فهو يشعر أنه ليس وحده في مواجهة الحياة، وأن هناك معنى أعمق لما يمر به. وهذا يتطابق مع مفهوم السكينة الذي تشير إليه الآية، فالسكينة ليست إنكاراً للمشكلات بل قدرة نفسية على مواجهتها دون انهيار داخلي. إنها حالة من الثبات الانفعالي تجعل الإنسان قادراً على التفكير بوضوح حتى في أصعب الظروف.

من الناحية العلاجية، كثير من المعالجين النفسيين اليوم يتحدثون عن أهمية بناء ما يسمى بالأمان الداخلي. الأمان الداخلي هو الشعور بأن الإنسان قادر على احتواء مشاعره والتعامل مع الحياة دون خوف مفرط. الإيمان يلعب دوراً أساسياً في بناء هذا الأمان، لأنه يخلق علاقة عميقة بين الإنسان وربه، علاقة قائمة على الثقة والتسليم. عندما يترسخ هذا الشعور في القلب تتغير استجابة الإنسان للضغوط، فلا يعود يرى كل أزمة كتهديد لوجوده بل كمرحلة يمكن عبورها.

ولهذا يمكن القول إن السكينة التي يتحدث عنها القرآن الكريم، ليست فقط مفهوماً دينياً، بل هي حالة نفسية متكاملة تجمع بين الثقة والهدوء والوضوح الداخلي. الإنسان الذي يعيش هذه السكينة لا يخلو من الحزن أو التوتر، لكنه لا يسمح لهذه المشاعر بأن تسيطر على كيانه بالكامل. يبقى في داخله مركز هادئ يشبه نقطة الاتزان التي تعيد النفس إلى توازنها مهما اشتدت العواصف. ومن هنا نفهم لماذا قال الله ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾، لأن الطمأنينة عندما تسكن القلب لا تجعل الإنسان أهدأ فقط، بل تجعله أكثر يقيناً بالحياة وأكثر قدرة على السير فيها بثبات ووعي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي