اتجاهات

الضباب الإستراتيجي وتحولات الأمن الخليجي

تصغير
تكبير

الاستهداف الإيراني لدول الخليج لم يقتصر على القواعد العسكرية الأميركية فقط بل تجاوز الحدود ليطول معادلة الردع السياسي والاقتصادي والنفسي في المنطقة بأكملها، فالمشهد الخليجي اليوم لا يقاس فقط بعدد الصواريخ أو المسيّرات بل بمدى قدرة الدول على احتواء الارتدادات الإستراتيجية للحرب سواءً عبر حماية البنية التحتية الحيوية أو إدارة الرأي العام، أو الحفاظ على استقرار الأسواق والطاقة.

فدول الخليج بين الردع والاحتواء وفي مقدمتها الكويت تتعامل مع هذه المواجهة بمنهج مختلف عن الحروب السابقة، فالمعادلة لم تعد عسكرية بحتة بل أصبحت مركبة تقوم على تحييد الجغرافيا قدر الإمكان عبر تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والبحري وتنويع التحالفات الدولية لتقليل الاعتماد على طرف واحد في معادلة الحماية، بالإضافة إلى إدارة التوازن الدبلوماسي بين واشنطن وطهران دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

الحرب الحالية أعادت طرح سؤال الأمن الخليجي المشترك، وأظهرت أن أي تصعيد إقليمي ستكون كلفته جماعية وليست فردية.

الكويت في قلب المعادلة تحديداً تقف في موقع بالغ الحساسية بحكم الجغرافيا السياسية القريبة من بؤر التوتر في الخليج ووجود قواعد عسكرية أميركية تجعلها ضمن بنك الأهداف النظري في أي تصعيد مباشر. أضف إلى ذلك طبيعة سياستها الخارجية المتوازنة التي تميل تاريخياً إلى الوساطة وخفض التصعيد.

من اللافت والمشرف المعتاد أن الكويت لم تنجرف إلى خطاب تصعيدي بل حافظت على نهجها التقليدي القائم على التمسك بالقانون الدولي ودعم الاستقرار الإقليمي وتجنب الاصطفافات الحادة.

أما عن البعد الاقتصادي وهو ما يلقب بالخطر الصامت، فالتهديد لا يقتصر على الجانب العسكري والحرب البحرية واتساع نطاق الاستهداف في الممرات الحيوية الذي يضع صادرات النفط الخليجية تحت ضغط دائم والأسواق المالية أمام تقلبات حادة، أيضاً خطط التحول الاقتصادي في مهب المخاطر.

بالنسبة للكويت، فإن أي اضطراب قصير أو طويل الأمد في أسعار الطاقة أو سلاسل الإمداد لن يؤثر على خططها التنموية ومشاريعها الإستراتيجية خصوصاً في ظل تنويعها في الاقتصاد.

سيناريوهات المرحلة المقبلة بالنسبة للمؤشرات الحالية توحي بثلاثة مسارات محتملة، المسار الأول، تصعيد محدود مضبوط الإيقاع من خلال ضربات متبادلة دون توسع شامل، المسار الثاني، حرب استنزاف إقليمية غير مباشرة عبر أدوات الوكلاء، والمسار الثالث، انفراجة سياسية مفاجئة نتيجة ضغط دولي واسع وخشية الجميع من فقدان السيطرة.

في جميع السيناريوهات، يبقى الخليج والكويت تحديداً أمام تحد مزدوج، تحدي الصلابة الأمنية التي خاضت به الكويت بجدارة من خلال أجهزة الدولة الدفاعية التي أثبتت جدارتها بالدفاع عن الوطن حتى بأرواحهم، وتحدي الحكمة السياسية التي أيضاً اجتازته الكويت كالعادة بدرجة امتياز من خلال القيادة الرشيدة واتخاذ قرارات مدروسة.

هذه ليست حرب جيوش تقليدية بل حرب معادلات، معادلة الردع مقابل التحمل، معادلة الرسائل السياسية مقابل الفعل العسكري، ومعادلة التوازن الخليجي، ومعادلة إستراتيجية إعادة توازن القوى.

الكويت اليوم ليست طرفاً في الحرب لكنها جزء من تداعياتها وقدرتها على الاستمرار في دور الدولة المتزنة القادرة على الجمع بين التحالفات الدولية والتهدئة الإقليمية ستكون العامل الحاسم في عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر.

وفي ظل ضبابية المشهد تبقى الحقيقة الأهم وهي المنطقة تدخل طوراً جديداً لا تحكمه القوة وحدها بل تحكمه القدرة على إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى حقائق ميدانية.

حفظ الله دول الخليج وشعوبها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي