أظهرت الحرب القائمة حالياً في منطقة الخليج العربي... إثباتاً أو لنقل دليلاً بالغ الأهمية إذا ما أردنا أن نجري مقارنة في أوضاع الدول التي تقع على الخليج العربي. حيث تشهد تبايناً صارخاً في مسارات التنمية بين دول الخليج العربي وبعض الدول الأخرى التي اختارت طريق التسلح على حساب رفاهية شعوبها.
هذا التباين يعكس فلسفتين مختلفتين تماماً في إدارة الثروات الوطنية، حيث بدأت دول الخليج العربي رحلتها التنموية منذ خمسينات القرن الماضي، ومنذ اكتشفت النفط، وبدأت في تحويل عائداته إلى مشاريع تنموية طموحة. فقد كانت دول مثل قطر والكويت والإمارات وعُمان والبحرين والسعودية مجرد موانئ صيد صغيرة ومخيمات بدوية قبل أقل من قرن، بينما أصبحت اليوم مراكز مالية عالمية ووجهات سياحية رائدة.
وحققت دول الخليج خلال العقود الماضية قفزات تنموية استثنائية، حيث بنت بنية تحتية عالمية المستوى، وأنشأت مدناً حديثة من الصفر، وطورت قطاعات متنوعة تشمل السياحة والتمويل واللوجستيات والتعليم والبحث العلمي.
فعلى سبيل المثال تحولت دبي من اقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تقترب من 100 % إلى اقتصاد متنوع لا يتجاوز فيه النفط أرقاماً نسبية طفيفة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالاعتماد على النفط.
وبالتالي فقد ركزت دول الخليج على الاستثمار في رأس المال البشري، حيث أنشأت جامعات عالمية المستوى ومؤسسات بحثية متطورة، مثل مؤسسة قطر التي استضافت فروعاً لجامعات أميركية مرموقة. كما عملت على توفير خدمات صحية وتعليمية مجانية لمواطنيها، ورفعت مستويات المعيشة بشكل ملحوظ. وبالمقابل أيضاً فقد أطلقت دول الخليج رؤى تنموية طموحة مثل رؤية السعودية 2030، ورؤية الإمارات 2031، ورؤية عُمان 2040، ورؤية الكويت 2035، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية البحرين الاقتصادية 2030.
هذه الرؤى تهدف إلى تنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على النفط، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. وفي المقابل، هناك دول اختارت مساراً مغايراً تماماً، حيث أولت اهتماماً مفرطاً ببناء الجيوش وتطوير الأسلحة التقليدية والنووية والقدرات الصاروخية! على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد أدى هذا التوجه إلى إهدار مقدرات شعوبها وثرواتهم في سبيل تحقيق أهداف عسكرية ونفوذية.
وبناء عليه... تشير الدراسات إلى أن الإنفاق العسكري المفرط يمثل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأودى بتلك الدول إلى التركيز على التسلح إلى دفع ملايين المواطنين في بعض الدول إلى ما دون خط الفقر، حيث أهملت هذه الدول قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية الأساسية.
وقد أظهرت الدراسات أن 80 % من أفقر 20 دولة في العالم عانت من حروب كبرى خلال 15 عاماً الماضية، وأن 9 من أصل 10 دول ذات أعلى معدلات وفيات الأطفال عانت من صراعات مسلحة. والدخول في مغامرات لا طائل من ورائها سوى جر الدمار والخراب لشعوبها وشعوب الآخرين. والله الحافظ.
Dr.essa.amiri@hotmail.com