خلجات

الزّرع والحصاد

تصغير
تكبير

جُبل الإنسانُ على أفعال ومهام، بعضها يومي وبعضها دوري، ومع انتشار الترف، وربما الثورة الصناعية، أصبح الكسل أمراً حتمياً عليه؛ فلم يعد يزرع ليحصد ويشتري ويبيع، ولا يصطاد ليأكل، بل صار كل شيء يُجلب إليه، ويُخزَّن مبرداً في ثلاجة بيته.

وتطور الأمر إلى أنه لم يعد يجتهد حتى فكرياً، فصار يومه مثل أمسه، وأمسه قد يكون أفضل من غده؛ لأنه على الأقل مرَّ بسلام. ما أدى إلى أنه أضاع قيمته الإنسانية في الحياة، وهي البذل والجهد المعنوي، فصار يريد الحياة السريعة، والجهد الأقل، والتشجيع الأكبر، وأصبح هشاً لا يحتمل النقد. وهذا أمر يُعذر عليه؛ لأن المجتمع أصلاً يظن الوقاحة صراحةً ونقداً، فصار الإنسان مع البلادة هشاً مهشّماً، مشوه الإنسانية والقيمة البشرية، وحقاً أقول: كلنا ذلك الرجل.

فصار أحدنا، ليخرج من هذه الزنزانة الفكرية، يضع لكل مهمة هدفاً يجنيه من فعله ومهامه التي يؤديها لتكون له حافزاً، فإن لم يجد الثمرة من فعله عاد أدراجه إلى سجن كسله، متدثراً برداء الخيبة، فازداد انكساراً وهشاشة على ما كان يعانيه من قبل. وكلنا مررنا بهذه المرحلة باختلاف المهام والأهداف وتطلعاتنا لثمار غرسنا.

فتجد الإنسان، قبل أن يرسم الخطط، يتخيل الهدف والنتيجة، متناسياً أن أفضل نتيجة قد يجنيها هي التعود على الاستمرار واكتساب القيمة، وأن يكون يداً فاعلة في المجتمع.

فطر الله الإنسان على التقصير والذنب واعوجاج الطباع، فإذا أدرك أن حياته متخبطة، وعانى ما يعاني من هم وكدر، وأراد أن يؤدي دوراً إنسانياً في الحياة، راح يضع لنفسه الأهداف والإستراتيجيات، متطلعاً إلى الثمار كدافع له على الإنجاز ومحفز له على الوصول.

ولكنني أتساءل، وقد وقعت شخصياً في فخ هذا الفعل دون أن أعرف الجواب: هل الثمرة في جني الثمرة أم في إحياء الأرض؟

لا أعرف إن كان قد أُجيب عن هذا السؤال فلسفياً أم لا، لكني أعتقد أن الإنسان إذا جاهد على الاستمرار في الفعل، فهو في حد ذاته ثمرة كبيرة جداً. فكم من الثمار لا يدركها الإنسان في الوقت القريب، وإنما يجنيها على الأثر البعيد، وقد لا يرى ثمار غرسه الذي غرسه، وفعله الذي داوم عليه، ولو نوى بذلك الاستمرار والصبر على الفعل تعبداً وامتثالاً لله لكان خيراً له على صبره وانتظاره وأجراً له بكل ما فعل

وانتظر.

أعني بذلك أن الإنسان، بدلاً من أن يضع لنفسه هدفاً يراه رأي العين، من الأفضل أن يعلّم نفسه أن الهدف قد يكون الاستمرار على الفعل والاعتياد عليه، ثم إجادته.

أما الثمرة من الفعل والاستمرار، فقد لا تكون إلا أن يكتسب الإنسان قيمةً إنسانية ومعنوية. وأما جني الثمر فأقولها صريحة: هو من عند الله، والصبر عليه عبادة محضة.

ولو أوهم الإنسان نفسه بوجوب جني الثمر، لعلَّق كل تأخير إما عليه إن كان يظن بنفسه الفشل، أو بالمجتمع وما حوله إن كان يريد شمّاعة تحمل عنه فشله، ليعود إلى خيبته مرة أخرى.

جاء في الحديث: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وهو دليل على العمل، وليس دليلاً على الثمرة.

فالثمرة، كما قلت، هي اقتناع الإنسان داخلياً بوجوب الاستمرار في العمل، لا انتظاره لثمرة ما عمل.

أعتقد أن الإنسان، لكثرة ما رأى من وراء الشاشات من نتائج وتظاهر بالانجاز، ظن أنها تأتي بقليل من الحدس أو من بديهة، طالما أنه نوى العمل فالنتيجة أن يجني ثمر نيته ويراها رأي العين. وذلك أمر يحتاج إلى تكسير لصنم الاقتناع والتصديق، وإعادة بناء الإنسانية بالدرجة الأولى، عن طريق التعامل مع معطيات الحياة وإعادة التفكير فيها إن استطاع التفكير أصلاً كما ينبغي لبشرٍ عاقلٍ أن يفكر.

وإن كنت أظن أن مجرد التفكير سيبحث لنفسه عن مكافأة يكافئ بها نفسه، أو ثمرة يجنيها ليشجع نفسه على إنسانية لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى ثمرة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي