عراقجي... لسان التراجع المنظّم

تصغير
تكبير

في السياسة لا تنتهي الحروب عندما تصمت البنادق، بل عندما تبدأ الكلمات بأخذ مكان الصواريخ. فالمعركة الحقيقية لا تكون دائماً في الميدان، بل أحياناً خلف الأبواب المغلقة، حيث تتحوّل اللغة إلى أداة مساومة، ويصبح التوقيت جزءاً من المعركة، ويغدو الصمت نفسه موقفاً سياسياً.

منذ بداية التصعيد، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكأنه يرسل إشارات متكررة بأن النهاية ليست بعيدة. أكثر من مرة تحدث عن «حل قريب»، وعن «اتفاق يلوح بالأفق»، وعن إمكانيات لإنهاء المواجهة خلال فترة وجيزة. وفي كل مرة كانت لغة التصعيد العسكري تسير بالتوازي مع لغة التهدئة السياسية، وكأنّ واشنطن تريد أن تقول إنها مستعدة للضغط حتى النهاية، لكنها لا ترغب في الذهاب إلى حرب لا يمكن السيطرة على نتائجها.

هذا التكرار في حديث ترامب لم يكن مجرد تفاؤل سياسي، بل يحمل أبعاداً أعمق تتعلق بإدارة الحرب نفسها. فالاقتصاد العالمي لا يحتمل اهتزازاً طويلاً في الطاقة، وأسواق المال لا تتعايش بسهولة مع احتمالات الفوضى، وحلفاء واشنطن في المنطقة لا يريدون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز الحسابات التقليدية.

وفي الجهة المقابلة، لم يكن الخطاب الإيراني منفصلاً عن هذا الإدراك. وهنا يبرز دور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لا باعتباره رجل حلول، بل باعتباره أداة سياسية لإدارة مرحلة دقيقة تتطلّب قدراً كبيراً من المناورة الكلامية والسياسية. تصريحاته بدت في كثير من الأحيان وكأنها تسير على خيط رفيع؛ لا رفض قاطع يغلق الباب، ولا قبول صريح يكشف حجم الضغوط الواقعة على طهران.

فإيران تدرك جيداً أن رفع سقف الخطاب شيء، والاستمرار في تحمل كلفة المواجهة المفتوحة شيء آخر. فالعقوبات الممتدة لم تعد مجرد أرقام اقتصادية، بل تحوّلت إلى ضغط مباشر على الداخل الإيراني، وعلى القدرة التمويلية، وعلى هامش الحركة الإقليمية.

هنا يصبح الحديث عن «لسان التراجع المنظم» أقرب إلى توصيف لطبيعة المرحلة، لا لشخص بعينه. فالدول لا تُعلن تراجعها بشكل مباشر، بل تعيد صياغته على هيئة تفاوض، أو تهدئة، أو إعادة تموضع تحفظ الحد الأدنى من الصورة السياسية أمام الداخل والخارج.

في ملف مضيق هرمز، كان واضحاً أن التهديد بالإغلاق ظل أقرب إلى ورقة ضغط منه إلى خيار حقيقي. لأن الإقدام على خطوة بهذا الحجم يعني الدخول في مواجهة دولية واسعة قد تجعل إيران تخسر مساحة المناورة التي حافظت عليها لسنوات. ولذلك بقي المضيق حاضراً في الخطاب السياسي أكثر من حضوره في الفعل الميداني. تهديد محسوب... لا قرار نهائياً.

أما ملف العقوبات، فهو جوهر المسألة لا هامشها. فبعيداً عن الشعارات، فإن أي انفراج سياسي لا يمكن أن يحدث دون نقاش جدي حول تخفيف العقوبات، واستعادة جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وإيجاد مساحة اقتصادية تسمح للنظام الإيراني بالتقاط أنفاسه داخلياً.

وفي الملف النووي، يبدو أن الجميع يتفاوض على مستوى التصعيد لا على مبدأ الإنهاء. لا واشنطن تبدو راغبة في دفع المنطقة إلى سيناريو الانفجار، ولا إيران تبدو مستعدة لتحمل كلفة القطيعة الكاملة. إنها لعبة شد الحبل عند الحافة، حيث يحاول كل طرف الاقتراب من أقصى نقطة ضغط دون السقوط في الهاوية.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يكرر ترامب الحديث عن قُرب الحل؟

ربما لأن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالسلاح وحده. التوقعات أصبحت جزءاً من المعركة، والأسواق أصبحت جبهة قائمة بذاتها، والرأي العام عنصر ضغط لا يقل أهمية عن حاملات الطائرات. الحديث عن اتفاق قريب قد يكون رسالة تهدئة للحلفاء، ورسالة ضغط للخصوم، ورسالة طمأنة للاقتصاد العالمي في آن واحد.

لكن ما يجري فعلياً لا يبدو اتفاقاً بقدر ما يبدو إدارة دقيقة لتخفيف الخسائر. فكل الأطراف تدرك أن الاستمرار في التصعيد يحمل أثماناً باهظة، وأن الوصول إلى تفاهم محدود قد يكون أقل كلفة من الاستمرار في اختبار حافة الانفجار.

في النهاية، لا تبدو المنطقة أمام مشهد انتصار كامل لطرف، ولا هزيمة صريحة لطرف آخر، بل أمام مشهد أكثر تعقيداً: إعادة رسم حدود الاشتباك، وإعادة تعريف المصالح، ومحاولة إنتاج مخرج سياسي لا يبدو في ظاهره تراجعاً... وإن كان في جوهره اعترافاً بأن لغة القوة وحدها لا تكفي دائماً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي