هذه البشرية تنجذب بصورة متسارعة نحو الدين من جديد، وكل ما يُراد به أن يسُدَّ في الإنسانية مسدّ الدين ويُغني عنه فإنما هو في رأيي الشخصي كطعام الأثيم «كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم»، «لا يُسمن ولا يُغني من جوع»، بل هو استمرار لإحداث الجوع وكَلَبِه وغَثاهُ.

والفطرة السليمة نفسها تُهيَّ الإنسان للدين بأسلوب عجيب «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ».

هذا هو الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب حتى لا يخلو منه أحد فلا مَعْدِلَ عنه ولا محيص، وإنما هو في تجلياته ومظاهره دُربةٌ للنفس الإنسانية، تصعد به في درجات الكمال والفضائل فينبعث في روحها الشوق إلى لقاء الله تعالى، وفيضٌ من قوة اليقين تسمو به على تبعات المادة، وكل ذلك تهيئة للدين وعمله في النفس البشرية. وكيفما قلّبنا الحياة من حولنا رأينا في كل جهةٍ منها وجهاً من وجوه الإيمان وباعثاً من بواعثه وحكمةً عن فلسفته، فالمشاهير الذين يحاولون تجديد الأمم بصور ملوثة من الغرائز تطمس على الدين، والخُلُق هم الذين يرجعون بهذه الأمم من عالية الأمور إلى الحيوائية لأنه ليس في طبيعة النفس إلا شيئان هوىً هي دائماً أعظم منه وإيمان هو دائماً أعظم منها، وما هؤلاء إلا واحد من خمسة يصح أن يُطلق عليهم (طُفيليات)، وهي كائنات صغيرة تعيش وتتغذى في كائن آخر أو عليه وغالباً ما تسبب ضرراً للكائن الحي المضيف، وهي موجودة في البشر والحيوانات والنبات... فلا ثقة لي بمتخلف لا دين له فإن تخلفه يصله بحظ نفسه أكثر مما يصله بواجبات الناس، ولا ثقة لي بفيلسوف ملحد الذي امتزجت فلسفته بالمادة أكثر مما تمزجه بمعاناة الإنسانية!

ولا ثقة لي بمصلح ينسلخ من الدين لأن إصلاحَه صُورٌ من غروره، ولا ثقة لي بسياسي جاحد لخيرات وطنه... ولا بمحلل مخضرم كان يهدد بعظائم الأمور ويتوعد الجماهير بالويل والثبور إن لم يسمعوا كلامه... فإذا بالحقائق اليوم تكشف عكس ما كان يقول! أولئك لا يدرون أنهم من هذا العالم في حدود أغراضهم الصغيرة الفانية!

إذا كان كل واحد منهم يتناول الحياة من حيث يحب هو لا من حيث ما يحب عليه! ثم يفهم الأشياء في جزء منها لا في مجموعها، وما أشبه هؤلاء بالأشجار في المقابر، لا تجد لها في المقبرة ما تجد لها في الحديقة.