خواطر صعلوك

متلازمة «الصحّاف»... من شاشة التلفزيون إلى شاشات الهواتف!

تصغير
تكبير

في ربيع عام 2003، وبينما كانت بغداد تحترق وتتهاوى تحت القصف، تسمّر العالم العربي أمام شاشات التلفاز ليتابع ظاهرة إعلامية ونفسية فريدة من نوعها، تجسدت في شخص وزير الإعلام العراقي آنذاك، محمد سعيد الصحّاف.

كان الرجل يقف بكامل أناقته العسكرية، وبثقة استثنائية يحسده عليها كبار أطباء الجراحة، ليوزع الابتسامات الساخرة والشتائم المبتكرة. كان يقسم بأغلظ الأيمان أن «العلوج» ينتحرون على أسوار بغداد، وأن قوات الغزو تُباد في المطار، بينما كانت الدبابات الأميركية تتجول فعلياً في الشوارع الخلفية لمبنى وزارة الإعلام الذي يقف أمامه!

لم يكن الصحّاف مجرد وزير يكذب لصالح نظامه، بل كان «حالة دراسية» في فن إنكار الواقع. لقد ابتكر مدرسة إعلامية تعتمد على بيع الوهم المغلف باللغة الرنانة، وتحويل الهزائم الساحقة إلى انتصارات صوتية. كان يكذب بصدق مرعب، لدرجة أن بعضنا –من فرط اليأس– كاد أن يصدقه ويكذب عينيه.

سقط النظام، واختفى الصحّاف الأصلي، وظننا أن هذه المدرسة الإعلامية البائسة قد دُفنت معه تحت أنقاض نظام صدام. ولكننا كنا مخطئين ومفرطين في التفاؤل؛ فبعد أكثر من عشرين عاماً، جاءت السوشيال ميديا لتمنح هذه الظاهرة «قُبلة الحياة»، ولتثبت لنا أن «الصحّافية» ليست منصباً حكومياً، بل هي «عقلية» قابلة للاستنساخ.

بفضل منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد لدينا وزير إعلام واحد يبيعنا الوهم، بل أصبح لدينا مئة ألف «صحّاف» موزعين على تويتر، وتيك توك، وفيسبوك. هؤلاء ليسوا بالضرورة من أيتام نظام صدام ولا من أحفاده، بل هم ورثة «الذهنية» ذاتها... ذهنية الهذيان والإنكار، التي «تهرف بما لا تعرف».

تراهم اليوم يخرجون في بثوث حية وتغريدات غاضبة، يحللون الحروب، ويوجهون الجيوش، ويعلنون الانتصارات الوهمية من غرف نومهم. يمارسون الصلف نفسه، والثقة المفرطة ذاتها في تمرير الأكاذيب، ويهاجمون كل صوت عقلاني يحاول أن يوقظهم من غيبوبتهم الأيديولوجية. وفي خضم الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وجه هؤلاء «الصحّافون الجدد» بوصلة هذيانهم نحو دول الخليج، محاولين تسويق انتصارات وهمية لمحورهم على حساب استقرارنا وأمننا.

ولكن، وسط هذا الضجيج المفتعل، وغبار الجحود الذي أثاره بعض «الصحّافيين الجدد» ضد الخليج، كان لابد أن تنجلي الغمة عن مشهد آخر يبعث على الاحترام ويستوجب التوقف للتقدير.

ففي خضم هذه الحرب وهذه الأزمة الكاشفة، برزت أصوات شريفة ومواقف نبيلة من إخوة كرام من «الوافدين» والمقيمين، الذين يعيشون بيننا أو غادرونا وبقيت قلوبهم هنا.

هؤلاء الرجال الأحرار وقفوا بشجاعة بجانب «الحق الخليجي»، وتصدوا لآلة الكذب والتخوين. لم تأخذهم الموجة العاطفية الغوغائية، ولم ينجرفوا خلف شعارات المنصات، بل رعوا حق «العيش والملح»، ولم ينكروا أو يجحدوا فضل الأوطان التي فتحت لهم أبوابها وشاركتهم أرزاقها.

لقد أثبت هؤلاء الإخوة أن الأوطان تُبنى بالشرفاء، وأن الانتماء ليس مجرد جواز سفر، بل هو مروءة ووفاء. لقد دافعوا عن استقرار الخليج كأنه استقرار لبيوتهم، وردوا كيد «صحّافي» السوشيال ميديا في نحورهم، مؤكدين لنا القاعدة الذهبية التي لا تخيب: الأزمات والحروب هي «الفرن» الذي تُصهر فيه المعادن، فلا يطفو على السطح إلا الزبد، ولا يبقى في الأرض إلا الذهب الخالص ومعادن الأحرار والرجال.

لكم منا، نحن أبناء الخليج، كل الشكر والامتنان... لمن حفظ الود، وصان العهد، وقال كلمة الحق في زمن كثر فيه المصفقون للباطل.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي