أصبح معلوماً صدور قرار إلغاء قانون العنف الأسري رقم (16) لسنة 2020، واستبداله بإطار تشريعي جديد أكثر إنسانية، يواكب مستوى الوعي والنضج والثقافة التي بلغتها المجتمعات اليوم، بفضل الله. ويعكس هذا التحوّل توجهاً واضحاً نحو عدم التساهل مع العنف بجميع صوره وأشكاله سواء كان عنفاً جسدياً يترك أثره على الجسد، أو ذاك الأذى الأعمق الذي يستقر في الروح، ندوباً قد لا يمحوها الزمن بسهولة.
فالعنف لا يُنتج إلا عنفاً، حتى وإن تزيّن بغطاء «التربية» أو «تقويم السلوك». فلا يُبرَّر للوالد أو الزوج – أو غيرهما – أن يمارس ما نشأ عليه، أو أن يُفرغ نزعاته القاسية على من هم أضعف منه، تحت أي مسمى أو ذريعة فالتربية الحقة، وحسن التقويم، بريئان من كل ذلك... وشتّان بين هذا وذاك.
وقد اتسع نطاق القانون ليشمل العنف النفسي، والذي – برأيي الشخصي – لا يقل خطورة عن العنف الجسدي، بل قد يكون أشد أثراً في الصورة الكبرى. فالتنمر، والإهانة، والتحقير، والتهديد، جميعها صور لم يعد القانون يتساهل معها، ولا مع درجاتها المتصاعدة، خصوصاً إذا صدرت من الأقرب، ممن يُفترض أن يكونوا الداعم الأول.
وشمل القانون كذلك العنف الجنسي، ذلك المسكوت عنه طويلاً، والذي يحدث غالباً خلف الأبواب المغلقة، والنساء – لكونهن الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الانتهاك – كثيراً ما يلذن بالصمت خوفاً أو حرجاً، وأنا هنا لا ألومهن غير أن هذا الصمت قد يخلق ضحايا جدداً للمعتدين أنفسهم. ولحسن الحظ، لم تعد النساء اليوم يرثن هذا الصمت كما كان، بل أدركن أن لا شيء يبرر الاعتداء، فحتى لو افترضنا جدلاً وجود خطأ ما، فإن إثم الجاني أعظم وأثقل، والوقوف في وجهه لم يعد خياراً صعباً كما كان، خصوصاً مع وجود قانون يردع ويُحاسب؛ فالقانون، في جوهره، يُربي ويردع، وهذه فلسفته الأولى.
ولم يغفل القانون الجانب المالي، بطبيعة الحال فالمال عصب الحياة وصمام أمانها، فجعل للاستيلاء عليه أو التحكم به تحت أي سطوة أدبية أو أسرية حدوداً واضحة ورادعة.
أما سبل الحماية التي نظمها القانون على وجه الإيجاز، فتتمثل في إبعاد المعتدي عن مسكن الأسرة، ومنعه من التواصل أو التعرض، وإلزامه بتكاليف العلاج والنفقة وغيرها، إضافة إلى توفير الحماية عند الحاجة، مع ضمان السرية التامة للضحايا.
أما الرد على منتقدي القانون، ممن يتخوفون من سوء استعماله، فأقول لهم: إن السلبيات والإيجابيات موجودة في كل شيء بطبيعة الحال، غير أن العبرة بكثرة الإيجابيات ورجحانها. فبأي منطق تُبنى هذه التعميمات المحدودة؟ ومن الانتقادات التي طالت القانون وواجهتها شخصياً من بعض الزملاء والزميلات على إثر تأييدي له، مع احترامي لهم ، أنه قد يُستغل بطرق كيدية منحرفة، متناسين أن عقوبة البلاغ الكاذب هي الحبس مدة سنتين وغرامة تصل إلى 3000 دينار كويتي، وبلا شك فإن وسائل التحقق والتثبت ستكون حاضرة لدى الجهات المختصة، وفق ضوابط قانونية
لا تقبل المجاملة كما كان في ظل القانون السابق، حيث كان البعض يطمس الحقيقة أو يخفيها بحجة أنها «أمور عائلية خاصة»، أو بدافع معرفة أو علاقة سابقة مع الجاني، فيُشهد له بما لا يستحق، فكيف لا وهو «الكفو ابن الكفو »!
ختاماً، فإنّ كلّ مربٍّ ومربية يخافون الله في أنفسهم وأهاليهم وأبنائهم، لن يخشوا هذا القانون، لأنهم واثقون بتربيتهم وحسن رعايتهم، وعلى يقين بأن العنف لا يولد إلا العنف.
والقانون، حين يمنح الضعيف فرصة الدفاع عن نفسه وحقه، ويوفر له الحماية، يُعيد إلى المجتمع اتزانه وعدالته الحقة.