(الوطنُ هو العطاء)، هذا ليس شعاراً يُكتب في علم أو يُنشر تحت شعار دولة، بل هو حقيقة إنسانية قديمة، إنها قيمة عظيمة مازالت قائمة على اﻷرض.
في كل مناسبة وطنية أو تغيير تشريعي أو حكومي لا بد للجميع أن يُذكّروا أصحاب المسؤولية الجُدد بأن يرحموا الوطن ويراعوا الله فيه، فالوطن ليس منصباً يُمنح أو تزكية من جزء من الشعب، الوطن ليس انتماءً لأسرة أو قبيلة أو طائفة، فكم من فقير لا يُشفّع كان مفيداً للوطن أكثر من أناس حملوا أسماءً ورتباً.
نحن اليوم أمام واقع نحاول أن نتجاهله، واقعٌ تُمليه علينا أحداث قديمة جديدة، فمنذ أن تفجّرت نعمة البترول من تحت أقدامنا، وفاض الرزق بين أيدينا، بدأت بعض النفوس بإخراج أسوأ ما فيها، وبدأ الصراعُ على النفوذ للسيطرة على منابع الإنفاق، وتطوّر الصراع ليصبح خلافاً سياسياً قسّم البلاد واستقطب الأعوان، وفي خِضّم الصراع القاسي نسي الكثيرون أنهم جميعاً من رَحِمٍ واحدٍ، رَحِمِ الوطن، وأنهم عاشوا تاريخاً مشتركاً وشربوا من ثقافةٍ واحدةٍ، غفلةٌ طالت مُدّتها وصراع ولّد صراعات، وصَنَعَ هذا الخلاف أنصاراً ومرتزقة وطُلّاب فِتنةٍ حتى أصبح الخلاف سهماً مُنطلقاً باتجاه قلب الكويت.
وبين كل تلك الصراعات تظهر الكويت كأمٍ حنون تُناشد أبناءها أن يعودوا كما كان أجدادهم، يديرون كل خلاف بأسلوب الأخوّة والتغاضي والتفاهم، وأن يَعْذُرَ بعضهم بعضاً في ما اختلفوا فيه وأن يكون القانون مسطرتهم والحكمة غايتهم.
أن يعودوا متقاربين مع بعضهم، يتعاونوا مهما تباعدت بهم الرؤية واختلاف الرأي، يتعاونوا من أجل الكويت.
وحتى نلامس الواقع، يبقى الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان، فمن أهل الكويت من قسا على الكويت واستبدل بها - في قلبه - مالاً أو سلطة، أزال حبَّ الكويت من داخله فأصبح أكثر إيذاءً للكويت من أعدائها. هؤلاء لن يختفوا من حياتنا فهم جزء من الحياة في كل زمان، هؤلاء لن ينجحوا أو يعلو ما دام الشعب واعياً وما دامت القلوب مليئة بحب الوطن.
الوطن ليس ورقةً تُمنح، إنه تاريخ وثقافة، إنه (يامال وعرضة) وليال وأحلام، هناك مَنْ يظن أنه إذا أخرج الكويت من صدره واشترك في مؤامرة إسقاطها بالفساد والرشوة فإنه سينتصر في صراع القُوى، إنه لا يدري أنّ الوطن داخل أنفاسه وأنه حين ينشر الفساد، أو يُشجّع عليه فإنه يكتم أنفاسه ويقتل ذاته.
إن الكويت قيمةٌ لا يكفيها مداد أوراق الدنيا بما رحُبت، الكويت اليوم تعرف أبناءها، فمَنْ مسح يوماً عرقه من أجلها أو مَنْ أنار شمعة في دربها أو مَنْ أخلص في عمله ليرفع شأنها فهو ابنها، نعرفه نحن ويعرفنا، أمّا مَنْ لا يرى فيها سوى بقرة حلوب، يحيا داخلها منتظراً جفاف ضرعها ليَفّر منها، لا يحترم قوانينها ولا يسعى لعلوّها ومجدها فهو ليس ابنها، نعرفه نحن ويعرفنا.
الكويت، أيها السادة، تعرف أبناءها، تبخصُهم، كما تعرف المدّعين وتبخصهم، تعرفنا جميعاً، لن تحتاج منا إلى إثبات ولن تطلب منا شهوداً، بنات الكويت وأبناؤها هم كلُّ مَنْ أحبّ الكويت، حُبّ عمل وإخلاص لا حُبّ أغان وأناشيد، إنهم الذين لا يتوقفون عن العطاء مهما ضاق بهم الطريق، يؤمنون بالكويت الباقية، بكويت التاريخ والعطاء هؤلاء هم الكويتيون وهم أهل الكويت، هؤلاء لا يحتاجون تزكيةً أو أن يختارهم أحد، فالكويت تعرفهم وتحبهم فهنيئاً لهم حبّ الكويت.