قراءة في مقال محمد جواد ظريف

تصغير
تكبير

ما طرحه وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، في مقاله المنشور في مجلة «Foreign Affairs» ربما جاء في هذا التوقيت كبالون اختبار لرد فعل الأطراف المعنية الأخرى وخاصة الطرف الأميركي، وقد يكون ما جاء فيها من بنود مقترحة أرضية للخروج من الجمود في المفاوضات بين الطرفين الأميركى والإيراني... مهما كانت صدقية ومصداقية مقالته ودرجة تأييدها من متخذي القرار في النظام الايراني فالحقيقة الواضحة هي أننا من أكثر المطالبين للوصول إلى اتفاق ينهي هذه الحرب المدمرة - إلا أن أي ترتيبات آتية لا بد أن تأخذ في المقام الأول العمق الإقليمي وهواجسه المشروعة، خاصة في ظل السلوكيات التي مارسها ومازال النظام في إيران تجاه دول الجوار، وبالتالي فإن أي مقاربة واقعية للأمن الإقليمي لا يمكن أن تتجاهل حقيقة تراكمات عميقة من عدم الثقة بين إيران ودول الجوار.

هذه الفجوة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات وسلوكيات على الأرض، سواء في ما يتعلق بالتدخلات غير المباشرة أو دعم أذرع إقليمية مازالت تثير قلقاً مشروعاً لدى العديد من الدول العربية.

فالحديث عن ترتيبات أمنية جماعية أو شراكات إقليمية يظل مرهوناً بخطوات ملموسة تُعيد بناء الثقة، تبدأ باحترام سيادة الدول، ووقف أي أنشطة تُفسَّر على أنها تدخل في الشؤون الداخلية. كما أن معالجة ملف الأذرع المرتبطة بإيران في المنطقة يُعد عنصراً أساسياً لا يمكن تجاوزه إذا كان الهدف هو استقرار حقيقي ومستدام.

أشار السيد ظريف، إلى وقف القتال وضمان الملاحة مقابل رفع العقوبات(!)، وهنا أشير إلى أن أحد أبرز أسباب التوتر في المنطقة هو سلوكيات مرتبطة بتهديد الملاحة أو استخدامها كورقة ضغط من قبل إيران، وهي تعلم تماماً بأن المضائق الدولية تخضع للقانون الدولي، بمعنى أنها لا يجب أن تبقى ورقة ضغط للدول المتشاطئة ولا يمكن أن تستخدم كورقة تفاوض، أما بخصوص الضمانات فالمطلوب بشكل لا يقبل مجالاً للشك هو إثبات عملي ومستمر لعدم استخدام الممرات الحيوية كأداة سياسية. كما أن ربط أمن الطاقة العالمي برفع العقوبات دون معالجة أسبابها الجوهرية فهو مطلب بمثابة الهروب إلى الأمام، فالعقوبات جاءت لأسباب ولا بد من أن تتلاشى إذا ما كانت إيران جادة في هذا الجانب.

في شأن مقترح تحويل البرنامج النووي الإيراني الفردي إلى مشروع إقليمي مشترك لكل دول المنطقة تحت إشراف دولي لضمان سلميته ومنع أي دولة من السعي لامتلاك السلاح النووي(؟) المقترح يبدو إيجابياً من حيث المبدأ، لكنه يتجاهل واقعاً أساسياً وهو أنه لا يمكن بناء مشروع نووي إقليمي مشترك في ظل انعدام الثقة وتباين السلوكيات. قبل الحديث عن شراكة، المطلوب أولاً التزام واضح وموثوق من إيران بسياسات شفافة واحترام سيادة الدول ووقف أي أنشطة تثير القلق في محيطها. من دون ذلك سيبقى المشروع نظرياً بل وقد يُنظر إليه كأداة لإعادة تشكيل النفوذ بدلاً من ضمان السلمية.

يطرح السيد ظريف، مبدأ الأمن الإقليمي دون الاعتماد على الخارج، هذا الطرح جميل في ظاهره لكنّ صعب تحقيقه في ظل اختلال التوازن وانعدام الثقة. لا يمكن لدول الجوار أن تتخلى عن شراكاتها الأمنية بينما لاتزال تواجه تهديدات غير تقليدية، سواء عبر أذرع مسلحة أو تدخلات غير مباشرة. أي نظام أمني إقليمي يجب أن يُبنى أولاً على التزام واضح بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ورفع الدعم عن الوكلاء الإقليميين، والتخلي تماماً عن فكر الثورة وتصدير مشروعها عبر الحدود والتحول إلى فكر الدول الطبيعية التي تولي الأمن والسلام والاستقرار والتعاون الإيجابي مع دول الجوار لمصلحة شعوب المنطقة.

أمّا ما يتصل بالطرح الاقتصادي فهو مهم جداًّ وهدف منشود للجميع، ونحن مَنْ طالبنا إيران به مراراً وتكراراً لكن سلوكياتها هي مَنْ حالت دون هذا التعاون، وبالتالي فالاستثمار لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة جذور الأزمة. فلا يمكن بناء شراكات اقتصادية مستدامة في بيئة سياسية غير مستقرة أو في ظل سياسات توسعية.

وأخيراً، يتحدث عن معاهدة عدم اعتداء دائمة مع الولايات المتحدة الأميركية... نتمنى ألا تشهد منطقتنا أي حروب جديدة ومن حق السيد ظريف، طرح مثل هذا المطلب على الجانب الأميركي وبالمقابل من حقنا أن نقول له لا يمكن أن تكون هذه المعاهدة على حساب أمن وسيادة دول الجوار، ويعلم أيضاً بأن أي معاهدة من هذا النوع تحتاج إلى أرضية من الثقة المتبادلة، وهذه الثقة لا تُبنى عبر الاتفاقات فقط بل عبر تغيير فعلي في السلوك. فالتجارب السابقة تُظهر أن الاتفاقات دون ضمانات تنفيذ واضحة وسلوك متسق تبقى هشة وقابلة للانهيار.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي