«وقل رب زدني علما»
أخي العزيز...
نحن كبشر خلقنا الله متفاوتين في القدرات والإمكانات والطباع وغيرها، فكل له من هذه الصفات وغيرها نصيب، وكذلك في شتى النواحي الأدبية والمادية والعلمية والثقافية، وفي كل نواحي الحياة المختلفة نشرها الله سبحانه وتعالى بين البشر لكي يخدم بعضنا بعضاً فتكتمل منظومة الحياة ويسير الركب بهدوء واطمئنان في درب الحياة الصعب المليء بالتحديات والمتاعب وغيرها.
قدرات قد تكون عند فلان أكثر من فلان وذلك لاختبارنا كيف نتصرف، وفي هذا المعنى ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: «وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنة أتصبرون»، ومعنى هذا أن كل واحد منا مختبر بصاحبه، فالغني مختبر بالفقير وعليه أن يواسيه لا أن يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني وعليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه وأن يصبر كــل منهما على الحق، كما قال الضّحاك تعني «أتصبرون» أي على الحق، فالأعمى يقول: لم أجعل كالبصير، وهكذا صاحب كل آفة...
ومن هنا نشأ الحسد وهو آفة سيئة إذا انتشرت في المجتمع أهلكته...
هناك حاسد ومحسود، أما الحاسد فهو الذي يتمنى زوال النعمة عن غير الصديق أو أخ أو زميل في العمل أو حتى من لا يعرفه ويسمع عنه فقط أنه يملك نعمة ما كالمال أو المنصب أو الوظيفة أو الجاه أو غيرها من الأمور التي تورث الحسد.
وهناك أمر آخر، وهو تمني زوال النعمة ولو لم تنتقل إليه، كما أن هناك مرحلة ثالثة وهي تمني زوال النعمة وهو يتمناها لنفسه على صاحبه من نقمة إلى يوم القيامة...
كل هذا من جراء الحسد كفانا الله وإياكم شره.
أما المحسود فغالباً لا يعرف أنه محسود إلا إذا اصيب بالعين، فتلك حال متقدمة في الحسد، أما اذا لم يصب بالعين فهو لا يدري وهو ماض في طريقه ولا يبالي، بينما الحاسد يحترق من الغل والحسد، وذاك مطمئن وسائر في دربه ينمي تجارته ويحفظ مركزه وينعم بما كتبه الله له.
لِمَ الحسد يا أخي؟
فالله تعالى يعطي المال للعبد وقد يحرمه من شيء آخر من الأولاد أو الصحة مثلاً وهكذا... ويقال إن هناك خمس عقوبات للحاسد، ففي الدنيا له هي هم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يحمد عليها، ويغلق عنه باب التوفيق... هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالله حسيبه...
هناك شيء آخر غير الحسد وهي (الغبطة) وهي ولو عرف الحاسد أن النعمة التي أنعم الله بها على فلان اختبار له في الدنيا، فربما نجح وربما سقط وقليل هم الناجحون، لأن الفتن تظهر ما في نفوس البشر من خير أو شر والقلة من الناس التي تنجو وأول حالة حسد ومعها أول جريمة قتل حدثت في تاريخ البشرية كانت بين ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل، وهي قصة معروفة في القرآن الكريم، حيث إن قابيل وهابيل قدّما قربانا إلى الله سبحانه وتعالى فتقبّل الله من هابيل لصدقه وإخلاصه ولم يتقبل من قابيل لسوء نـيـتـه وعدم تقواه، فحسد قابيل هابيل وقتله.
هل تعرفون نتيجة هذا القتل وهو أول قتل في التاريخ البشري أن من يقتل من الناس منذ ذلك التاريخ وحتى يوم القيامة على قابيل كفل منه، فتصور معي ذلك الإثم، أما الصفة المحمودة هنا، فهي أن يتمنّى المرء لنفسه ما يتمناه لغيره...
كفانا الله وإياكم شرّ الحاسدين والحاقدين.