أثناء الأزمة السياسية بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، وصحيفة «واشنطن بوست»‏ بسبب الحرب في فيتنام، تمكنت الواشنطن بوست عام 1971، من الكشف من خلال سلسلة تقارير خاصة عن محتوى ما سميت «الأوراق السرية للبنتاغون»، وهي دراسة أعدتها وزارة الدفاع الأميركية في شأن العلاقة بين الولايات المتحدة وفيتنام بين عامي 1945 و1967، وقد تعرضت الصحيفة أثناءها لضغوط عديدة لوقف النشر وبعد نظر الخلاف في المحكمة العليا صرّح أحد القضاة في تلك المحكمة قائلاً: إن حرية الصحافة عملت لخدمة المحكومين وليس لخدمة الحاكمين.

هذه هي الصحافة التي تخدم الوطن، صحافة تؤمن بالحرية المسؤولة التي تراعي الشعب ولا تتردد في خدمته، هذا النوع من الصحافة نفتقده بشدة في دولنا العربية ومنها الكويت، عشرات من السرقات الكبيرة للمال العام تمّت في الكويت ضاع بها حقوق الشعب ولم تقم الصحافة لدينا في التحقيق بها وكشف أسرارها أمام الشعب، بل إن هناك صحفاً تستّرت على سراق المال العام، بل وفتحت أبوابها لهم ليتملكوها ويُمسكوا بزمام الحرية فيها.

أحياناً تكون صحافتنا عوناً للسارق؛ وحرباً على أعدائهم، وإني ما زلت أذكر موقف صحيفة أو اثنتين، موقفهما من لجنة تدقيق شاركتُ بها أنا شخصياً في وزارة الصحة لكشف سرقات أجهزة، وإذا بتلك الصُحف تُهاجم أعضاء اللجنة الشرفاء لحساب السارقين.

الصحافةُ الحُرّة لا يجب أن تكون ملكاً لمجموعة محدودة من الأشخاص إلا إذا نزّه هؤلاء الأشخاص أنفسهم عن تداخل المصالح، الصحافةُ الحُرّة تعني سلطة رابعة تهدف إلى كشف الغطاء عن الفساد لمحاربة الفاسدين وليس إلباس الشرفاء التُهم من أجل التهديد والتخويف، صحافتنا جعلت الجميع يخاف من الحرية لأنه في النهاية قد يكون ضحية الافتراء والتدليس.

الثقة بالصحف لا بد أن تعود مرة أخرى، لا بد أن تُمارس الصحف السلطة الرابعة، إذاً لا بد من عودة باب التحقيقات الصحافية التي تتعامل مع جمع المعلومة بنزاهة وحرفية، ولا بد أن يقف القانون مع تلك الصحافة التي كفل الدستور لها الحرية.

الصحافةُ النزيهة هي التي تبتعد عن تبنّي الإشاعات ولا تخضع لسطوة المصالح ولا رغبة الانتقام، الصحافةُ الحُرّة تُشبع حاجة الشعب الذي يبحث عن الحقيقة بين تغريدات الأسماء الوهمية وأكاذيب المُرتزقة في وسائل التواصل الاجتماعي، الصحافةُ الحُرّة تكون سنداً للمخلصين من أعضاء مجلس الأمة، تكون أعينهم وأسماعهم التي يرون ويسمعون بها الحقيقة، الصحافةُ الحُرّة حاجةٌ ديموقراطيةٌ مُلحّة نتمنى أن نراها في الكويت.