الأرقام التي كشفتها ورشة التدخين والإدمان، مقلقة جداً، الورشة نظمّها الاتحاد العربي للوقاية من الإدمان أول هذا الأسبوع، وكشف المتحدثون فيها عن المأساة الخطيرة التي تعصف بالعالم بسبب التدخين، فهناك كل خمس دقائق حالة وفاة بسبب التدخين وما ينجم عنه من أمراض، وهناك خطرُ مضاعفة الوفيات من خمسة ملايين إنسان قبل سنوات عدة إلى عشرة ملايين إنسان يفقدون حياتهم بسبب هذه الآفة بحلول عام 2030.

إن مأساة التدخين تضاعفت بسبب إقبال الشباب والفتيات عليها بل إن أحد الباحثين اعتبرها الخطوة الأولى للولوج إلى عالم المخدرات المُهلك...

دول عربية وبسبب الأزمات الاقتصادية ترعى التدخين وتُصنّعه، وتجّار لدينا يُبدعون في ترغيب الناس بالتدخين، هذا هو السبب الذي جعل الهُوّة بين الدول الغنية والدول الفقيرة تزداد في أرقام مدمني التدخين، وأيضاً المخدرات، فبينما العالم الواعي يحاصر التدخين من كل جانب للمحافظة على شبابه، وأيضاً من أجل التوفير في الإنفاق الصحي الضخم، تجد العكس في العالم النامي، الحكومات تملك مصانع التدخين وتشجّع الناس على التدخين بجعل أسعاره في متناول الصغار، كل ذلك لاعتقاد وهمي أن هذا يحقق مصدر دخل للدولة، بينما لغة الأرقام تكشف بوضوح أن ما تخسرهُ الدولة من أرواح، وفي الإنتاج العام، وما تُنفقه على الأمراض الكثيرة التي يُسببّها التدخين ليس فقط يمحو أرقام أرباح بيع التدخين إنما يستهلكُ جزءاً من التنمية التي تجعل تلك الدول محلك سرّ فيها.

لقد كان المتحدثون في تلك الورشة يُعبّرون عن ألمٍ واضحٍ، وحسرةٍ كبيرة عن هزيمة التوعية في بلادنا العربية تجاه التدخين فالحربُ بين التوعية ضد التدخين والترويج له حربٌ غير متكافئة تماماً.

المروّجون للتدخين في بلادنا هم عادة من كبار التجار وينفقون مبالغ ضخمة للترويج له، ويبتدعون أساليب تقفز فوق قوانين الحظر، أما المقابل فهناك جمعيات نفع عام ووزارات فيها أقسام تعمل بميزانيات لا تعادل ربح ساعة من أرباح شركات التبغ، كما أنّ القوة البشرية التي توافرها شركات التبغ، أو تجار التدخين من أجل دعم انتشاره، تلك القوة البشرية يتفوق عددها بعشرات المرات على القوة البشرية التي تسعى للتوعية من أضرار التدخين، وفي مثل هذا التوازنات يربح عادة الأقوى بغض النظر عن النوايا، لهذا يزداد المدخنون، ويزداد المدمنون وتزداد الخسائر ونستمر في بقائنا بالدول النامية.

آفة التدخين أخطر من «كورونا»، وتحمل عشرين في المئة من إصابات السرطان وربما أكثر من أمراض القلب والشرايين السبب الأول في الوفيات في الكويت... أرقام مخيفة يُقابلها اهتمام محدود وضعيف.

أولى الخطوات الصحيحة من أجل إنجاح التوعية ضد التدخين هي في إيمان أصحاب القرار لدينا بأهمية تلك الحرب، ثانياً لا بد أن ترتفع ضرائب التبغ بنسب عالية أسوةٌ بدول العالم المتقدم، وألا تذهب تلك الأموال لخزينة وزارة المالية بل تُحوّل إلى وزارة الصحة ووزارة الشؤون من أجل إعطاء القوة لبرامج التوعية ضد التدخين... الأموال سوف تُوفر القوة البشرية، والإبداع في الدراسات والاستراتيجيات التي ستساهم بشكل فاعل في نجاح حملات التصدي للتدخين وستنعكس إيجاباً على قضايا الإدمان.

الحل ليس صعباً ونحن في الكويت ندور حوله منذ عقود طويلة، نتمنى أن يكون لتلك النداءات التي انطلقت من تلك الورشة، نتمنى أن يكون لها أثر إيجابي ومختلف هذه المرة.