(التاريخ يُعلّم ولكن ليس له تلاميذ)، عبارة قالها الفيلسوف الماركسي، أنطونيو غرامشي، ولأن التاريخ أستاذٌ لا يورّث علمهُ لأحد، كان علينا أن نتعلّم منه، نتعلّم منه دون أن نحاول أن نصبح تلاميذاً له، تلاميذ كاذبون يبرّرون حركة التاريخ.

هذه حقيقة ضائعة ككثير من حقائق الحياة، وما زال بعض المفكرين هنا وهناك يجتهدون في تبرير دروس التاريخ، يبرّرونها وكأنهم ورثوا منه صكوك الغفران.

عندما ارتقت ألمانيا إلى أوج حضارتها وتمكنّت من توحيد الأمة تحت راية النازية، تلك النازية التي اعتمدت التمييز ونشر الفتن، عندها ظنّ بعض قادة الفكر أننا وصلنا إلى نهاية التاريخ، تبخّر الحلم في سنوات قليلة، وانهارت تلك الحضارة بل وانتقلت عناصرها إلى يد أعدائها إمعاناً في الإذلال.

كان هذا من أكبر دروس التاريخ التي ما زالت الأمم تتغافل عنه.

إننا نقرأ التاريخ وعلينا أن نتعلّم منه، ولعل أهم دروس التاريخ كانت دائماً موجهة للقادة، فهم مفتاح النصر وهم أيضاً مفتاح الفشل، إنك أيها القائد ومهما كان موقعك لن تنجح في إدارة الناس بالقوة، ولن تنجح في إدارتهم بنشر الفتن بينهم، لا لن تنجح.

كل النظريات التي تبناها وطبقها القادة منذ ميكافيلي وأفكاره المشؤومة، (دراسة أعدها الايطالي، نيكولو ميكافيلي- Niccolò Machiavelli)، عام 1513 ونشرت بعد وفاته عام 1532 وحملت اسم كتاب (ill principe)، كل تلك النظريات أثبتت فشلها في قيادة الأفراد نحو الأفضل ونحو الرُقيّ.

إذا كنت مسؤولاً عن مجموعة من الأفراد كَثُرَ عددُهم أو قلّ فلا تحاول أن تسودهم بنشر الفرقة بينهم، إنه وهم كبير لن تجني من ورائه إلا الفشل، حتى ما تراه من خضوع لدى من هم تحت قيادتك فمرّدُه إلى روح السلبية واللامبالاة وليس إلى نجاح سياسة فَرّق تَسُدْ.

للأسف تتساهل بعض القيادات في حكوماتنا في التعامل مع ثالوث الشر، الظلم والتمييز والتسلُط، والنتيجة زيادة الصراعات وقلة الإنتاج وتوقف الإبداع.

إننا اليوم نحتاج إلى قياديين سبّاقين في نشر روح التعاون والمساواة والإبداع، هؤلاء هم القادرون على تحقيق قيم العمل المُنتج الذي تحتاج إليها أُمتنا.

كل فشل في الإدارة مردُّه بالدرجة الأولى إلى نقص القيم، ومهما تعلّمنا وتدرّبنا من أساليب في الإدارة وتقنياتها فلن ننجح في التطوير إذا لم نتوقف عن ممارسة صناعة المجاميع ونشر الفتن والتمييز.

القائد الناجح هو الذي ينشر روح الحب ولا يستند إلا على القانون فهو مسطرته وهو، أي القانون، عصاه التي يؤدب بها، القيادي الناجح لا يعطي فرصة لأصحاب الفتن والمتسلّقين ليحصدوا ثمرة الناجحين، تجد القيادي الناجح يحب المجتهدين ويُشجّع المبدعين، ويُعطي كل ذي حق حقّه وفق قيم الإدارة الناجحة.

يظن البعضُ أن من يفعل ذلك فسوف يتم خلعه بأقرب فرصة، قد يحدث ذلك، نعم قد يحدث ذلك، ولكن ما أنجزه ذلك المُصلح، مهما كان قليلاً، هو أنفع للأمة من ناشري الفتن ومدمني السُلطة الذين ما زادونا إلّا خَبالاً.

في النهاية سيذهب القادة ويبقى التاريخ ليروي لنا قصة النجاح وقصة الفشل، قصص أممٍ أراد قادتها أن يقفزوا فوق حكم التاريخ فطحنتهم الأيام، وقادة استوعبوا دروس التاريخ فبنوا لأمتهم مجداً يفتخرون به، هذا هو الفرق.