سياسة التضييق التصاعدي على «البدون» بدأت في سنة 1986، وفق ما سربته جريدة الطليعة في عام 2003. وهذه السياسة تم تطبيقها برعاية برلمانية وفق ما صرح به أكثر من نائب وشخصية عامة مطلعة، ومن بينهم النائب السابق الدكتور عبدالمحسن جمال، حيث صرّح في أكثر من لقاء متلفز، أن سبعة نوّاب فقط وافقوا على مقترح تجنيس «البدون» من أصل 45 حضروا اللقاء الذي جمعهم بعد التحرير مع سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء آنذاك المغفور له الشيخ سعد العبدالله.

معارضو تجنيس «الكويتيين البدون» كثر، منهم من يجاهر في معارضته ومنهم من يخفيها ومنهم من يستثمر سياسياً فيها ويحرص على استدامتها. ولا أشير هنا فقط إلى المستثمرين الذين حرّضوا البدون على التظاهر إبان حراك الربيع العربي، بل أيضا الذين يجنّدون بعض النشطاء «البدون» لغايات ومصالح انتخابية من خلال تمرير المعاملات في الجهات الرسمية. هذا التوظيف الانتخابي تضاعف بعد تشريع القانون 21 لسنة 2000، الذي أجاز منح الجنسية «للكويتيين البدون» الذين تثبت إقامتهم في الكويت عام 1965وما قبله.

حيث ألحقت بالقانون سلسلة قوانين سنوية يحدد فيها السقف الأعلى السنوي لعدد الذين يجوز تجنيسهم وفق القانون المذكور. المراد أن هذا الوضع السائد منذ عام 2000 في ملف تجنيس «الكويتيين البدون» هو الوضع الأمثل بالنسبة للنوّاب المستثمرين في قضيتهم. وهذا ما أكده النائب السابق الدكتور أحمد الخطيب في مذكراته «الكويت من الدولة إلى الإمارة» حيث جاء فيها أن «كل هذه الظروف جعلت المستحقين للجنسية يدفعون ثمن هذا الوضع غير الواضح ويتعرضون للابتزاز الانتخابي من البعض».

الاستثمار في قضية «البدون» تفاقم قبحه، بعدما تم تقديم مقترحين متباينين لمعالجة قضيتهم في المجلس الحالي. حيث نجح البعض في نقلهما من قاعات التفاوض البرلماني إلى ساحات الصراع السياسي.

القدر المؤكد في قضية تجنيس «الكويتيين البدون» أن الأغلبية في جميع مجالس الأمة السابقة كانت تعارض تجنيسهم، حتى في أول مجلس بعد حرب التحرير التي شارك فيها «البدون» رغم الضغوط التي كانت تمارس من قبل دول عظمى.

لذلك تقديم اقتراحين بقانونين من قبل مجموعتين من النوّاب يشتركان في تبنّي مشروع متكامل وفق جدول زمني محدد للتعامل مع جميع حالات «البدون»، ويشتركان أيضاً في ضمان حقوقهم الأساسية وتجنيس «الكويتيين البدون» (من أقام منهم في الكويت منذ عام 1965 وما قبله)؛ يعتبر هذا التقديم في حد ذاته نقلة نوعية في مستوى تعاطي المجلس مع قضية «البدون»، رغم وجود اختلافات كبيرة في الشروط والمعايير بين المقترحين. وبالتالي كان الأولى انتهاز هذه النقلة كقاعدة لانطلاق مفاوضات برلمانية، والعمل من أجل بناء هيكل قانوني محكم وعادل لمعالجة القضية، سواء استكمل في المجلس الحالي أو المقبل.

ولكن هذه النقلة (الفرصة) مرّت مرور السحاب في سماء الصراع السياسي، لأن من كان يشتكي على مدى سنوات طويلة من تبعات التجنيس السياسي والطفرات المتوالية في أعداد الكويتيين، وأثرها على تشكيلة البرلمان ومستوى الرفاهية والرعاية الحكومية، أصبح فجأة يصر على تجنيس من تواجد في الكويت قبل الغزو (بعد عام 1965). ولأن من كان يتذمر من عجز الحكومة عن التصدّي لمخالفي قانون الإقامة وخلو قاعدة البيانات الحكومية من بيانات الكثير منهم، باغتنا بنفيه احتمال وجود دخلاء من مخالفي قانون الإقامة بين «البدون».

أتفهم آراء معدّي المقترحين ومواقف النوّاب منهما، وأتقبل كل الآراء والمواقف التي اعتبرت المقترحين مسودتين تفاوضيتين، إلا أنني أسجّل استيائي من تقويض فرص التفاوض بينهما وتفويت فرصة تجنيس «الكويتيين البدون»... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com