عشنا في الكويت ودول الخليج ظروفاً عصيبة جرّاء استهداف العدوان الإيراني الغاشم، إذ رفعت إيران في بداياتها شعاراتٍ تزعم قصر الضربات على القواعد العسكرية الأميركية التي تنطلق منها الهجمات، ثم ما لبثت هذه المزاعم أن تبدّلت، ليتسع نطاق الاستهداف إلى كل وجودٍ غربي، عسكرياً كان أم مدنياً، وفي أي موضعٍ كان، حتى في قلب المناطق المدنية، قبل أن تتصاعد وتيرة الهجمات لتطول الأهداف المدنية في عموم دول الخليج، وتمتد إلى مصادر الطاقة والمرافق الحيوية.

وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، التي نرجو أن تنقضي قريباً بإذن الله، فإن الواجب يحتم الابتعاد عن ردود الأفعال المتعجلة والانفعالات عند اتخاذ القرارات أو إصدار الأحكام على الآخرين دون تثبّت. وتشير الاخصائية النفسية الإكلينيكية البريطانية جولي سميث، إلى أن الميل لاتخاذ قرارات في لحظات الانفعال الشديد سلوك شائع، غير أنه قد يقود إلى نتائج لا تعبّر عمّا نريده على المدى البعيد؛ فالعاطفة، في نظرها، ليست دليلاً كافياً لاتخاذ قرارات مصيرية، بل هي معطى يستدعي الفهم والتحليل.

ومن غير المعقول ولا المنطقي أن تُبنى أحكامنا على الآخرين على مجرد انفعالات عابرة دون تثبّت، كما لا يجوز إسقاط تصرفات فردية على مذهب أو طائفة أو جماعة بأكملها.

لقد عاشت الكويت سنوات طويلة من التحديات التي تم تجاوزها، ولعل «بيت القرين» خير شاهدٍ على ما نقول؛ إذ جسّد مثالاً حياً لوحدة الصف في أحلك الظروف.

لقد رسم أبطال المقاومة في «بيت القرين» أروع صور التلاحم والتكاتف في سبيل الوطن، متجاوزين كل الفوارق بينهم، منصهرين في بوتقة الوطن، ومجسدين عزيمة الشباب في أبهى صورها، حيث اختلطت دماء مختلف فئات المجتمع، في مشهدٍ يجسد الوحدة الوطنية ونبذ التعصب.

ولا يخفى أن ملحمة «بيت القرين» ستظل شامخة في وجه كل من تسوّل له نفسه العبث بوحدتنا الوطنية، فهي من أجمل المعالم الوطنية وأصدقها دلالة على أرض هذا الوطن العزيز. وربما ما زلنا بحاجة إلى استيعاب أعمق لهذه الملحمة الوطنية، عبر تسليط الضوء عليها ودراسة أبعادها المختلفة، لنغرس في نفوس الأجيال قيم التسامح والانتماء. ومن هنا، نأمل من وزارة الإعلام أن تولي هذا الصرح الوطني مزيداً من الاهتمام، وأن تبرز حضوره في مختلف المناسبات، ليعرف أبناؤنا كيف دافع شباب الأمس عن وطنهم بكل بسالة.

إنّ التسرع والانفعال في تفسير الأحداث وإصدار الأحكام واستخلاص النتائج قبل التحقق يربك الذاكرة الجمعية ويشتت الرأي العام، بينما تمثل الحكمة والتروي خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات. وعلينا أن نعي أن مثل هذه الممارسات لا تزيد الوطن إلا وهناً، في حين ينبغي أن ينصب التركيز على تعزيز الصورة الوطنية وتماسك المجتمع. لقد علّمتنا الكويت منذ استقلالها أن الإشاعات والنزاعات الداخلية تضعف الدولة، وأن الوحدة الوطنية وحدها كفيلة بحماية المكتسبات.

إنّ الدفاع عن الوطن يتطلّب تضافر الجهود بين مختلف المؤسسات، لا سيما في ظل ما تبذله قواتنا المسلحة من جهود مشهودة في التصدي لصواريخ ومسيرات العدوان الإيراني الآثم؛ فالأزمات تكشف معادن الشعوب. وهذا هو وقت رفع المعنويات، وحث الجميع، صغاراً وكباراً، على الثبات والإيمان بقدرة الكويت على تجاوز التحديات، فالإصرار والعزيمة الداخلية هما السلاح الأقوى.

وليس الأمل ترفاً، بل هو طاقة تدفع نحو العمل وتمنح القدرة على الصمود؛ فبثه في نفوس المواطنين يعزّز ثباتهم أمام التهديدات، ويحوّل الخوف إلى قوة إيجابية تحمي الوطن. وقد أثبتت تجارب الكويت في أزمات سابقة، كأوقات نقص المياه أو انقطاع الكهرباء، أن الثقة والروح الإيجابية قادرتان على صناعة الاستقرار.

ويبقى الدرس الأهم أن الوطن فوق كل خلاف، وأن التنازع الداخلي يضعف الصف ويمنح أعداءه القوة.

إنّ التمسك بالوحدة واستشعار المسؤولية واجب ديني ووطني، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضاً» (رواه البخاري ومسلم). بهذا الوعي تُصان الكويت من كل خطر، ويُضمن لها دوام القوة والازدهار.

رحم الله الشهداء الذين ارتقوا دفاعاً عن وطنهم، وكل التحية والتقدير لرجال الأمن الساهرين على حمايته، وحفظ الله الكويت، وأميرها، وولي عهده الأمين، وشعبها وشعوب الخليج، من كل سوء.