تُعدّ ظاهرة «المكارثية» واحدة من أبرز التجليات التاريخية لانزلاق المجتمعات نحو الخوف الجماعي والإقصاء تحت ضغط الأزمات.
نشأت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة خلال خمسينات القرن العشرين، منسوبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي، في سياق ما عُرف بـRed Scare، حيث ساد الخوف من التغلغل الشيوعي. وقد أدت تلك المرحلة إلى حملات اتهام واسعة دون أدلة كافية، وانتهاكات لحقوق الأفراد، وإقصاء مهني واجتماعي طال سياسيين ومثقفين وفنانين، بل وترك آثاراً ممتدة على صورة الولايات المتحدة كدولة حريات.
لم تكن المكارثية مجرد لحظة تاريخية عابرة، بل نموذجاً يتكرر في أزمنة الأزمات والحروب. ففي لحظات القلق الجمعي، ومع تراجع مستوى الوعي النقدي وانتشار «الجهل المركب»، تتشكل بيئة خصبة لتضخيم الشبهات وخلط الحق بالباطل. هنا تُصاغ سرديات تقوم على «شيطنة الآخر» -سواء كان طائفة، أو تياراً، أو مجموعة اجتماعية- عبر اتهامات غير موثقة، تُلبس لبوس الوطنية وحماية المجتمع. ومع تصاعد هذه الخطابات، يتحول الخوف إلى أداة تعبئة، تمهد لمحاكمات اجتماعية غير رسمية، تُقصي المختلف وتضغط على الرأي العام لتبني مواقف قانونية أو سياسية قد تكون متعجلة أو جائرة.
تلعب وسائل الإعلام -التقليدية والرقمية- دوراً محورياً في تضخيم هذه الظاهرة. فباسم حرية التعبير، وأحياناً بدافع الإثارة وجذب الجمهور، يتم تداول الروايات غير المكتملة أو المضللة، ما يفاقم حالة الهلع الجماعي. وفي بعض الحالات، تتقاطع المصالح التجارية مع الخطاب المكارثي، حيث تتحول «الأزمات» إلى مادة ربحية، ويُستثمر الخوف لتعظيم التفاعل والانتشار. وهنا تتعاضد المصلحة الآنية مع النزعة الإقصائية، فتتجذر الانقسامات، ويتحول المجتمع إلى ساحة «حرب طواحين» ضد خصوم متخيلين أو مبالغ في خطرهم.
تُظهر تجارب دول متعددة أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب مزيجاً من الحوكمة الرشيدة والوعي المجتمعي. ففي الولايات المتحدة نفسها، أُعيد الاعتبار لكثير من ضحايا المكارثية لاحقاً، وجرى تعزيز الضمانات القانونية وحرية التعبير المسؤولة. وفي دول أوروبية واجهت موجات شعبوية بعد أزمات أمنية، تم التأكيد على استقلال القضاء، وتقييد خطاب الكراهية، وتفعيل دور المجتمع المدني في تعزيز التماسك الاجتماعي.
الخلاصة أن المجتمعات التي تحافظ على مؤسسات قوية وثقافة قانونية راسخة، تكون أقل عرضة للانزلاق نحو المكارثية.
من المنظور الإسلامي، نجد معالجة عميقة لهذه الانحرافات. فقد أرست النصوص الشرعية قواعد صارمة في التثبت من الأخبار: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا»، وحذّرت من الظن والبهتان: «اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم». كما جسّد النبي -صلى الله عليه وسلم- في السيرة مواقف عملية في رفض الإشاعات، كما في حادثة الإفك، حيث لم تُبنَ الأحكام على الظنون، بل على التحقق والعدل. هذه المبادئ تؤسس لوعي يحصّن المجتمع من الانجرار خلف الاتهامات المجانية، ويؤكد أن العدالة مقدمة على الانفعال، وأن حفظ الكرامات مقصد أصيل.
في السياق الكويتي اليوم، ومع ما تفرضه الأزمات والحروب من ضغوط نفسية وإعلامية، تبرز الحاجة الملحّة إلى اليقظة من أي نزعات مكارثية تستهدف طوائف أو مكونات اجتماعية أو جمعيات أو حتى أفراداً دون دليل قاطع. إن صون الوحدة الوطنية يتطلب التزاماً صارماً بالدستور والقانون، واحترام الحريات ضمن ضوابطها، وتعزيز أخلاقيات الإعلام المسؤول. كما يتطلب استحضار رقابة الله، والعدل، والإنصاف، والابتعاد عن تتبع الشبهات -فضلاً عن الوقوع في الكذب والافتراء- لأن كلفة ذلك لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد لتهديد تماسك المجتمع بأسره.
إن المكارثية، في جوهرها، ليست فقط خطراً سياسياً، بل تهديداً اجتماعياً وأخلاقياً، ومواجهتها لا تكون بالقمع أو الإنكار، بل ببناء وعي نقدي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ ثقافة العدل والتثبت. ففي أزمنة الأزمات، لا تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على إقصاء المختلف، بل بقدرتها على حماية وحدتها دون التفريط في قيمها.