عزيزي القارئ، دعنا نضع نظريات علم الاجتماع السياسي جانباً للحظة، ونراقب شاشات المغادرة والوصول في المطارات؛ ففي أوقات الأزمات، لوحات المطارات أصدق انباء من الكتب ونشرات الأخبار!

القاعدة البشرية الغريزية التي يتفق عليها سكان الكوكب منذ العصر الحجري هي عندما تبدأ الحرب، وتدوي صفارات الإنذار، وتتساقط الصواريخ من السماء... اهرب بحياتك! فرأس المال جبان، والبشر بطبيعتهم أجبن عندما يتعلق الأمر بشظايا لا تفرق بين مواطن ومقيم.

لكن الحرب الأخيرة، وما رافقها من عدوان إيراني آثم بمسيراته وصواريخه التي حاولت اختراق سماء دول مجلس التعاون الخليجي، كشفت لنا عن «مفارقة سيكولوجية» وظاهرة عبثية تضرب كل نظريات النزوح واللجوء في مقتل.

في الوقت الذي كانت فيه سماء الخليج تشتعل بالاعتراضات الصاروخية، والمطارات تحت مرمى الاستهداف، حدث ما لا يصدقه عقل... الوافدون عادوا أدراجهم إلى دول الخليج!

نعم يا سادة، حزموا حقائبهم في بلدانهم الآمنة، وركبوا الطائرات المتجهة نحو «عين العاصفة».

لكي نفهم حجم هذه «المعجزة النفسية»، دعنا نوجه الكاميرا قليلاً إلى الضفة الأخرى... إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

هناك، مع انطلاق أول صاروخ «بدائي» الصنع، ومع أول رنة لصفارة الإنذار، نرى مشهداً هوليوودياً للهروب العظيم. مطار «بن غوريون» يغص بالمستوطنين، وأصحاب الجنسيات المزدوجة، وأن الوافدين الأجانب، يتدافعون بالمناكب لحجز أي مقعد على أي طائرة متجهة إلى «أي داهية» خارج الخريطة!

المشروع هناك مبني على «وهم الأمان المطلق»، ومجتمعهم مصاب بـ «متلازمة الحقيبة الجاهزة»... بمجرد أن يُخدش هذا الوهم، يتبخر الانتماء المزعوم، ويلجأ الجميع فوراً إلى خطة الطوارئ (Plan B) وجواز السفر الأجنبي.

هم يهربون من دولتهم المزعومة في أوقات مجرد «التصعيد»، فما بالك بالحرب الشاملة؟ نعود الآن إلى مفارقة الخليج. لماذا عاد الوافدون الهنود، والمصريون، والفلبينيون، والأوروبيون إلى الرياض والكويت وأبوظبي والدوحة وغيرها، والمشهد ينذر بالخطر؟ هنا يقفز المحلل «السطحي» ليقول لك: «يا أخي واضحة... عادوا من أجل لقمة العيش وأكل العيش مر!».

وهذا –مع احترامي– تحليل ساذج لا يمت للمنطق بصلة. فلا يوجد إنسان عاقل، مهما بلغ فقره، يضع روحه ورواتب أبنائه على كف عفريت، أو يشتري تذكرة طيران ليقف تحت وابل من الصواريخ البالستية، لو كان لديه أدنى شك بأن سماء هذه الدول ستسقط على رأسه، أو أن هذه الدول ستنهار.

السر يا عزيزي ليس في «الراتب»، السر في «اليقين».

هؤلاء الوافدون، الذين عاشوا بيننا، خبروا تركيبة هذه الدول من الداخل. لقد عادوا لأنهم يمتلكون «ثقة عمياء» بأن دول مجلس التعاون الخليجي ستنتصر حتماً. لقد رأوا بأم أعينهم كيف أن هذه الدول لا تدير الأمن بالخطابات الحماسية، بل بمنظومات دفاعية جبارة، وبنية تحتية سيادية تجعل من الصواريخ المعتدية مجرد «ألعاب نارية» تتناثر في الفضاء قبل أن تلامس الأرض.

لقد عادوا لأنهم يثقون في «مؤسسة الدولة الخليجية». في عز الأزمة، السوبرماركت لم يفرغ من الخبز، والكهرباء لم ترمش، والإنترنت لم ينقطع، والشرطة في الشوارع تنظم السير وكأننا في يوم عطلة ربيعية. الوافد في الخليج تشرّب حالة «الهدوء الإستراتيجي» التي تمارسها القيادات، وأدرك أن هذه الدول ليست مشاريع «ورقية» قابلة للطي وقت الحروب، بل هي قلاع محصنة قادرة على حماية كل من يستظل بظلها.

إنّ هذه الظاهرة يجب أن تُسجل كشهادة نجاح تاريخية لدول مجلس التعاون. لقد تحولت «القوة الناعمة» والموثوقية الاقتصادية لهذه الدول إلى قوة نفسية صلبة في عقول الملايين... في الوقت الذي تفر فيه شعوب ودول من أوطانها في وقت السلم هرباً من الفساد والفقر، يعود الملايين إلى الخليج في وقت الحرب... لا بحثاً عن الموت، بل إيماناً لا يتزعزع بصناع الحياة، ويقيناً بأن سفينة الخليج لا تغرق.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.