عندما زرت لبنان عروس البحر الأبيض وباريس الوطن العربي، كان ذلك في أواخر الـستينات من القرن الماضي. كنت في شارع الحمراء هذا الشارع الراقي بعماراته الهندسية الجميلة والذي فيه ما لذ وطاب من المطاعم والمحلات الراقية المتخصصة لبيع العطور والماركات الشهيرة من أغلب أنواع وأصناف متنوعة من منتجات في محلات يعمل بها شباب من كل المكون اللبناني الخلوق. في محلات لا تختلف عن أشهر المحلات العالمية المتفوق على شوارع باريس التي زرتها بعد خمس سنوات.
في هذا الشارع الراقي تعرفت على شاب لبناني بنفس سني اسمه جوزيف حرب، وبحكم تقاربنا العمري عرفني على أصدقائه من أبناء الحارة في المنطقة التي يسكنها، أتذكر منهم رعد وعلي ومصطفى، وكل واحد من هذا الفريق الذي يشكل فريق كرة القدم ينتمي إلى طائفة مختلفة عن صديقه الآخر، يجتمعون كلهم دون استثناء تحت علم لبنان والأرزة التي كان الجيران يفتخرون بان هذه الشجرة رمز لبنان البلد العربي المتقدم عن بعض الدول ثقافياً واجتماعياً وحضارياً.
فقد كانت السيدة فيروز في مجدها والأخوين رحباني في قمة عطائهما وشعر الأخطل الصغير يتعدى انتشاره العالم العربي، وصوت وديع الصافي ونصري شمس الدين، يسمع في الخليج ويغنون للكويت بكل حب وإخلاص. شاركونا أعيادنا الوطنية وتغنت فيروز للجهراء ولم نجد في لبنان الدرة العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط ما يعكر جو حضورنا ولم نعرف الفرق بين جوزيف وعلي ومصطفى، ولا الفرق بين أبوعلي صاحب محل السندويشات والأكلات السريعة مع جاره ابواسكندر، الذي يبيع الفطيرة والعجينة باللحمة أو بالزيت والزعتر، كلهم كانوا شخصاً واحداً رئيسهم شارل الحلو.
رايتهم لبنان الأرزة، يغمسون الخبز الذي تطبخه الحجة أم عمر بالزيت الذي يعصر من قطف زيتون أبوعقيل، ولم يتكلم أي لبناني أنه ينتمي إلى طائفة ما.
أحببت لبنان الشهامة والكرم بفسيفسائه الجميل ولم أصدق انني سأرى لبنان كما هو اليوم بنحره بعض أولاده من الوريد إلى الوريد، فلبنان القلب العربي النابض لا يستحق ما يلاقيه اليوم من أبنائه الذين خدعهم الغريب وفرق بينهم الحاسد الحاقد.
لبنان شارل الحلو وأنا شاهد عيان ذاك العصر هو الأجمل وهو الأرقى وهو الأعقل، فهل لنا من وقفة ومراجعة لما حصل ومستمر إلى اليوم، لنعود مع لبنان الحبيب لعصر لبنان الجميع لبنان العقد العربي النفيس المكون من أنفس الجواهر والدرر البشرية الغائبة تحت قصف الأحقاد وحزن الشتات والفرقة.
اللهم ارحم لبنان واصلح في ما بين اللبنانيين وارحم شهداءهم واحفظ أحياءهم من كل شر ومكروه، اللهم آمين.