على وقع المعادلة الخطيرة في المنطقةَ، حيث تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل الحربَ مع إيران على قاعدة «لدينا كل شيء لنربحه» وتنخرط طهران في معركةٍ على طريقة «لم يعد لديّ شيء لأخسره»، تَشي المواجهةُ بين تل أبيب و«حزب الله» في لبنان بأنها مضبوطة، في أفقها المحكومِ بمزيد من العصف اللاهب، على الصراع «العنقودي» في الإقليم والذي تقف الدولة بإزاء زجِّها فيه ساعيةً إلى احتواء التداعيات الكارثية على بلد «لديه كل شيء ليخسره».
ولم يكن عابراً مع دخول حرب «حزب الله» لإسناد إيران و«الثأر» لاغتيال المرشد السيد علي خامنئي أسبوعها الثاني، أن ترفع إسرائيل وتيرة الضغط السياسي والميداني على لبنان الذي يحاول منذ الصلية الصاروخية الأولى من الحزب فجر الثاني من مارس الجاري تجنيبَ البلاد السيناريو المميت، سواء باندفاعٍ تل أبيب الجهنّمي نحو محو الضاحية الجنوبية لبيروت واستهداف البنى التحتية وتعميم نموذج «أوامر الإخلاء» لبقع جغرافية واسعة نحو العاصمة نفسها، أو بأن يتحوّل نزوح ما بين نصف مليون ومليون لبناني «طنجرة ضغط» قابلة للانفجار أو التفجير في لحظة أو أخرى.
ففي السياسة «المرقّطة» تَوّج رئيسُ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التحذيراتِ المتسلسلة للحكومة اللبنانية، مطالباً إياها بـ «نزع سلاح حزب الله وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار»، محذراً من أن عدم الامتثال «سيعرّض لبنان لعواقب قاسية»، رغم توقّف بعض الأوساط عند استعانته باتفاق 27 نوفمبر 2024 كـ «نقطة مرجعية» من دون أن يُعرف إذا كان يَقصد إمكانَ الارتكاز عليها في أي تسويةٍ جديدةٍ، أم أن خط النهاية محكوم، وفق المؤشرات التي كانت لاحت، باتفاق يتّسم بالشمولية ويذهب حتى أبْعد من القرار 1701 واتفاق الهدنة (1949) نحو تَفاهُمٍ أمني عميق بقوةِ الوقائع التي ستفرضها «حرب لبنان الرابعة» وتصبح معها «بلاد الأرز» في كنف مجلس السلام الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب.
«حرب الفنادق»
وفي الميدان، لم تتوانَ إسرائيل، التي خسرت جنديين في معارك جنوب لبنان، عن إلحاق قلب بيروت للمرة الأولى بحلقة النار، عبر «حرب الفنادق» التي كانت افتُتحت يوم الأربعاء من منطقة الحازمية (شرق بيروت)، قبل أن تحطّ ليل السبت - الأحد في فندق رامادا في الروشة حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تم استهداف «قادة مركزيين إيرانيين كانوا يعملون في بيروت».
وتحدّثت معلومات عن أن غارة الروشة نُفّذت بصاروخ موجه استهدف إحدى الغرف في الفندق حيث أعلنتْ وزارة الصحة سقوط 4 ضحايا وجرح 10 أشخاص.
وفيما أشار موقع «المدن» الإلكتروني إلى أن بين المستهدفين شخصية دبلوماسية غير لبنانية وأن الغرفة - الهدف محجوزة باسم شخصية لبنانية، وأن السفير الإيراني محمد رضا شيباني كان يقيم في «رامادا» ولكنه غادره قبل استهدافه، نفت السفارة الإيرانية الإشاعات التي تحدثت عن استهداف السفير في «رامادا».
وإذ نقلت «روسيا اليوم» عن هيئة البث الإسرائيلية أنه «كان يقيم في الفندق خمسة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى وأن بين المستهدَفين عناصر من المخابرات الإيرانية ومسؤولين ماليين»، أوردت قناة «الحدث» أنه تم في الغارة اغتيال أحمد رسولي وحسين أحمدلو وعلي باعازار وماجد حسيني.
وجاءت هذه الغارة في عمق بيروت على وقع كشف طهران مغادرة موظفي سفارتها في بيروت ورعاياها لبنان، عقب أيام قليلة من إمهال إسرائيل ممثلي النظام الإيراني في لبنان 24 ساعة لمغادرة البلاد، محذراً من أنهم سيصبحون «أهدافاً مباشرة» بعدها، قبل أن يوجّه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (الخميس) باتخاذ ما يلزم لمنع أي نشاط عسكري أو أمني يقوم به الإيرانيون في لبنان تمهيداً لترحيلهم، مع فرْض الحصول على تأشيرة لدخول بيروت.
وأكد مسؤول لبناني لـ «فرانس برس» أن 117 إيرانياً بينهم دبلوماسيون تم إجلاؤهم (السبت) من لبنان على متن طائرة روسية، فيما نُقل عن مصدر أمني رفيع المستوى «أن أكثر من 150 إيرانياً، بينهم دبلوماسيون وأفراد من عائلاتهم، غادروا بيروت ونُقلوا جوّاً إلى روسيا. كما غادر20 إيرانياً آخرون الجمعة».
وفي حين أفادت قناة «الحدث» أنه تم على متن رحلة الإجلاء الإيرانية نقل 5 جثامين، 2 منها تعود للإيراني وزوجته اللذين قضيا في الغارة على فندق كومفورت في الحازمية، ذكرت الخارجية الإيرانية في بيان إنه «نظراً للأوضاع الأمنية الراهنة في لبنان نتيجةً للهجمات الوحشية التي يشنّها الكيان الصهيوني، وحرصاً على سلامة وأمن أبناء وطننا المقيمين، غادرت عائلات موظفي السفارة الإيرانية في بيروت، بالإضافة إلى معلمين وطلاب من إحدى المدارس الإيرانية، ومجموعة من الإيرانيين المقيمين لبنان موقتاً بالتنسيق مع الجهات المعنية»، مؤكدة أن «السفارة الإيرانية ستواصل أنشطتها المعتادة، وستستمر الخدمات القنصلية المقدمة للإيرانيين المقيمين كالمعتاد».
وكان موقع «أكسيوس» كشف مغادرة عشرات الضباط الإيرانيين بيروت، وذلك في أعقاب تحذيرات إسرائيلية مباشرة.
ونقل عن مسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية ومصادر مطلعة إن هؤلاء الضباط ينتمون كانوا يعملون بصفة مستشارين عسكريين لحزب الله، ويتمتعون بنفوذ واسع وتأثير مباشر على العمليات الميدانية للمجموعة، وأن العديد من المغادرين كانوا يديرون عملياتهم من داخل مقر السفارة الإيرانية، بينما بقيت مفرزة صغيرة فقط للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع الحزب.
اتهام قبرصي
وعلى وهج إعلان قائد البحرية الإسرائيلية «هاجمنا حتى الآن ضاحية بيروت وصور وصيدا وطرابلس ونستعد للبقاء لفترة أطول»، ومجازر مروعة متنقّلة ارتكبتْها تل أبيب وبينها في بلدة صير الغربية (قضاء النبطية) حيث استُهدف مبنى مأهول مؤلّفٍ من 3 طبقات ما أدى لسقوط 19 شخصاً بينهم أطفال ونساء، ووسط استمرار استهداف الضاحية الجنوبية ومنْع سكانها من العودة وإشارات قرب تكثيف الضربات بقاعاً، باغَتَ بيروت اتهامٌ رسمي من وزير الخارجية القبرصي كوستانتينوس كومبوس بأن «المسيّرات المحملة بالمتفجرات التي استهدفت قواعد بريطانيا في قبرص انطلقت من لبنان»، معتبراً أنه «بات ضرورياً التركيز على الجبهة اللبنانية ولا يمكننا استبعاد أي احتمال».
وفي السياق، وجّه وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي رسالةً نصيةً إلى نظيره القبرصي أعرب فيها عن إدانته الشديدة للهجمات التي استهدفت قواعد عسكرية بريطانية في قبرص، مؤكداً «أن هذه الأعمال لا تمثّل لبنان دولةً وشعباً وقيماً»، ومشدداً على أن لبنان لن يكون منصةً لتنفيذ أجندات خارجية، وداعياً أصدقاءه القبارصة إلى عدم الخلط بين الدولة اللبنانية وبين الجهات التي تعمل خارج سلطتها وإطارها القانوني.
وذكّر بالقرار الذي أصدرته الحكومة اللبنانية الإثنين الماضي والذي يُصنّف جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله أنشطةً غير قانونية، مؤكداً أن الهجمات على قبرص تقع في هذا السياق بالتحديد، إذ تُنفَّذ خارج سلطة الدولة وتتعارض مع قراراتها السيادية.
تمديد برلماني
وفيما يَنتظر لبنان الإثنين، تمرير البرلمان تمديداً لمجلس النواب الحالي لمدة سنتين تحت عنوان «القوة القاهرة» (الحرب) التي تحول دون حصول الانتخابات النيابية في مايو المقبل، برز اتصال تلقاه رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل من الرئيس السوري أحمد الشرع، استمرّ أكثر من ساعة، وتناول الوضع الإقليمي والحرب القائمة في المنطقة، إضافة إلى طبيعة العلاقات بين لبنان وسورية في المرحلة المقبلة.
وأفاد بيان للكتائب أن «الاتصال اتسم بأجواء إيجابية جداً ومطمئنة حيال إمكان فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وخلال الحديث أكّد الرئيس الشرع أن العلاقة بين لبنان وسورية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل بين الدولتين، والتعاون والتكامل الاقتصادي بما يخدم مصلحة الشعبين.
كما شدّد على أن الحضور العسكري الكبير على الحدود مع لبنان والعراق يهدف حصراً إلى تأمين الحدود السورية والحفاظ على استقرارها».
وطلب الجميل من الشرع «تعاون الدولة السورية في كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وفي مقدّمهم عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب بطرس خوند، إضافة إلى المساعدة في كشف هوية المسؤولين عن الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان والتي كان نظام الأسد ضالعاً فيها، لاسيما اغتيال الوزير بيار الجميّل والنائب أنطوان غانم، وكذلك المساعدة في تحديد مكان وجود قاتل الرئيس بشير الجميّل حبيب الشرتوني».