واقع جنوب لبنان... بين «وقف النار» و«الهدنة حتى المواجهة التالية»

دخان غارة إسرائيلية على منطقة صور
دخان غارة إسرائيلية على منطقة صور
تصغير
تكبير

- الهدف الأميركي الإسرائيلي هو تجريد «حزب الله» من سلاحه عبر الضغط السياسي والمالي... وليس عسكرياً
- جنوب لبنان تحوّل إلى مكمن إستراتيجي للإسرائيليين

يقرّ المحللون العسكريون الإسرائيليون بأن «وقف إطلاق النار» الحالي في جنوب لبنان هو مجرد تهدئة هشة، وليس سلاماً، حيث يُوصف بأنه «استسلام للنار» و«ضريبة كلامية» تمنح «حزب الله» فرصة لإعادة التموضع.

كشفت الوثائق الرسمية أن قيود «الشريك الأميركي» هي العائق المركزي أمام الجيش الإسرائيلي، حيث تمنع واشنطن بصرامة تل أبيب من شن هجمات عميقة أو اغتيال قادة الحزب، مما يُبقي الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في مأمن.

وجاء في الوثائق: «نجح حزب الله في تحويل جنوب لبنان إلى كمين إستراتيجي، مستخدماً طائرات مسيّرة متطورة بألياف بصرية وعبوات ناسفة، مما يحوّل أي تقدم بري إلى آلة لاستنزاف القوات الإسرائيلية».

يعيش شمال إسرائيل وجنوب لبنان منذ أيام حالة من الهدوء الحذر لم ترقَ إلى مستوى وقف إطلاق النار بقدر ما هي «تهدئة» تكتيكية. ففي الوقت الذي تصف فيه وزارة الخارجية الأميركية هذه الفترة بأنها «بادرة حُسن نية» لبدء مفاوضات مباشرة هي الأولى من نوعها منذ العام 1993، يقر المحللون العسكريون في الصحف الإسرائيلية بأن الواقع على الأرض مختلف تماماً.

ففي قراءة تحليلية للأسبوع الأول من التهدئة، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية الميدانية. فبينما تمنع واشنطن سلاح الجو من شن غارات واسعة، يظل «حزب الله» متمركزاً في مواقعه، ويواصل الجيش الإسرائيلي عمليات «التطهير - قتل» ضمن ما يعرف بـ «الخط الأصفر»، مما أدى إلى سقوط قتلى إسرائيليين، بسبب عبوات ناسفة زرعها الحزب قبل بدء التهدئة.

هذا التناقض بين التصريحات السياسية والواقع الميداني يشير إلى أن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو دخلت في مرحلة انتقالية خطيرة، يصفها آفي أشكنازي في «معاريف» بأنها «هدوء حتى المواجهة التالية».

«الشريك» الذي أصبح عبئاً إستراتيجياً

أبرز ما كشفه التحليل العسكري في الأيام الأخيرة هو الهوة العميقة بين الأهداف الإسرائيلية والإملاءات الأميركية. ففي تقرير حصري لـ «يديعوت أحرونوت»، يحلل الكاتب العسكري إليشع بن كيمون العلاقة المعقدة مع واشنطن، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي بات يطلق على الأميركيين لقب «الشريك». لكن هذا التعاون، رغم أهميته لمواجهة إيران، أصبح «عبئاً» في لبنان.

وفقاً لوثيقة التفاهم الموقعة في 14 أبريل 2026، والتي اطلعت عليها «هآرتس» ووزارة الخارجية الأميركية، فإن إدارة ترامب اشترطت لمنح الضوء الأخضر لإسرائيل شروطاً قاسية. فالبيان الرسمي لوزارة الخارجية لم يكتفِ بدعوة إسرائيل لضبط النفس، بل أصدر توجهاً صارماً: «يُمنع على إسرائيل قصف لبنان بعد الآن... كفى»!

ويعلق الكاتب في «يديعوت أحرونوت» بالقول «عندما تتعارض مصالح واشنطن مع احتياجاتنا الأمنية الملحة، تدفع إسرائيل ثمناً باهظاً. يقاتل الجيش الإسرائيلي بنصف قوته، حيث تُقيّد الاستراتيجية السياسية قدراته العملياتية متراجعة وضعيفة».

تجلت حدة هذه القيود بوضوح في الرد الإسرائيلي على الهجوم الذي قُتل فيه جندي. فبدلاً من قصف مؤثر، اكتفى سلاح الجو بقصف أربعة مخازن سلاح «فارغة» في البقاع. ويصف أشكنازي في «معاريف» هذا الرد بأنه ليس أكثر من «هجوم تظاهري» أو «ضريبة كلامية»، مشيراً إلى أن هذا هو الحد الأقصى الذي أذن به الأميركيون بعد يومين من التسول. وهذا يعني أن واشنطن باتت تملك حق النقض على كل عملية عسكرية في الشمال.

التحليلات الإسرائيلية تتحدث بلغة الهزيمة الاستراتيجية أكثر مما تتحدث عن الإنجازات. فالمقال الافتتاحي لـ«معاريف» يعترف بأن «حزب الله عاد إلى أيام المعادلات، وإسرائيل عادت إلى أيام ما قبل 7 أكتوبر».

ما يعنيه الكاتب هو أن قواعد الاشتباك القديمة، التي كانت سائدة قبل حرب غزة 2023، قد عادت لتتحكم بالشمال. كان «حزب الله» قد فصل ساحته عن ساحة إيران سابقاً، لكنه اليوم يخلق ارتباطاً كاملاً بينهما.

الجنرال احتياط إيران أورتال، في تحليل نشرته قناة «الحرة» الأميركية نقلاً عن مصادر إسرائيلية، أكد أن «عقيدة الانسحاب» التي اتبعتها إسرائيل منذ عام 2000 قد فشلت فشلاً ذريعاً. فالقرى اللبنانية تحولت إلى منصات لإطلاق النار، والوجود الإسرائيلي المحدود حالياً لا يردع «حزب الله» بل يمنحه شرعية وجود كـ «مقاومة»!

الرعب الجديد للجيش الإسرائيلي

كشف تقرير «يديعوت أحرونوت» عن تطور نوعي في ترسانة حزب الله يهدد التفوق الجوي الإسرائيلي. الحزب قام بتحديث منظومة طائراته المسيّرة، التي تعتبر فعالة جداً ورخيصة الثمن مقارنة بالصواريخ بعيدة المدى.

الخطورة لا تكمن فقط في العدد، بل في التقنية. فالمسيرات مزودة بألياف بصرية تجعل من الصعب للغاية اكتشافها واعتراضها بواسطة أنظمة التشويش الإسرائيلية.

وقد وصل الأمر، كما يصف الكاتب، إلى أن الجنود لم يجدوا حلاً أمام المسيرات سوى إطلاق النار عليها بأسلحتهم الشخصية الفردية، مما يعكس فجوة تكنولوجية تكتيكية في مواجهة هذا التهديد الجديد.

«جيش لصوص» يقاتل في بلاد الأرز

في تطور خطير يعكس تآكل الروح المعنوية والأخلاقية للجيش، خصص رئيس الأركان إيال زمير جزءاً كبيراً من خطابه لقادة الجيش للحديث عن «مشكلات انضباط حادة». صحيفة «هآرتس» كشفت عن عمليات نهب واسعة النطاق في لبنان، وتدمير تمثال للسيد المسيح في قرية دبل، وجنود يرتدون شارات كُتب عليها «نعم للعنف» ورموز دينية متطرفة.

هذه الاعترافات الرسمية تُضعف الموقف القانوني لإسرائيل عالمياً وتُصدّر رواية مضادة لحزب الله، الذي يستخدم هذه الحوادث ليؤكد للعالم روايته عن «العدوان الإسرائيلي الهمجي».

بحسب التقديرات الاستخباراتية (معهد مئير عيط)، فإن حزب الله يستخدم الهدنة لإعادة بناء قدراته وليس لاستعادة الاستقرار. التحليل الإسرائيلي يعتبر أن استمرار وجود الجيش على الأراضي اللبنانية هو «متنفس أيديولوجي» للحزب، لأنه يبرر رواية «الدفاع عن لبنان» ويحول الأنظار عن انهياره الاقتصادي والعسكري الداخلي.

إلى أين تتجه حكومة نتنياهو؟

من خلال الربط بين الرؤية والخطط التي رسمها نتنياهو وفريقه في الكابينت، يمكن استخلاص أن الحكومة تتبع إستراتيجية «إدارة الصراع» وليس «حسم الصراع» في لبنان، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:

الرهان على المسار الدبلوماسي الأميركي:

إسرائيل تراهن حالياً على أن المفاوضات السياسية (التي تشبه اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين) ستنجح حيث فشلت القوة العسكرية. الهدف الأميركي - الإسرائيلي هو تجريد «حزب الله» من سلاحه عبر الضغط السياسي والمالي، وليس عسكرياً.

التحوّط لسيناريو الانهيار الإيراني:

الساحة اللبنانية مربوطة بالمفاوضات النووية مع إيران. قادة الجيش يعتقدون أن تهدئة الشمال هي ثمن موقت يجب دفعه لكسب الوقت لحسم الملف الإيراني أولاً.

العنوان الذي اختاره أشكنازي في «معاريف» يلخص الحالة بدقة: الجميع يستعد «حتى المواجهة التالية».

فالحرب الحالية أغلقت بـ «فشل» و«امتعاض» إسرائيلي. لقد فشل الجيش في تحقيق نصر حاسم، مما أجبر القيادة السياسية على قبول ترتيبات موقتة تحفظ ماء الوجه تحت مظلة أميركية.

«حزب الله» يخرج من هذه الجولة نداً لقوة إسرائيل في المعادلة، بينما تخرج تل أبيب مثقلة بجراحها الأخلاقية والعسكرية. هذه ليست نهاية الحرب، بل هي «وقف تكتيكي للنار» ينتظر اللحظة المناسبة التي تنفجر فيها المنطقة مجدداً على وقع صفارة الإنذار التالية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي