ها قد أقبل رمضان وفتحت أبواب الجنان وغُلّقت أبواب النيران... فماذا عساي أن أقول بهذه المناسبة؟ سأكون هذه المرة شاعراً بغير قوافي الشعر المعروفة ولا بحر من بحوره المسجورة!
أريد أن أخاطب قلبك مباشرة، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الصدق... فهذه البذور يلقيها الفلاح في الأرض ولكنها لا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها سافلها... وكذلك القلب لا تبلغ منه الموعظة إلا إذا داخلته وتخللت مكنونه وبلغت سويداءه... نسمع في هذه الأيام عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن أكثر الناس يقولون إننا غير سعداء في هذه الحياة رغم وفرة وسائل الترفيه ورغد العيش وتنوع المطاعم والمشارب؟... ولكنك قد تقول إنني غير سعيد أيضاً... لأن بين جْنبيَّ قلباً يُلمُّ به الهم والحزن على ما مضى وما سيأتي وهذا ما يُلم عادةً بغيره من قلوب بني آدم.
أجل، فليكن ذلك كذلك... بل حتى الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- يقول: (إنه ليُغانُ على قلبي فأستغفر الله)، أي أحياناً تأتيني كتمة، وهي نوع من الغفلة فيتدارك ذلك بالاستغفار...
وفي رمضان عندك حصون السعادة وقلاعها مفتّحة لكم الأبواب... والسبيل إليها سهل ميسر فإليك واحد منها جرّب هذه المرة وباشر بنفسك توزيع زكاتك بنفسك مباشرةً إذا كنت غنياً، أطعم الجائع واكس العاري وعزّ المحزون وفرّج كرب المكروب. اذهب إلى المحاكم وتحديداً الإدارة المالية واظر المبالغ المستحقة على المدينين المعسرين فسددها عنهم بحيث لا يعلم أحد إلا الله عنك...
يكن لك البائس المرتهن بالديون خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك ولا تعجب أن يأتيك من نور السعادة من سواد الليل البهيم، فالبدر لا يطلع إلا إذا شقّ رداء الليل والفجر الصادق لا يُدرج في الأفق المستطير إلا من مهاد الظلام... وإذا كنت فقيراً لا تملك مالاً فاعلم أن سعادتك في هذه الليالي القليلة من رمضان، وما عليك إلا أن تصوم نهاره وتقوم ليله وتكف لسانك عن عورات الناس وأعراضهم...
وليعلم الجميع الأغنياء والفقراء هذه الحقيقة وهي أن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، لقد بَلِيَت اللذات في هذه الحياة وكبرنا بهدوء ولم تعُد مغريات الحياة تُلهينا رغم شدتها وَرَثتْ حبالُها واهترأتْ وأصبحتْ أثقل على النفس من الحديث المُعاد ولم يبق ما يغري الإنسان عنها إلا لذة واحدة وهي لذة الإحسان للناس...
أحسن إلى الفقراء والبائسين ولو بالكلام الحسن والوجه الطليق سواء كنت غنياً أو فقيراً وأعدك وعداً صادقاً أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان ثم يختم الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خيراً بما فعلت، وهناك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى فالجزاء من جنس العمل. (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).
ولا تحقرن في هذا الشهر من المعروف شيئاً.