اقرأ مايلي...

الحبل الذي أعاد التاريخ

تصغير
تكبير

على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي ليس جديداً على الساحة، إلا أن انتشاره في السنتين الأخيرتين جعل العديد من الشركات والأفراد يتنافسون على اكتشاف هذا المجال الابتكاري والحديث على البشرية.

ولكي أكون مواكبة لتطورات الذكاء الاصطناعي في العمل، قمت بالاشتراك في دورة لتعلّم الذكاء الاصطناعي بهدف الحصول على شهادة معتمدة. إلا أنني فوجئت بسطحية الدروس، فقد تعلمت معظمها سابقاً وبالمجان من الإنترنت، ولم أتعلم شيئاً جديداً يُذكر.

في خمسينيات القرن الماضي، وبعد الحرب العالمية الثانية، كانت شركة «تويوتا» اليابانية تحاول النهوض بصناعة السيارات. ومع قلة الموارد وارتفاع تكلفة الأخطاء، واحتمالية ظهور عيوب إنتاجية التي قد تدمّر سمعة الشركة بالكامل، اتخذت الإدارة في أحد مصانعها قراراً غريباً وغير مألوف، إذ تم تعليق حبل فوق كل خط إنتاج، ومنح كل عامل الحق في سحب الحبل إذا ما لاحظ عيباً أو خللاً في الإنتاج.

اعترض العديد من المدراء على هذه الفكرة، بحجة أن بعض العمال حديثو الخبرة وقد يُسيئون استخدام هذا الحق، مما يؤدي إلى إبطاء الإنتاج وخسارة الوقت والمال. إلا أن الإدارة أصرت على موقفها وأبقت الحبل معلّقاً.

في الأيام الأولى، تم سحب الحبال بشكل متكرر، وتجرأ العمال في الإبلاغ عن الأعطال التي لاحظوها أثناء العمل. كثرت الأعطال وتباطأ الإنتاج بشكل ملحوظ، لكن في المقابل، ساهمت جرأة العمال في فتح باب النقاش حول هذه المشاكل، وبدأوا بطرح حلول جذرية بدلاً من الاكتفاء بالحلول الموقتة. ومع مرور الوقت، قلّ سحب الحبل، وتسارع العمل، واختفت العيوب المصنعية في السيارات. ازدادت ثقة العمال بأنفسهم، وشعروا بمسؤوليتهم تجاه العمل، فارتفعت الجودة في بيئة العمل والتصنيع.

بعد فترة، أصبحت «تويوتا» رمزاً عالمياً للجودة، وأصبح «حبل الإيقاف» يُدرّس في كليات الإدارة حول العالم. فعندما نمنح الموظف الصلاحية بدلاً من مراقبته، فإننا نساهم في زيادة ثقته بنفسه وإحساسه بالمسؤولية، ويتحوّل من منفذٍ للأوامر إلى حارسٍ للجودة. كما أن العديد من الشركات تتجاهل الأخطاء البسيطة، لكنها تدفع ثمن ذلك لاحقاً بإصلاح سمعتها لسنوات طويلة.

إن الإنسان بطبيعته يشعر بالكسل والضعف من القيود والثقل عندما تفرض المؤسسات القوانين الصارمة، بينما الحقيقة أن أقوى الأنظمة تبدأ أحياناً بفكرة بسيطة. فالحل لا يكمن دائماً في الآلات والمعدات الحديثة والمتطورة، بل في حبل وثقة تُمنح للعاملين. إن منح الصلاحيات للموظفين يجعلهم يشعرون بقيمتهم في المكان وبقدرتهم على إحداث فرق حقيقي، ويشجعهم على تحمّل النتائج بدلاً من لوم الآخرين أو تجنب العمل خوفاً من الخطأ، كما يدفعهم إلى التفكير والابتكار وتزيد الأفكار العمل التي تغيّر الروتين نحو أسلوب أسهل وأكثر كفاءة، بما يحقق نتائج إيجابية للموظفين وللمؤسسة على حد سواء.

إن الإدارات التي تمنح موظفيها الحماية والدعم، وتبتعد عن القيود والقوانين الصارمة، هي إدارات ذكية تسعى إلى بناء قيمة حقيقية وجودة إنتاجية طويلة الأمد. وقد يظن البعض أن الذكاء الاصطناعي سيكون بديلاً عن الإنسان في المستقبل، لكن من يتعمق في دراسته يلاحظ حجم الأخطاء التي قد تنتج عن الاعتماد على الآلة. فالآلة لن تكون يوماً بديلاً لصانعها، وربما تخسر الكثير من الجهات الوقت والمال إذا اعتمدت على الذكاء الاصطناعي دون وعي أو توازن.

نحن نتحدث كثيراً عن تمكين الموظف، لكن الحقيقة أن «تويوتا» لم تمنح التمكين بالكلمات، بل بحبل أعطى الجميع الصلاحية لقول «لا»، وتبرير المواقف، وإسنادها بالحلول المناسبة. فالتمكين الذي لا يغيّر القرار، ليس سوى شعار.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي