خواطر صعلوك

الباشكاتب عبدالمعطي على سن ورمح!

تصغير
تكبير

لماذا لا يقرأ عبدالمعطي، إلّا ما يُعجبه؟

كنتُ أعرف عبدالمعطي، وأعرف أنه لا يقرأ، أعني... لا يقرأ حقاً.

صحيح أنه كان يحمل كتاباً دائماً، يضعه تحت إبطه كما توضع الصحيفة في الصور القديمة، ويفتح صفحاته في المقاهي والكافيهات، ويغلقه عند أول اختلاف، ثم يقول بثقة من يعرف الطريق:

– هذا الكلام سطحي.

في الواقع عزيزي القارئ، فإن الكتاب لم يكن سطحيّاً... كان فقط لا يشبهه.

عبدالمعطي – كما لاحظت – لا يقرأ ليعرف، بل يقرأ ليؤكّد... لا يفتح الكتاب بحثاً عن سؤال، بل بحثاً عن جملة تشبهه، تربّت على كتفه، وتقول له:«أحسنت... مازلت على صواب»!

ولهذا السبب، حين يصادف فكرة تهدّد يقينه، يُغلق الكتاب فوراً، كما تُغلق النافذة عند دخول هواء بارد.

الباشكاتب عبدالمعطي، لا يخاف الجهل... ولكنه يخاف أن يكتشف أنه كان مخطئاً.

في جلسة طويلة، قال لي ذات مرة:

– أنا لا أضيّع وقتي في قراءة من لا أتفق معهم.

ضحكت، لأن الجملة كانت اعترافاً كاملاً، لكن صاحبها لم ينتبه!

فمَنْ يقرأ فقط مَنْ يتفق معه، لا يقرأ... بل يكرّر نفسه بصوت أعلى.

القراءة عنده ليست مغامرة، بل نزهة آمنة في حديقة يعرف أسماء أشجارها مسبقاً.

في الماضي – كما تروي الكتب التي لا يقرأها عبدالمعطي – كان القارئ يفتح كتاباً ليخرج منه شخصاً آخر. أما اليوم، فهو يفتح الكتاب ليخرج منه الشخص نفسه... لكن بمرجعٍ جديد.

وهكذا امتلأت المكتبات بكتب لم تُقرأ، وامتلأت الرؤوس بأفكار لم تُختبر، وامتلأت الجلسات الثقافية برجال ونساء يتبادلون الاقتباسات كما يتبادل التجّار العملات، من دون أن يسأل أحدهم:

«هل غيّرتك هذه الفكرة؟

أم فقط زيّنت حديثك؟»

عبدالمعطي الحديث لا يحب الكتب الخطرة... لا يحب الكتب التي تسأله:

– مَنْ قال لك إنك على حق؟

– ماذا لو كنت جزءاً من المشكلة؟

هو يحب الكتب التي تبدأ هكذا:

«كما نعلم جميعاً...»

لأنها تعفيه من التفكير، وتمنحه شعور الجماعة، والأهم عزيزي القارىء أنها تريحه من عناء الوقوف وحيداً أمام المرآة.

ذات مرة،

أعطيت عبدالمعطي كتاباً يخالفه تماماً. وقلت له:

– اقرأه... ليس لتوافقه، بل لتفهمه.

نظر الباشكاتب عبدالمعطي إلى الغلاف كما يُنظر إلى شيء مشبوه، وقلّب الصفحات بسرعة، ثم قال:

– هذا الكاتب منحاز.

ابتسمت وقلت:

– كلنا منحازون...

الفرق فقط أن بعضنا يقرأ انحياز الآخرين، وبعضنا يخاف منه!

الحقيقة المؤلمة أن عبدالمعطي – في كثير من الأحيان – أكثر الناس هشاشة، لأنه بنى هويته على أفكار، فصار يخاف عليها كما يخاف الأب على ابنه الوحيد. وأي كتاب يأتي ليهزّ هذه الأفكار يُعامل كعدوّ، لا كفرصة للتعلم والنمو.

وهكذا تحوّلت القراءة من فعل شجاعة إلى فعل دفاع، ومن نافذة نطلّ منها على العالم، إلى مرآة نعيد فيها ترتيب وجوهنا.

في آخر الليل،

كتبت جملة قصيرة في دفتري:

«أخطر ما يصيب المثقّف... أن يخلط بين ما يعجبه وما يستحق أن يُقرأ».

ثم أغلقت الدفتر، وفتح كتاباً لا أحبه، وعرفت – للمفارقة – أنني تعلّمت منه أكثر مما تعلّمت من كل الكتب التي أحبها... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي