بين الذاكرة والتجربة... قراءة متوازنة في محطة جديدة للدبلوماسية الكويتية

تصغير
تكبير

في كل انتقال قيادي داخل وزارة الخارجية الكويتية، تتجدد الأسئلة حول الاتجاه، والأسلوب، وأولويات المرحلة. وقد أثار تعيين معالي الوزير الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، تفاعلاً مشروعاً بين من استعاد تاريخ الدبلوماسية الكويتية بوصفه مرجعية ملهمة، ومن فضّل مقاربة الحاضر بميزان الأداء المؤسسي ومتطلبات العصر. وبين هذين المنظورين، تبدو الحاجة قائمة إلى قراءة متزنة تجمع بين الوفاء للتجربة، والواقعية في التقييم.

لا خلاف على أن الدبلوماسية الكويتية نشأت في سياق تاريخي دقيق، وأنها منذ عهد الاستقلال في زمن الشيخ عبدالله السالم الصباح، أرست تقاليد قائمة على الشرعية الدولية، والالتزام العربي، والاعتدال في المواقف. كما تعمّقت هذه المدرسة في عهود لاحقة، وأسهم في ترسيخها رجال دولة بارزون، وفي مقدمتهم الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي شكّل حضوره علامة فارقة في العمل الدبلوماسي الكويتي والخليجي.

غير أن استحضار هذا الإرث -على أهميته- ينبغي أن يُقرأ بوصفه إطاراً قيمياً عاماً، لا وصفة جاهزة لكل مرحلة. فالعالم اليوم أكثر تعقيداً وتشابكاً، وأدوات التأثير لم تعد مقتصرة على الخطاب السياسي التقليدي، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتكنولوجيا، والدبلوماسية المتعددة المسارات، وإدارة الصورة الذهنية للدولة، وبناء التحالفات المرنة. ومن ثمّ، فإن التحدي لا يكمن في الحفاظ على المبادئ، بل في تحديث الوسائل وتطوير البنية المؤسسية بما يواكب التحولات المتسارعة.

في هذا السياق، يأتي الوزير الجديد بخبرة تراكمت داخل أروقة الوزارة، واطلاع مباشر على تفاصيل العمل الإداري والدبلوماسي. وهذه ميزة لا يُستهان بها، إذ تمنحه معرفة بطبيعة الجهاز، وبتوازناته، وبنقاط قوته ومواطن الحاجة إلى التطوير. وفي الوقت ذاته، فإن المنصب يفرض انتقالاً من دور التنفيذ إلى دور القيادة الإستراتيجية؛ أي من إدارة الملفات إلى رسم الاتجاه العام، ومن متابعة الإجراءات إلى صناعة القرار وتحمّل تبعاته.

الإنصاف يقتضي الإقرار بأن الحكم على أي تجربة لا ينبغي أن يسبقها، ولا أن يُحاط بسياج التوقعات المفرطة، إيجاباً أو سلباً. فالقيادة تُقاس بقدرتها على بناء فريق مهني متماسك، وتفعيل الطاقات المتخصصة داخل المؤسسة، وتعزيز معايير الحوكمة والشفافية، إلى جانب الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية للدولة. كما أن نجاح أي وزير خارجية في هذه المرحلة يرتبط بمدى قدرته على المواءمة بين الشراكات الإستراتيجية القائمة، والانفتاح على مسارات جديدة تفرضها الجغرافيا السياسية المتحركة.

من جهة أخرى، يبقى النقد الرصين ضرورة صحية في الحياة العامة، شريطة أن يكون قائماً على الوقائع والمعايير، لا على الانطباعات أو المقارنات العابرة بين أزمنة مختلفة. فلكل مرحلة أدواتها، ولكل جيل مقاربته، والدولة الرشيدة هي التي تستفيد من خبرة السابقين دون أن تقيد اللاحقين بقوالب جامدة.

إن الدبلوماسية الكويتية اليوم أمام استحقاقات إقليمية ودولية دقيقة، تتطلب وضوح رؤية، وصلابة موقف، ومرونة حركة في آن واحد. وهي مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتعزيز حضورها في ملفات الأمن الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، والدبلوماسية الإنسانية، مع تطوير أدوات العمل المؤسسي داخلياً.

وبين من يكتب من موقع الذاكرة، ومن ينتقد من موقع التجربة اليومية، تبقى الحقيقة الأهم أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة القيادة الجديدة على تحويل الرصيد التاريخي إلى طاقة متجددة، لا إلى حنين متكرر. فالدبلوماسية ليست سرداً لماضٍ مجيد، ولا رهناً لتوقعات مسبقة، بل ممارسة يومية تُختبر في الميدان، وتُقاس بنتائجها.

ولعل الموقف الأكثر اتزاناً هو أن نمنح التجربة حقها في التشكّل، وأن نحتكم -بعد زمن معقول- إلى معيار الأداء والإنجاز، بروح وطنية مسؤولة، تجمع بين الاحترام والنقد البنّاء، وبين الوفاء للتاريخ والاستعداد للمستقبل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي