الصلاة في جوهرها فعلٌ يتجاوز الحركة إلى المعنى، ويتخطّى الجسد إلى الروح، هي العبادة التي يخلع فيها الإنسان أثقال يومه، ويقف في حضرة السكون، وحين تُؤدّى الصلاة بهذا الوعي، تتحول من واجب متكرر إلى لقاءٍ يجدد الروح ويعيد ترتيب القلب.

يصف القرآن الصلاة بأنها: (كبيرة)، في قوله تعالى: «وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ» (البقرة/45)، تعظيماً لقدرها؛ فهي عبادة تحتاج إلى انقطاع، ومجاهدة، وحضور كامل، وفي ذلك يقول المفسرون إن ثِقل الصلاة ليس في أفعالها، وإنما في غياب الخشوع عنها؛ لأن القلب إذا خلا من التعظيم، استثقلت النفس الوقوف بين يدي الله تعالى.

الصلاة عبادة عظيمة كبيرة، تحتاج إلى جهد، قلبي وعقلي، وفي الآية إشارة بسيطة، وهي لفظ: (إلا)، التي بينت أن الأصل في الصلاة أنها ثقيلة إلا على من خشع فيها، وهذا الوصف ثابت في كل عصر، فلم تكن الصلاة أخفّ في زمنٍ دون زمن.

لكنها كانت أهون على قلوبٍ أقل ازدحاماً بالدنيا، القلوب التي عاشت اليقين، واستحضرت الآخرة، أما حين ازدادت المشاغل، وكثرت الملهيات، ظهر ثقل الصلاة على النفوس الغافلة.

ومع تغيّر أحوالنا اليوم، أصبح التمسك بالصلاة محلّ استغراب، لا لأنها غريبة في ذاتها، بل لأن الغفلة صارت مألوفة.

قد تتسلل الخواطر، وتحصل الغفلة وتطفو أمور منسية في الصلاة؛ لا بوصفها فضيلة، بل بوصفها اختباراً للحضور. مجاهدة الخاطر جزء من الخشوع، ولا يتحقق ذلك دفعة واحدة، بل يُنال بالصبر والاستمرار.

الخشوع انكسار داخلي يُشعر القلب بعظمة من يقف بين يديه، وكلما ازداد حضور القلب، صارت الصلاة أقرب إلى الراحة منها إلى التكليف.

ومن القصص الواردة عن أحد الصالحين، أنه أصيب في رجله إصابة بالغة، حتى رأى المعالجون أن العلاج يتطلب قطع العضو المصاب، وكان الألم شديداً للغاية، يصعب احتماله في زمن تغيب فيه وسيلة للتخفيف.

وعند حلول وقت قطع عضوه، طلب المصاب أن يُقطع العضو وهو في صلاته؛ لأنها محل الراحة ونسيان الآلام؛ دخل في صلاته بخشوع تام، وانشغال بذكر الله تعالى، فكانت الصلاة ملاذه وسلوانه، وغابت عنه مشقة الجسد تماماً لشدة خضوعه، وكأن قلبه وحده كان يحيا في حضرة الله، بعيداً عن كل ما حوله.

في هذه الحكاية المؤلمة حقيقة عظيمة: أن الخشوع في الصلاة راحة فكرية، تخفف الأعباء النفسية والجسدية، في أصعب الظروف، وتجعل القلب يشعر بأن الله تعالى معه في كل لحظة مهما اشتدت المحن ومهما كثر الألم، وكما في قول ابن القيم رحمه الله: (صلاة بلا خشوع ولا حضور؛ كَبَدن ميّت لا روح فيه)، اللهم اجعلنا من الخاشعين، وتقبل منا ومنكم الطاعات.

aaalsenan @