بين سعر متحفظ وعجز مقلق مع اقتراب بدء السنة المالية 2026-2027، تبرز مجموعة من الأرقام المفصلية في مشروع ميزانية الدولة، تعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها تقديرات إنتاج وسعر النفط الخام الكويتي، المصدر الرئيسي للإيرادات العامة.
في وقت قدّرت الميزانية معدل إنتاج النفط الخام الكويتي بنحو 2.6 مليون برميل يومياً، وهو رقم يعكس سقفاً إنتاجياً طموحاً، لكنه يظل مرتبطاً بالتزامات الكويت ضمن تحالف (أوبك+) الذي يضم كبار المنتجين من داخل منظمة أوبك وخارجها.
وفي ظل التوازنات الدقيقة في أسواق الطاقة، يبقى الالتزام بحصص الإنتاج عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الكويت على بلوغ هذا المستوى الإنتاجي بصورة مستقرة خلال العام المالي.
الميزانية حددت سعر برميل النفط الكويتي عند 57 دولاراً (فوب ميناء الأحمدي)، وهو تقدير يقل بنحو 11 دولاراً عن متوسط العام الماضي. ويأتي هذا التقدير في وقت يبلغ فيه سعر الخام الكويتي حالياً نحو 67 دولاراً للبرميل، وفق مؤشر نفطي دبي وعُمان.
هذا الفارق يطرح تساؤلات مشروعة: هل الرقم استرشادي ومحافظ للغاية؟ أم أنه يعكس مخاوف حقيقية من تقلبات السوق؟ واقعياً، من الصعب تصور هبوط الأسعار إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل لفترة ممتدة، في ظل حرص الدول المنتجة -سواء داخل (أوبك+) أو حتى منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة- على حماية مستويات سعرية تغطي تكاليف الإنتاج والنفقات التشغيلية. إذ إن انخفاض الأسعار إلى مستويات متدنية سيدفع المنتجين إلى خفض الإنتاج وتقليص التكاليف، ما يعيد التوازن ويدعم الأسعار صعوداً.
وفق هذه الفرضيات، يُتوقع أن تسجل الميزانية عجزاً يناهز 10 مليارات دينار كويتي، وهو رقم كبير يعكس الفجوة بين الإيرادات المتوقعة والمصروفات المتنامية. ويبدو أن الإشكالية لا تكمن فقط في سعر النفط المقدر، بل في تنامي بند المصروفات الذي يرفع نقطة التعادل في الميزانية.
الرقم الثاني اللافت هو السعر التعادلي للميزانية العامة، والمقدر بنحو 90.5 دولار للبرميل. بمعنى أن تحقيق التوازن المالي -دون عجز- يتطلب بقاء سعر برميل النفط الكويتي عند هذا المستوى طوال السنة المالية.
غير أن هذا السيناريو بدوره يبدو بعيد المنال، تماماً كما يبدو من الصعب الهبوط إلى 57 دولاراً لفترة طويلة. فالوصول إلى 90.5 دولار قد يخلق ضغوطاً تضخمية عالمية تنعكس على أسعار السلع والطاقة والنقل، وهو ما قد لا يكون مستداماً اقتصادياً.
وهنا تتجلى المعادلة الصعبة: أسعار منخفضة تعني عجزاً مالياً، وأسعار مرتفعة تعني ضغوطاً تضخمية.
عند اللجوء إلى البنوك العالمية للاقتراض، يظل السؤال المحوري مرتبطاً بتقديرات سعر النفط. فتبني سيناريو متحفظ جداً (57 دولاراً) قد يؤثر في تقييم الجدارة الائتمانية وشروط الاقتراض. لذلك، تبدو الحاجة ملحة لاعتماد تقديرات متوازنة لا تعكس تشاؤماً مفرطاً ولا تفاؤلاً غير محسوب.
لا يزال النفط يشكل نحو 79 % من إجمالي الإيرادات السنوية للدولة، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إذا ما تم رفع الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يومياً، وهو هدف قابل للتحقيق تقنياً، خصوصاً عبر التعاون مع الشركات الأجنبية وزيادة الاستثمارات في تطوير الحقول ورفع الكفاءة الإنتاجية.
كما أن تعزيز الطاقات التكريرية داخل الكويت وخارجها يسهم في تأمين أسواق مستقرة للنفط الخام الكويتي، ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة صادراتها.
وتملك الكويت استثمارات خارجية تقدر بنحو تريليون دولار، إضافة إلى احتياطي نفطي يتجاوز 90 مليار برميل، ما يضعها في مرتبة متقدمة عالمياً. غير أن استمرار العجز السنوي يفرض تحديات على المديين المتوسط والطويل، خصوصاً في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية.
وفي الخلاصة، إن ميزانية 2026-2027، لا تحمل مفاجآت كبيرة بقدر ما تعكس استمرار المعادلة التقليدية: عجز مالي مرتبط بسعر نفط متحفظ، ومصروفات مرتفعة ترفع نقطة التعادل إلى مستويات يصعب تحقيقها.
وبين صعوبة هبوط السعر إلى 57 دولاراً، واستحالة بقائه عند 90.5 دولار طوال العام، يبقى الحل الأكثر واقعية في مزيج من ضبط المصروفات، ورفع كفاءة الإنتاج، وزيادة الطاقة الإنتاجية، مع قراءة أكثر توازناً لتحركات سوق النفط العالمية.
كاتب ومحلل نفطي مستقل