تقول الأسطورة اليونانية إن الإله الأسطوري زيوس، منح امرأة تُدعى باندورا، كلَّ ما هو جميل في الحياة، لكنه أعطاها صندوقاً وطلب منها ألا تفتحه. بعد فترة غلبها الفضول ففتحته، فانطلقت منه كل الشرور والحسد والفتن والأمراض، وانتشرت بين الناس واستشرت فيهم. وبطبيعة الحال، هذه مجرد أسطورة قديمة لا أساس لها من الصحة، لكنها انتشرت بوصفها سردية أدبية، وأصبح مفهوم «صندوق باندورا» يطلق على أي شيء تنبثق منه غرائب وعجائب شريرة.

جيفري إبستين، الرجل الغامض الذي صعد إلى القمة من العدم بصورة تكاد تكون أسطورية، يُقال إنه مات في ظروف يلفها الغموض، تاركاً خلفه وثائق ومعلومات وملفات مصورة تنبثق منها الفضائح والجرائم، وتكشف التناقضات البشرية لدى بعض السياسيين والعلماء والفنانين والحقوقيين وغيرهم.

في كل يوم تتكشف وقائع جديدة وأسماء كبيرة وفضائح تتجاوز حدود التصور مثل، اعتداء على أطفال، واتجار بالبشر واستعباد، وتعذيب، واغتصاب، وابتزاز، ومخدرات، ومؤامرات، وفساد، وخيانات. وتحولت هذه الجرائم إلى مادة لنسج قصص غير مؤكدة عن طقوس شيطانية وأكل لحوم بشرية.

لا شك أن بعض الناس قد اختلق قصصاً من عنده حول هذه القضية، غير أن جانباً كبيراً منها يستند إلى مواد مصورة وموثقة بالصوت والصورة والكتابة، بما يجعل دحضها أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، استغل آخرون هذه الأحداث لنسج أساطير تتأرجح بين الحقيقة والخيال، وتحولت إلى روايات غرائبية تُغذي شهوة الإثارة.

هذه الحال تكشف آلية تشكل الأساطير وكيف تتحول إلى مواد ثقافية وفنية، وربما أدبية، يتعامل معها المستفيدون بوصفها رأسمال للشهرة. «صندوق إبستين» لم يخل من هذه الأساطير، لكنه في الوقت ذاته يكشف حقائق صادمة عن تناقضات بعض السياسيين والنشطاء الحقوقيين والمثقفين ورجال المال والأعمال الذين سقطوا في اختبار الفضائح الجنسية. ويبدو أن ثمة من يرغب في انتشار هذه الأساطير حتى «يختلط الحابل بالنابل»، كما يقول المثل الكويتي، فتضيع الحقيقة وسط الضجيج في الطريق.

لقد أفرجت وزارة العدل الأميركية عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، لكن يعتقد أن هذا الحجم لا يمثل سوى أقل من نصف المحتوى الكامل. أما النصف الآخر فهو مربط الفرس وجوهر المسألة، وربما يفوق في دلالاته كل القصص والأساطير المتخيلة. وهذا الجزء المخفي من «صندوق إبستين» يرتبط على الأرجح بالذين وظّفوا ومكّنوا وسهّلوا صعود هذه الشخصية.

يبقى السؤال: كيف يتمكن رجل لم يعرف عنه تميز فني، ولم يحمل شهادة جامعية، وعمل مدرساً ثم فُصل من عمله، ثم الانتقال إلى عالم المال والأعمال ليصبح مليارديراً في سنوات قليلة؟ كيف لشخص ولد لأبوين يعملان في وظائف متواضعة أن يصعد إلى القمة بهذه السرعة الصاروخية؟ من الذي ساعده، ومن الذي وقف إلى جانبه، وكيف تمكن من نسج شبكة علاقات عالمية مع شخصيات من الصف الأول؟ هل كان لديانته اليهودية دور في علاقة باللوبي الصهيوني والنخب الاقتصادية الكبيرة في الولايات المتحدة الأميركية؟ ولماذا كانت أنشطته موثقة ومصورة بهذا القدر؟ وكيف أُنهيت قصته الدرامية مشنوقاً في ظروف لا تزال مثار جدل؟ ولماذا تدفقت الفضائح من صندوقه بهذه السرعة، رغم أنه مات كما يقال في عام 2019؟ ومن المستفيد من كل ذلك؟ ولماذا لم يظهر اسم بعض الشخصيات العالمية المتوقعة من أمثال نتنياهو، في هذه القضية رغم الروابط الدينية أو الاقتصادية أو النخبوية التي تجمعها به؟

السؤال الأخير هو الأهم، إذ قد يكمن فيه لغز الصندوق كله!