إعلانات الوفيات... بين واجب الإبلاغ وصون الكرامة

تصغير
تكبير

تؤدي إعلانات وظيفة اجتماعية واضحة: إبلاغ الناس بالخبر، وتحديد مواعيد الدفن والعزاء، وربط المجتمع بأهله في لحظة إنسانية دقيقة. غير أنّ طريقة صياغة هذه الإعلانات، لاسيما حين تتعلّق بالنساء، تستحق وقفة مراجعة صادقة.

فمن خلال سطر أو سطرين في بعض المواقع، يستطيع القارئ -دون أن يُطلب منه ذلك- أن يستنتج ما إذا كانت المتوفاة زوجة أو أرملة أو مطلقة أو لم يسبق لها الزواج. وأحياناً تكون المتوفاة وأهلها في وضع أكثر تعقيداً، حين تكون هناك دعاوى انفصال منظورة أمام المحاكم لم يُبتّ فيها حتى تاريخ الوفاة، أو زواج سابق انتهى بظروف مؤلمة، أو حياة أسرية مضطربة لم يكن الإعلان الجنائزي المكان المناسب لاستحضارها.

هذه التفاصيل مهما كانت صحيحة فإنها لا تضيف شيئاً إلى الغاية الأساسية من الإعلان، لكنها في المقابل تفتح أبواب التأويل والفضول الاجتماعي، وتحمّل الأسرة -في لحظة فَقْد- عبئاً إضافياً لا مبرّر له.

الإشكال هنا ليس في الإخبار بل في طريقة التعريف:

فغالباً يُعرَّف الرجل باسمه الكامل ونَسَبه، بينما تُعرَّف المرأة عبر حالتها الزوجية أو الاجتماعية، كأن هويتها العامة لا تكتمل إلا من خلال هذه الصلة. قد لا يكون في ذلك قصدٌ مُسبق للإساءة، لكنه انعكاس لعرف اجتماعي قديم يحتاج إلى تحديث، خصوصاً في عصر تتسارع فيه تداولات المعلومات وتنتشر فيه الإعلانات على نطاق واسع خارج الدوائر العائلية الضيقة.

ومن زاوية الخصوصية، تصبح المسألة أشدّ حساسية عندما نتذكّر أوضاعاً معقّدة تعيشها بعض النساء قبل وفاتهن:

أرامل أو متزوجات كنّ في طور الانفصال القضائي ولم يُكتب له الاكتمال، أو نساء خرجن من زيجات متعثّرة، أو من نزاعات أسرية طويلة. هل من العدل أن تُختصر حياة امرأة في توصيف قانوني أو اجتماعي معلّق؟ وهل من الضروري أن تتحوّل هذه الملابسات إلى معلومة عامة في إعلان؟

من هنا، يبدو من الملحّ إعادة التفكير في ثقافة نشر هذه الإعلانات، والانتقال إلى صيغة مختلفة تقوم على:

- ذكر اسم المتوفاة بوضوح واستقلال.

- الاكتفاء بالمعلومات اللازمة للتعريف ومواعيد العزاء.

- عدم فرض ذكر الحالة الزوجية أو الأسرية في منصات الوفيات العامة.

- ترك هذه التفاصيل إن رغبت الأسرة لإعلانات خاصة يصدرها الزوج أو الأبناء وحدهم، يعرّفون فيها بالمتوفاة بوصفها زوجتهم أو أمّهم، وبالطريقة التي يرونها مناسبة بمقامها وبمشاعرهم.

القضية ليست معركة ضد الأعراف، بل دعوة إلى تطويرها بما ينسجم مع قيم الرحمة والستر وصون الكرامة الإنسانية. فالميت -رجلاً كان أو امرأة- أحقّ بأن يُذكر باسمه، لا بسجلّ علاقاته، وأهله أحقّ بأن يُعانوا على الحزن، لا أن يُدفعوا إلى مواجهة همسات وتأويلات جانبية.

ربما آن الأوان أن تسأل الجهات المعنية نفسها:

هل يخدم هذا التفصيل غاية الإعلان؟

أم أنّ الاكتفاء بما يليق بالمقام أَولى؟

في لحظة الوداع الأخيرة، أقلّ ما يمكن أن نقدّمه هو لغة هادئة ومحايدة تحفظ للراحلين كرامتهم ولذويهم سكينتهم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي