مما يميّز القانون أنه يتّصف بالعموم والتجريد والحياد التام، ومن سمات القاضي الذي يفصل في الوقائع أن يكون محايداً تماماً، بعيداً عن أي وسائل للتأثّر أو الانحياز، ومن هنا ظهرت فكرة عدم الصلاحية، سواء التامة أو المطلقة، بوصفها ضمانة جوهرية لنزاهة الحكم. ولعلّ هذا الحياد هو من أهم ما يميّز القانون، ويسهم في إعادة الحقوق إلى أصحابها.

غير أن التساؤل يبقى حاضراً، هل نستطيع فعلًا كبح مشاعرنا؟ وهل يمكن إدانة هذا أو ذاك على نحو مجرّد تماماً من الإحساس؟

فقد يرى الجاني نفسه مُحقّاً، بينما يراه المجني عليه على النقيض تماماً. فامرأة طُلّقت للضرر، على سبيل المثال، قد ترى أن مطلّقها لم يُنصفها عاطفياً أو مادياً، وأنه أخذ منها كذا وتعدّى عليها بكذا، في حين قد يرى الزوج السابق أن أسبابه كانت جلية وواضحة، وأن لكل فعل ردّة فعل... إلخ.

وفي المجال العملي، قد يرى ربّ العمل أن العامل ليس الطرف الضعيف دائماً، مستنداً إلى ما يأخذه عليه من كثرة الأخطاء والتقصير المستمر، بينما يرى العامل أن ما بدر منه ليس إلا ردّاً مشروعاً على ربّ عمل مُجحف، والأمر ذاته يمتدّ على المجال الإداري فقد يرى أحدهم أن قراراً إدارياً مشوباً بالتعسّف في استعمال السلطة، بينما ترى الجهة الإدارية أن القرار أقرب إلى الرشد وتحقيق المصلحة العامة.

وسط هذا التباين، يقف القانوني أو المحامي خصوصاً في حالة من الشتات الذهني بين وجهة نظر موكّله ووجهة نظر خصمه، التي قد يميل إليها في قرارة نفسه أحياناً. وهو أمر إنساني طبيعي، يسبق الألقاب والمهن، ويجد مكانه في التفكير العقلي، متأثراً بطبيعة التنشئة، وتراكم الخبرات، وسمات الشخصية... إلخ.

ومن هنا، أرى أن الحل يكمن في فصل القناعات والآراء الشخصية عن زمام القضية المعروضة تماماً، وترك الفصل فيها للسلطة العليا المختصة، فالفصل بين الشعور والواجب هو أهم ما تعلّمته، ولاأزال أتعلّمه يومياً، عبر القضايا المعروضة أمامي، أو تلك التي أصادفها في أروقة المحاكم فالحقيقة ليست واحدة ولا مطلقة، ومع ذلك أحتفظ ببعض «الدعاوى القلبية» وحرارة التعاطف في داخلي هذا التوازن يشبهني، ويحافظ على جوهري المهني والإنساني، وبين الوقوف هنا وهناك، يُرسم ذلك الخط الفاصل بين الظاهر والباطن حتى وإن بقي في الداخل شيء من التعاطف الإنساني الذي لا ينتقص من المهنية، بل يكمّلها.