تُشير التقارير الجيوسياسية والعسكرية الدولية إلى أن مسار الحرب بين روسيا وأوكرانيا يتجه نحو ترجيح كفة موسكو، سواء على المستوى الميداني أو عبر تسويات سياسية محتملة تضمن المصالح الروسية الأساسية. وفي المقابل، تبدو جبهة الدعم الدولي لأوكرانيا، المتمثلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أقل تماسكاً مما كانت عليه في المراحل الأولى للحرب، لاسيما مع عودة الرئيس دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، وما رافق ذلك من تحولات واضحة في الخطاب والممارسة السياسية الأميركية تجاه الملف الأوكراني.
وقد تجلت ملامح هذا التحوّل في الموقف الأميركي منذ زيارة الرئيس الأوكراني إلى واشنطن، الذي خرج من نطاق دبلوماسية المجاملات إلى التوبيخ العلني، فضلاً عن تصاعد الجدل داخل الإدارة الأميركية حول جدوى استمرار المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا دون وجود رؤية إستراتيجية واضحة تحقق المصالح الأميركية، وهو ما عبّر عنه الرئيس ترامب، في أكثر من مناسبة تحت شعار «أميركا أولاً».
من جهة أخرى، تدرك دول الاتحاد الأوروبي جيداً أن أوكرانيا لا تستطيع الصمود طويلاً بالاعتماد على الدعم الأوروبي وحده في غياب المساندة الأميركية الواسعة. كما تعي هذه الدول أن الإدارة الأميركية قد تمضي في أي لحظة نحو تفاهم مباشر مع موسكو حول أوكرانيا وبشكل مفاجئ على نمطية شخصية الرئيس ترامب، بما يفرض على كييف القبول بالأمر الواقع أو مواجهة هزيمة عسكرية. وإلى جانب ذلك، تواجه أوروبا تراجعاً ملحوظاً في تجارتها مع عدد من أكبر الأسواق العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فضلاً عن أسواق أخرى في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
ولا يقتصر الضغط على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى فرض أعباء متوقعة تتعلق بتمويل إعادة إعمار أوكرانيا، واحتمالات فرض زيادات في الرسوم الجمركية الأميركية على الصادرات الأوروبية، إضافة إلى توترات سياسية متصاعدة، كما ظهر في تصريحات الرئيس ترامب، بشأن غرينلاند وغيرها من القضايا التي تُعيد إلى الأذهان توصيف دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأسبق في عهد جورج بوش، الابن، حين وصف أوروبا بـ«أوربا العجوز».
وفي خضم هذه المعضلات، تتعزز قوة تكتلات اقتصادية عالمية جديدة تسهم في إعادة تشكيل بنية النظام الاقتصادي الدولي، مثل ترتيبات «المحور والأطراف» التي تضم كلاً من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC)، إلى جانب الصعود المتسارع لمجموعة «بريكس» (BRICS). والملاحظ أن دول الاتحاد الأوروبي ليست عضواً ولا حتى لاعباً مركزياً في كل هذه التكتلات التي ترسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
وعليه، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديين رئيسيين متزامنين: تحدياً اقتصادياً متفاقماً، وتحدياً إستراتيجياً يتمثل في الضغط الروسي المتصاعد بعد إنهاك أوكرانيا، إلى جانب ضغوط أميركية تطالب أوروبا بتحمل أعباء أمنية ومالية أكبر، بل وجغرافية أيضاً، في بعض الملفات الحساسة. وفي ظل هذه البيئة الدولية المضطربة، ووفق منطق الواقعية السياسية، لا يبدو أمام أوروبا خيار أكثر واقعية غير فتح آفاق تعاون إستراتيجي متقدم مع الصين.
فالصين، بحكم موقعها في معادلة التوازنات الدولية، تمتلك أدوات تأثير على موسكو، وفي الوقت ذاته تملك أوراقاً اقتصادية وتجارية قادرة على تخفيف وطأة الضغوط الأميركية على أوروبا، إذا ما وجدت واشنطن أن القارة الأوروبية تتجه نحو شراكات أعمق مع بكين على حساب العلاقة الأطلسية التقليدية بين «الحفيد الاميركي» و«أمه العجوز».
ومن هنا، قد تتحول الصين إلى شريك توازني لأوروبا في مواجهة ما يشبه «كماشة» الضغط الروسي–الأميركي، وإن اختلفت دوافع كل طرف وأولوياته.
وفي سياق هذه التحولات الدولية الكبرى، لا يمكن فصل تداعياتها عن الوطن العربي، لاسيما دول الخليج ومصر، التي لا تزال تحظى باهتمام إستراتيجي من الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي على حد سواء. ومن المرجح أن تتأثر هذه الدول بإعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والإستراتيجية، سواء من حيث تدفقات الاستثمار، أو مشاريع البنية التحتية، أو أنماط الشراكات الأمنية والتجارية في المرحلة المقبلة.
إن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد إعادة تموضع دولي واسع النطاق، حيث لن تبقى أوروبا، ولا غيرها من القوى المتوسطة والكبيرة، أسيرة تحالفات جامدة لا تتناسب مع مستجدات التشكيل الجديد للعالم، بل ستسعى إلى تنويع خياراتها الإستراتيجية في عالم يتجه سريعاً نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً وخطورة وأقل قابلية للتنبؤ أو التوقع.