قيم ومبادئ

لو عُربت خُربت

تصغير
تكبير

ابن خلدون - مؤسس علم الاجتماع - وهو سليل جرثومة عربية أصيلة من بلاد اليمن لا يخفى عليه فضل العرب وإنما قرّر في مقدمته أن (العرب اذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب). وهو لا يقصد بطبيعة الحال جنس العرب بل تكلم بلغة العصر باصطلاح معروف عند العلماء، ويقصد به الأعراب والأعراب المقابلين لأهل المدن والعرب جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بيّن العروبة وهم أهل الأمصار، قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرىٰ) الذين هم أكمل عقولاً وأصح آراءً وليتبيّن أمرهم ويتضح شأنهم.

وليس الأعراب جمعاً للعرب كما كان الأنباط جمعاً لنبط، وإنما العرب اسم جنس والعرب العاربة هم الخلّص منهم والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلّص وكذلك المتعربة... والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب، والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب...

وسميت العرب عرباً لأن ولد اسماعيل، نشأوا من عربه وهي من تهامة فنسبوا إليها وأقامت قريش بعربه وهي مكة وانتشر سائر العرب في جزيرتها، قال تعالى (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله). قال المفسرون لأنهم أبعد عن معرفة السُنن ولأنهم غلاظ الأكباد جفاة الأقوال وأبعد عن سماع التنزيل، ولهذا جاء في صدر الإسلام حرمانهم من الفيئ والغنيمة لأنهم لم يهاجروا إلى المدينة.ونعود لما سبق لماذا قال ابن خلدون (بأن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب!) الجواب، لأنه يرى أن الأعراب ينتصرون بالعصبية وحدها لكنهم لا يميلون للإدارة وحُسن التنظيم بطبعهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (خيارهم في الجاهلية في الإسلام إذا فقهوا) فإذا تعلّم العرب الإسلام الصحيح وطبقوه على أنفسهم حلّت البركة وعمّروا الديار.

هذا معنى كلام بن خلدون لا أن العرب غير قادرين على بناء الحضارة فهو لم يقل ذلك. لأن الحضارة تحتاج دولة قوية وقانوناً وإدارة واستقراراً وموارد طبيعية وموارد بشرية ولا تنشأ الحضارة من العصبية... كما قرر ابن خلدون في موضع آخر في مقدمته أن العرب أسسوا دولاً عظيمة وازدهرت عندهم الحضارة حينما اختلطوا بغيرهم واعتمدوا على أهل الصنايع والمحاسبة من أهل الخبرة وأهل العلم، مثلما حصل في الدولة الأموية والعباسية ودويلات الطوائف وغيرها.

وخلاصة القول إن ابن خلدون لم يكره العرب ولم يقدسهم ويرفعهم فوق مكانتهم... وواقعنا اليوم اختلف فلم يعد هناك قبيلة بالمعنى الحرفي القديم، لكن أصبح عندنا مصالح أحزاب وفرق مختلفة وطوائف وايديولوجيات تسيطر لأنها أكثر تنظيماً وتضامناً لا لأنها أعدل أو أذكى او أصح من غيرها؟

أما واقعنا اليوم فتجد الولاء للأشخاص لا للحق والفضيلة والمبادئ والقيم، والنتيجة عند معظم دول العرب مدنية هشة واقتصاد ضعيف وثقافة مظهرية فقط مع الثراء السريع (المفاجئ) بدون بناء حقيقي للإنسان وتعليم صحيح وانعدام إدارة مهنية ومحاسبية رشيدة. والنتيجة استهلاك أكثر من الناتج القومي وبطالة وإدمان استيراد منتجات الحضارة بلا توقف! بدل توطينها. فإذا اكتفى العرب بذلك خُرِبت ديارُهم.

بهذا المعنى تفهم لو عُربت خُربت.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي