الذكاء فضيلة أخلاقية وروحية وهو ليس فقط سرعة بديهة أو حيلة فكرية، بل هو قيمة أخلاقية تعزّز الإيمان وتحمي الإنسان من مزالق الشيطان.

وقيل:

(لأن يزول الجبل حجراً حجراً أيسر على الشيطان من مكايدة المؤمن العاقل).

وهي مقولة تعكس مركزية العقل في منظومة الإيمان.

والذكاء متاح لجميع الناس لم يقتصر على العلماء، بل فتح الباب أمام الجميع أطفال، نساء، عامة الناس حتى الحيوانات ليبرهن بأن الذكاء هبة عامة تظهر في المواقف التي تستدعي الحدس السريع أو الخروج من مأزق. من خلال هذه الأفكار يظهر أن الذكاء ليس كتاباً ترفيهياً بل مشروع تربوي وفكري هدفه إحياء قيمة العقل في ضوء الإيمان.

وللذكاء أنماط مختلفة:

فقهية، لغوية، حججية سياسية، أدبية، حربية وحتى كوميدية.

وهي محاولة مبتكرة ممكن تسميتها اليوم (بالذكاءات المتعددة)، وهو وسيلة إصلاح يسعى إلى تلقيح ألباب السامعين وتحفيزهم على بلوغ مراتب العقل ومحاسبة من يعجب بنفسه إذا قورنت بعقل غيره.

لاقى كتاب «الأذكياء» لابن الجوزي، تقديراً واسعاً في أوساط العلماء والأدباء والنقاد، لا، لأنه كتاب مسلٍ فحسب بل، لأنه جمع بين الأطراف في الأدب وعمق الفكر.

وقدّم نموذجاً نادراً للمزج بين القصص والرسائل التربوية واعتبر بداية لتيار ما يعرف بأدب النوادر العقلية.

وهو جنس أدبي يجمع بين الرواية القصيرة والحكمة المستخلصة.

أما الأدباء:

فوجدوا في الكتاب غزارة في الأسلوب وتنوّعاً في البنية السردية حتى تميز ابن الجوزي، بخفة ظله وبلاغته في الوصف وحرصه على استخدام السجع دون تكلف، والربط بين الموقف والفكرة بدقة.

والنقاد في العصر الحديث: وصفوا الكتاب بأنه مرآة لعلم النفس الاجتماعي في القرن السادس الهجري، لأنه يعكس تطورات الناس عن العقل والذكاء.

ويظهر كيف كانت المجتمعات الإسلامية تقيم المواقف والردود والحيل والدراسات التربوية الحديثة: أشارت إلى أن الكتاب يعكس نظرية تربوية تقوم على التعلم بالسرد، حيث تزرع الفضائل في النفس من خلال رواية النماذج الحية، وهو ما يتقاطر مع أساليب التعليم القصصي المعتمدة في المدارس المعاصرة.

ويزخر هذا الكتاب بجملة من المقولات التي تحمل في طياتها حكمة عظيمة أو طرفة ذكية وقد رافقها تعليق أدبي من ابن الجوزي، يشرح به المقصد أو يربطهما بموقف مشابه.

من هذه المقولات:

(لأن يزول الجبل حجراً حجراً أيسر عن الشيطان من مكايدة المؤمن العاقل).

تعكس هذه المقولة مكانة العقل في مقاومة الفتن، وتدل على أن العاقل لا يُستدرج إلى الخطيئة.

وأيضاً من المقولات الرائعة:

(ما أوتي عبدٌ بعد الإيمان خيراً من العقل).

تأسس هذه العبارة من منظور إسلامي يرى العقل قريناً للإيمان لا نقيض له.

من علامات العاقل:

أن يتواضع لمَنْ فوقه ولا يزدري مَنْ دونه.

هذه المقولة تشير إلى أن الذكاء الحقيقي ليس في الذكاء المجرد بل في الأخلاق التي ترافقه.

هنيئاً للأذكياء بما حباهم الله الكريم من خير عميم، وأول ما خلق الله الكريم العقل، فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر.

قال جل جلاله:

(وعزتي وجلالي لأُثيب بك وأُعاقب).

لذا، فإن المحدثين والمفكرين والعلماء يمتازون بعقول ثاقبة جعلتهم يسودون مجتمعاتهم...

حقاً:

إذا ارتقت العقول بأفكارها طابت الألسن بحديثها.