ذكر «معهد نيولاينز»، في تقرير مفصل ومثير للاهتمام،أن ميليشيات «الحشد الشعبي» العراقية الموالية لإيران، تعمل على «إنشاء نظام جديد للسيطرة على منطقة استراتيجية تربط العراق وسورية»، و«تستغل الفراغ الناجم عن انهيار دولة داعش، وتعمل على بناء مؤسسات أمنية واجتماعية وسياسية واقتصادية للسيطرة» على المنطقة.

وأورد تقرير مركز الأبحاث ومقرّه واشنطن، أن الميليشيات ذات الغالبية الشيعية، اخترقت الشرطة والأمن، وهو ما سمح لها «بمراقبة تحركات المواطنين، والتجارة، وغير ذلك من جوانب الحياة الخاصة للعراقيين».

وأضاف أن «بعض الفصائل تهدد الصحافيين، وتقطع الطرق المؤدية إلى مناطق تجارية مهمة لعرقلة الأعمال، وتقوم باعتقال ونقل العشرات من السكان إلى مواقع مجهولة».

عنف الميليشيات، يطاول الأكاديميين كذلك، اذ تمارس التهديد وأعمال العنف، لتعيين أكاديميين موالين لها في موقع مسؤولين عن بعض الكليات الأكثر أهمية في المحافظات.

كما أنشأت مدارس لا تتبع الأنظمة والقوانين المحلية أو الفيديرالية.

ويتابع التقرير أن بعد تحرير الموصل وبقية محافظة نينوى من «داعش»، بدأت الميليشيات تتلاعب بملكية الأراضي والانخراط في هندسة ديموغرافية، وقامت بتوزيع الأراضي الزراعية في منطقة سهل نينوى على مقاتليها.

«كانت هذه القرى الواقعة على مشارف الموصل ذات غالبية مسيحية، استولى عليها داعش في 2014، ثم بعد أن استعادت قوات الأمن، القرى، استولت الميليشيات على أراضي برطلة والحمدانية ومناطق أخرى، ما منع العديد من المسيحيين من العودة».

كما أدرج مقاتلو الميليشيات المنحدرون من وسط العراق وجنوبه نفوسهم في سجلات «سهل نينوى والموصل، من أجل إضفاء الشرعية على الاستيلاء على الممتلكات»، بحسب التقرير.

ويضيف أن «الأوقاف الشيعية ضمت 17 موقعا في المدينة القديمة في الموصل، وعندما تم الطعن بهذه الخطوات، قامت الميليشيات الشيعية باستعراض قوة في وجه السلطات المحلية لاجبارها على نقل ملكية المواقع والأوقاف السنية»، كما سيطرت على أكثر من 72 حقلاً نفطياً في منطقة القيارة، جنوب الموصل، وتقوم بضخ ما يعادل نحو 100 شاحنة صهريج نفط خام يومياً، تبيعها في السوق وتفيد من عائداتها.

وللميليشيات مصادر تمويل أخرى، اذ هي تجني «مئات الآلاف من الدولارات يومياً من خلال عمليات الابتزاز عند نقاط التفتيش غير القانونية التي أقامتها في عموم أنحاء البلاد، وتطالب المطاعم الكبيرة بأموال حماية تراوح بين ألف وثلاثة آلاف دولار شهريا».

أما المالكون ممن يمتنعون عن الدفع، فيتم تفجير مطاعمهم.

وتنسب التقارير العسكرية، «بما فيها الصادرة عن الجيش العراقي، الانفجارات زورا إلى داعش».

لكن «الحشد» يواجه «مقاومة شيعية» ضد تصرفاته، اذ قامت الميليشيات المولجة حماية الأضرحة الشيعية بالانشقاق عن «الحشد»، وتصاعدت الاحتكاكات بينها وبين المعروفة بـ«الولائية»، أي التي تقسم الولاء لمرشد ايران الأعلى علي خامنئي، وكذلك نشب توتر بين «الحشد والميليشيات السنية والعشائرية».

ويورد التقرير أن ميليشيات الأضرحة والعشائر السنية تتسلم أسلحة ومعدات أقل فاعلية من نظيرتها «الحشد الشعبي».

وتوجه التقرير الى صانعي القرار الأميركيين بالقول إن «القضاء على داعش لم يحقق الاستقرار في العراق، بل هو خلق سياق جديد للصراع والاضطراب الذي ستكون عواقبه إقليمية، وسيخلق تعقيدات للولايات المتحدة».

وأوضح أن «إحدى النتائج غير المقصودة لتحرك الولايات المتحدة لإحداث تغيير النظام، هي سقوط العراق في المدار الجيوسياسي لإيران، التي تمكنت من تنصيب السياسيين الموالين لها، وغالبيتهم من الشيعة، في مناصب رفيعة في النظام السياسي الجديد الذي بناه الأميركيون».

مع ذلك، يتابع التقرير، «كانت الدولة العراقية الوليدة ضعيفة، وبالتالي غير قادرة على مواجهة نشاطات الجمهورية الإسلامية المصممة للسيطرة على جارتها الغربية».

وفي السياق، عمدت طهران الى تنمية قدرات الميليشيات الشيعية كأداة رئيسية يمكن من خلالها تحويل دولة، مثل العراق، كانت تمثل تهديدا على ايران «إلى دولة ضعيفة وخاضعة للرغبات الايرانية».

واستعرض التقرير تاريخ نشوء الميليشيات المتحالفة مع إيران. وأوضح أنها لم تظهر كقوة رئيسية «إلا بعد خروج الجيش الأميركي من العراق بفترة طويلة بعد عام 2011، وبعد أن تمكن (داعش) من إقامة دولته في 2014».

هكذا، من خلال الدور الحاسم الذي لعبته الميليشيات في تفكيك «داعش»، أثبت «الحشد نفسه كقوة رئيسية، ومع حلول 2017، ونتيجة لمشاركته في تحرير المناطق التي سيطر عليها (داعش)، ظهر تحالف الميليشيات الشيعية كمركز قوة ينافس بغداد ويهدد أمن كل العراقيين.

ولم يقتصر تهديد الحشد بقيامه بطريقة غير مسبوقة بالسيطرة على المناطق ذات الغالبية السنية، بل شكلت هذه الميليشيات تحديا لسلطة الدولة».

كذلك اخترقت «الميليشيات جهاز الأمن القومي، وصارت تتلقى أموالاً رسمية من الدولة منذ أن قام رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، في 2018، بمحاولة لدمجها في قوات الأمن الحكومية، وهو ما قد يضعف سلطة الحكومة الفيديرالية في بغداد»، وفق تقرير «معهد نيولاينز».

ولفت الى أن «الحشد يمثل تحدياً كبيراً لجهود الولايات المتحدة للعمل مع الحكومة العراقية ومواجهة نفوذ إيران، في وقت بدأت هذه الميليشيات بتهديد القوات التركية التي تحاول بسط نفوذها في شمال العراق».

وختم بأن الميليشيات تسيطر «على قطاعات رئيسية تتجاوز الأمن، مثل العقارات والبناء والبنية التحتية والتعليم، وبهذه الطريقة، تعزز قبضتها في مناطق شمال غرب العراق، وتعزز إستراتيجية إيران الإقليمية الأوسع بالتمدد عبر بلاد الشام إلى البحر الأبيض المتوسط».