رفض أوروبا خوض حرب ترامب - نتنياهو... أزمة في حلف «الناتو»

تصغير
تكبير

- التردّد العسكري يعكس خلافات أعمق حول الإستراتيجية والمخاطر الاقتصادية ومستقبل التحالفات العالمية

كشفت الحرب في إيران، عن أحد أعمق التصدعات في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود. فما بدأ كحملة عسكرية مشتركة بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سرعان ما تحوّل إلى مواجهة جيو- سياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. ويكمن جوهر هذا الانقسام في حقيقة بسيطة ولكنها بالغة الأهمية: رفض أوروبا إلى حد كبير المشاركة في الحرب.

لا يقتصر هذا الرفض على التردد العسكري فحسب، بل يعكس خلافات أعمق حول الإستراتيجية والمخاطر الاقتصادية ومستقبل التحالفات العالمية.

ومع تصاعد التوترات، ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك، مهدداً علناً بسحب الولايات المتحدة من حلف «الناتو»، ما يثير تساؤلات حول مستقبل النظام الأمني الغربي. فقد عبّر عن «اشمئزازه» من الحلف، وأكد أنه «يدرس بجدية» سحب الولايات المتحدة من عضويته.

منذ البداية، أبدت الحكومات الأوروبية تردداً في دعم الحملة ضد إيران. وبينما صوّرت واشنطن الحرب على أنها ضرورية لتحييد التهديدات وإعادة تشكيل الشرق الأوسط - ولكنها في الواقع تخدم الحملة السياسية لنتنياهو، الذي دعا إلى مواجهة إيران لأكثر من 16 عاماً - رأى العديد من القادة الأوروبيين الأمر في شكل مختلف.

واتخذت دول عدة خطوات ملموسة للنأي بنفسها عن الصراع. رفضت فرنسا منح الطائرات المرتبطة بالمجهود الحربي حق التحليق فوق أراضيها. ومنعت إيطاليا بعض العمليات العسكرية الأميركية من قواعدها. وذهبت إسبانيا أبعد من ذلك برفضها التام السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي.

لم تكن هذه مجرد لفتات رمزية، بل حدّت في شكل مباشر من القدرات اللوجستية للعمليات الأميركية، ووجهت رسالة سياسية واضحة: هذه ليست حرب أوروبا.

وفي مختلف أنحاء أوروبا، أكد القادة أن هدف «الناتو» هو الدفاع الجماعي، وليس المشاركة في حروب هجومية يبدأها عضو واحد. وبما أن إيران لم تهاجم أي دولة من دول الحلف، فإن بند الدفاع المشترك لا ينطبق عليها. وأصبح هذا التمييز القانوني جوهرياً لموقف أوروبا.

«ليست حربنا»

أصبحت عبارة «ليست هذه حربنا»، شعاراً بارزاً لدى صانعي السياسات الأوروبيين، إذ عكست حسابات إستراتيجية أوسع.

أولاً، برزت مخاوف من التصعيد. فحرب شاملة مع إيران تُهدد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط برمته، وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية، واحتمال جرّ قوى أخرى إلى الصراع.

وكانت الاقتصادات الأوروبية، التي تتأثر أصلاً بتقلبات أسعار الطاقة منذ الحرب على أوكرانيا والعقوبات المفروضة على النفط والغاز الروسيين، أكثر عرضةً للخطر.

ثانياً، ساد التشكيك في أهداف الحرب. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تستهدفا البنية التحتية العسكرية فحسب، بل سعتا أيضاً إلى تغيير النظام في إيران. وقد أثار هذا الأمر، بالنسبة إلى العديد من الحكومات الأوروبية، مقارنات مقلقة مع تدخلات سابقة أدت إلى زعزعة استقرار طويلة الأمد.

ثالثاً، كان للسياسة الداخلية دورٌ حاسم. فقد كان الرأي العام في العديد من الدول الأوروبية معارضاً بشدة لحرب أخرى في الشرق الأوسط. ولم يكن القادة مستعدين لتخصيص قوات أو موارد لصراع جديد.

حتى المملكة المتحدة، التي تُعدّ تقليدياً من أقرب حلفاء واشنطن، قاومت الانخراط في شكل أعمق. وأوضح رئيس الوزراء كير ستارمر أن القرارات البريطانية (غير المسبوقة) ستسترشد بالمصلحة الوطنية، لا بضغوط واشنطن، واستبعد المشاركة في العمليات البرية.

لم يكن موقف أوروبا سلبياً تماماً. فبينما رفضت المشاركة القتالية، استكشفت دول عدة أدواراً بديلة، لاسيما في ما يتعلق بتأمين الممرات البحرية مثل مضيق هرمز. ومع ذلك، حتى في هذا الصدد، أصرّت أوروبا على شروط. فبدلاً من الانضمام إلى العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، اقترحت الحكومات الأوروبية مقاربات متعددة الطرف مرتبطة بجهود وقف إطلاق النار والأطر الدبلوماسية.

يعكس هذا ثقافة إستراتيجية أوروبية أوسع تُعطي الأولوية للدبلوماسية والتعددية على العمل العسكري الأحادي.

على سبيل المثال، سمحت ألمانيا باستمرار استخدام بعض القواعد الأميركية لكنها تجنّبت المشاركة المباشرة. شدّدت فرنسا على الاتساق القانوني. انتقدت إسبانيا الحرب علناً. تُظهر هذه الاختلافات أن أوروبا لم تكن موحدة في التكتيكات، لكنها كانت متفقة في شكل عام على مقاومة الانخراط الكامل.

ردّ ترامب، على موقف أوروبا بإحباط وعداء متزايدين. حيث انتقد علناً الحلفاء الأوروبيين لاستفادتهم من الضمانات الأمنية الأميركية مع رفضهم دعم المبادرات العسكرية. وفي تصريحٍ لافت، دعا الدول الأوروبية إلى «تأمين نفطها بنفسها»، مُلمحاً إلى ضرورة تأمينها لإمدادات الطاقة إذا لم تكن راغبة في المساعدة في النزاع.

كما اتهم ترامب الحلفاء بالتخلي عن الولايات المتحدة، معتبراً أن الحلف أصبح «طريقاً ذا اتجاه واحد». وشكّل هذا الخطاب تصعيداً حاداً للتوترات السابقة خلال فترة رئاسته. فبينما كان ترامب ينتقد «الناتو» منذ فترة طويلة بسبب قضايا تقاسم الأعباء، حوّلت الحرب الإيرانية هذا النقد إلى ما هو أخطر: تحدٍّ لوجود الحلف نفسه.

وكان التطور الأكثر دراماتيكية هو عندما فكّر ترامب، علناً في سحب الولايات المتحدة من «الناتو». ووصفه بأنه «نمر من ورق»، وتساءل عن جدواه إذا رفض الحلفاء دعم الأولويات الإستراتيجية الأميركية.

لم يكن هذا تصريحاً معزولاً، بل كان جزءاً من سلسلة تصريحات أوسع تشير إلى أن الولايات المتحدة قد لا تضمن الأمن الأوروبي بعد الآن. والتداعيات هائلة. فقد كان حلف الناتو حجر الزاوية للدفاع الغربي منذ عام 1949. ويضمن مبدأ الدفاع الجماعي، المعروف بالمادة الخامسة، أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعتبر هجوماً على جميع الأعضاء.

إذا انسحبت الولايات المتحدة، سيضعف التحالف في شكل جوهري. وستواجه أوروبا تحدي الدفاع عن نفسها من دون شريكها العسكري الأقوى.

لماذا تتمسك أوروبا بموقفها؟

إن قرار أوروبا بالتمسك بموقفها، حتى في مواجهة الضغوط المباشرة من ترامب، لا ينبع من خلاف واحد، بل من مجموعة متداخلة من المخاوف التي تعزز بعضها بعضاً.

وإلى جانب المخاوف القانونية، يكمن خوف أعمق من التصعيد. يُدرك صانعو السياسات الأوروبيون تماماً مدى سرعة تحوّل الصراع الإقليمي إلى صراع أوسع بكثير. فالحرب التي تشمل إيران ليست سهلة الاحتواء، إذ تنطوي على خطر جرّ الدول المجاورة، وزعزعة استقرار المناطق الهشة أصلاً، بل وحتى خلق مواجهة غير مباشرة مع قوى عالمية أخرى.

بالنسبة إلى أوروبا، الأقرب جغرافياً إلى الشرق الأوسط من الولايات المتحدة، لن تكون العواقب مجردة، فمن المرجح أن تُشعر في شكل مباشر بتدفقات اللاجئين والتهديدات الأمنية وعدم الاستقرار الإقليمي.

كما يُوجد قلق دائم في شأن طرق الشحن الحيوية وممرات الطاقة، فإذا ما تعطلت هذه الطرق، ستنتقل آثارها سريعاً إلى الاقتصادات الأوروبية والحياة اليومية.

بدأ هذا البُعد الاقتصادي يظهر جلياً، وهو ما يُفسر جزئياً سبب توخي الحكومات الحذر. فقد أدت أسعار الطاقة المتزايدة إلى ضغوط على الصناعات والأسر في جميع أنحاء أوروبا. ويُهدد التضخم، الذي بدأ يستقر أخيراً في بعض البلدان، بالارتفاع مجدداً نتيجةً للصراعات المطولة.

وتشهد الاقتصادات الأوروبية ترتبط أوروبا ارتباطاً وثيقاً بأسواق الطاقة العالمية، وأي انقطاع في الإمدادات أو ارتفاع في الأسعار يُلاحظ فوراً. ولن يقتصر دخول الحرب على التكاليف العسكرية فحسب، بل سيزيد من الضغوط الاقتصادية في وقت مازالت فيه العديد من الحكومات تُكافح التعافي من آثار الجائحة وغيرها من الضغوط المالية.

بالنسبة إلى القادة السياسيين، يُشكل هذا حسابات واضحة: مخاطر التورط تفوق الفوائد غير المؤكدة.

في الوقت عينه، هناك تحول إستراتيجي أوسع نطاقاً جارٍ. فقد سرّعت الحرب من رغبة أوروبا المتنامية منذ زمن طويل في مزيد من الاستقلالية في سياستها الخارجية.

وبينما كان التحالف عبر الأطلسي حجر الزاوية للأمن الأوروبي، فقد تزايد القلق من التوافق التلقائي مع قرارات الولايات المتحدة، لاسيما عندما تُعتبر هذه القرارات أحادية الجانب أو غير متوقعة.

وقد أبرزت الأزمة الحالية هذا التوتر. برفضها الانضمام إلى الحرب، تُشير الدول الأوروبية إلى أن التوافق مع واشنطن لم يعد مضموناً عندما تتباين المصالح. هذا لا يعني رفض التعاون، ولكنه يُشير إلى توجه نحو موقف أكثر استقلالية.

كما أن هذا السعي نحو الاستقلالية الإستراتيجية يتشكل بفعل التجربة. يتذكر القادة الأوروبيون تدخلات سابقة وعدت بنتائج سريعة، لكنها أسفرت عن عدم استقرار طويل الأمد.

وتُشكل هذه الذكريات أساس الحذر الحالي. ثمة عزوف عن تكرار ما يعتبره الكثيرون أخطاءً مكلفة، لا سيما في المناطق التي يصعب فيها السيطرة على العواقب طويلة الأمد. وبهذا المعنى، فإن موقف أوروبا ليس مجرد رد فعل، بل هو مستنير بدروس مستفادة على مدى عقود من المشاركة الدولية المعقدة.

ما يجعل هذه اللحظة بالغة الأهمية هو كيفية تعزيز هذه العوامل لبعضها البعض. فالمخاوف القانونية تُعزز المقاومة السياسية، والضغوط الاقتصادية تُزيد من الحذر من التصعيد، والاستقلال الإستراتيجي يُوفر إطاراً يُبرر النأي بالنفس. وتُشكل هذه العوامل مجتمعةً موقفاً يصعب تغييره، حتى تحت ضغط من حليف وثيق.

لقد زادت تهديدات ترامب بإعادة النظر في الالتزامات تجاه «الناتو» من إلحاح الموقف، لكنها لم تُغير حسابات أوروبا جوهرياً. بل على العكس، فقد أكدت الشاغل الأساسي الذي يُحرك السلوك الأوروبي: الحاجة إلى القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في بيئة جيو- سياسية غير مستقرة. بدلاً من فرض التوافق، عزز الضغط، في بعض الحالات، تصميم أوروبا على التصرف وفقاً لتقييمها الخاص للمخاطر والمسؤولية.

في نهاية المطاف، تتمسك أوروبا بموقفها لأن التدخل في الصراع سيتعارض مع معاييرها القانونية، ويعرضها لمخاطر اقتصادية وأمنية جسيمة، ويقوض التزامها المتنامي بالاستقلال الإستراتيجي. إنه موقف لم يتشكل بدافع التحدي بقدر ما تشكل بقراءة متأنية لما هو على المحك.

بينما انصبّ التركيز في معظمه على ترامب، فإن دور نتنياهو، حاسم أيضاً. فقد كانت إسرائيل محركاً رئيسياً للحملة العسكرية، بأهداف تشمل القضاء على التهديدات المتصورة وإعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني.

ومع ذلك، فقد توخّت الحكومات الأوروبية الحذر من التقارب الشديد مع الإستراتيجية الإسرائيلية. وقد جعلت المخاوف في شأن التناسب، والتأثير على المدنيين، والعواقب طويلة الأجل، القادة الأوروبيين حذرين.

وقد ساهم هذا في ترسيخ انطباع في واشنطن بأن أوروبا تتخلى عن حلفائها، بينما في أوروبا غالباً ما يكون الرأي معاكساً: أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسلكان مساراً محفوفاً بالمخاطر وأحادي الجانب.

نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي

قد تُشكل الحرب مع إيران نقطة تحول في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا. فعلى مدى عقود، وفّر «الناتو» إطاراً مستقراً للتعاون، حتى في ظل الخلافات. إلا أن الأزمة الحالية أعمق من ذلك بكثير. فهي لا تقتصر على تقاسم الأعباء أو الاختلافات التكتيكية، بل تتعداها إلى اختلافات جوهرية في وجهات النظر حول كيفية استخدام القوة العسكرية وتوقيتها.

وقد أجبرت رغبة ترامب، في التشكيك في وجود الحلف، القادة الأوروبيين على مواجهة احتمال كان يبدو في السابق مستبعداً: مستقبل لا تُشكّل فيه الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي.

مازالت التوقعات على المدى القريب غير واضحة. فقد أشار ترامب، إلى إمكانية انتهاء الحرب في غضون أسابيع، إلا أن التوترات مازالت متصاعدة، ولم يُحسم مسارها بعد. وبفعله هذا من دون موافقة الكونغرس، فهو مُقيّد بمهلة 60 يوماً، ولم يتبقَّ منها سوى أقل من نصف هذه المدة لمواصلة العمليات العسكرية. وحتى لو انخفض مستوى التصعيد في الصراع، ما يُخفف بعض الضغط على «الناتو»، فإن الأسباب الهيكلية للأزمة ستظل قائمة، ومن غير المرجح أن تُحل في المدى القريب.

من المرجح أن تواصل أوروبا تعزيز قدراتها الدفاعية واستكشاف ترتيبات أمنية أكثر استقلالية. في الوقت نفسه، قد تصبح العلاقات الأميركية - الأوروبية أكثر نفعية وأقل قابلية للتنبؤ.

الخلاصة

إن رفض أوروبا الانضمام إلى حرب ترامب ونتنياهو، على إيران، ليس دليلاً على الضعف أو اللامبالاة، بل هو خيار مدروس تأثر باعتبارات قانونية، وحذر إستراتيجي، وواقع اقتصادي، وسياسات وضغوط سياسية داخلية.

في الوقت نفسه، حوّل رد فعل ترامب - بما في ذلك تهديداته بالانسحاب من «الناتو» - خلافاً سياسياً إلى أزمة أوسع نطاقاً للحلف الغربي.

والنتيجة هي لحظة من عدم اليقين العميق. لم تُغيّر الحرب ملامح الشرق الأوسط فحسب، بل كشفت أيضاً عن انقسامات عميقة داخل الغرب نفسه. وسيتحدد مستقبل الحلف الغربي والعلاقات عبر الأطلسي وميزان القوى العالمي، بناءً على إمكانية رأب هذه الانقسامات.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي