كيف أدار ترامب المفاوضات مع إيران من خلف ظهر نتنياهو؟
- الاقتصاد ينتصر على الأيديولوجيا
- غياب شريك موثوق... غموض الوضع في إيران
- مشهد تفاوضي قد يعيد رسم خريطة التحالفات مع بقاء جبهة لبنان مفتوحة كخيار إستراتيجي بديل لإسرائيل
في تطور دراماتيكي، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حليفته إسرائيل وقادتها العسكريين، بإعلانه تجميد الإنذار الذي وجهه لإيران في شأن مضيق هرمز.
وبحسب ما كشفته مصادر إسرائيلية وأميركية، فإن ترامب أوقف الغارات الجوية ضد محطات الطاقة الإيرانية لخمسة أيام، متجاهلاً التحذيرات الإسرائيلية من مغبة التفاوض مع النظام الإيراني، فيما أدار المفاوضات مع طهران عبر ثنائي مقرب منه - صهره جارد كوشنر ومبعوثه ستيف ويتكوف - متجنباً إطلاع المستوى العسكري والاستخباري الإسرائيلي على تفاصيل المحادثات.
ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، يبدو أن ترامب - الذي دخل المواجهة أملاً في تغيير النظام الإيراني وإنجاز إستراتيجي يخلده في التاريخ - يخرج منها مثقلاً بهموم انتخابية واقتصادية، تاركاً إسرائيل تواجه بمفردها أسئلة مصيرية: هل ستقبل باتفاق يوقعها خلف ظهرها؟ أم ستواصل الحرب في لبنان كتعويض عن إنهائها في إيران؟
صدمة أسواق الطاقة والضغوط الاقتصادية
وأكد المحلل العسكري رون بن يشاي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن ترامب «تراجع عن الإنذار الأخير الذي وجهه للنظام في إيران وطالب فيه بفتح مضيق هرمز» تحت وطأة عوامل اقتصادية متعددة.
ووفقاً لتقرير نشرته شبكة «أكسيوس»، فإن الحرب أوقفت حركة ناقلات النفط عبر المضيق الذي يمر عبره نحو خمس الصادرات العالمية من النفط، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أربع سنوات.
وأضاف التقرير أن وكالة الطاقة الدولية قررت الإفراج عن 400 مليون برميل من النفط، بينما تخطط الولايات المتحدة للإفراج عن 172 مليون برميل من احتياطيها الاستراتيجي في محاولة لكبح جماح الأسعار.
إدراك محدودية الخيار العسكري
ويكشف آفي أشكنازي في صحيفة «معاريف» عن رؤية واقعية لدى الرئيس الأميركي، إذ يصف ترامب بأنه «وضع سلماً صغيراً يتيح له النزول عن الشجرة العالية التي تسلق إليها، عندما طرح الإنذار النهائي حول فتح مضيق هرمز».
ويضيف «حتى لو كان سيختار تنفيذ الإنذار النهائي ويأمر بالهجوم على محطات توليد الطاقة، فإنه كان سيفعل ذلك بشكل محدود – ضرب حاوية وقود أو محطة ما كان سيخلق مجرد صورة وليس أكثر من ذلك».
ويتفق مع هذا التوجه اللواء عاموس يدلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والعقيد أودي أفنتال في تحليلهما المنشور على منصة «N12»، حيث يريان أن ترامب «يملك زمام المبادرة للتصعيد، وهو ما يبدو أنه لا يزال يسعى جاهداً لتجنبه، في استخدام قوة الولايات المتحدة ضد إيران».
ونقلت صحيفة «بوسطن غلوب» عن محللين ان ترامب، الذي فضل في الماضي العمل العسكري السريع والمحدود، «يبدو أنه يفضل اتفاقاً يمكنه إعلانه كفوز من دون الانغماس في حرب إقليمية طويلة الأمد من النوع الذي تهدد به إيران إذا تعرضت للهجوم. مثل هذه الحرب يمكن أن تتسبب بمقتل مئات الأميركيين، وتضرب إسرائيل بقوة، وتعطل أسواق الطاقة العالمية، وتثير على الأرجح غضب حركة - لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى... التي كانت تنتقد بشدة الحروب الأميركية الطويلة في الشرق الأوسط وأفغانستان».
المحادثات السرية... من هم الشركاء الإيرانيون؟
وكشف رونين بيرغمان في «يديعوت أحرونوت» تفاصيل دراماتيكية عن المحادثات السرية، مشيراً إلى أن «يوم الخميس الماضي» قد يمثل «نقطة تحول في الحرب».
ووفقاً لبيرغمان، فقد جرت «محادثة عادية، من هاتف محمول في طهران إلى هاتف محمول آخر في الولايات المتحدة. على أحد جانبي المكالمة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وعلى الجانب الآخر الوسيط ستيف ويتكوف، وجارد كوشنر، صهر ترامب».
وأضاف أن «المحادثات كانت سرية للغاية حتى ذلك الحين - لدرجة أن قلة فقط في إدارته كانوا على علم بها»، فيما لم تكن إسرائيل على علم بتفاصيلها، إذ «لم تتلقَّ أي تقرير رسمي من شريكتها الولايات المتحدة». وأشار إلى أن السبب في ذلك قد يكون «التجربة المريرة التي مرّ بها ويتكوف نفسه، حين أرسل مبعوثه آدم بوهلر لإجراء مفاوضات مع حماس، ليكتشف أن الأمر سُرّب سريعاً في وسائل الإعلام».
الشخص الإيراني الغامض
وذكرت تقارير أميركية، منها ما نشرته «أكسيوس» و«جيروزاليم بوست»، أن الشخص الإيراني رفيع المستوى الذي أشار إليه ترامب هو رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف.
وأفادت صحيفة «ميديايت» بأن ترامب تحدث عن «شخص رفيع المستوى» يجري معه المحادثات، رافضاً الكشف عن هويته، لكنه أكد أن فريق التفاوض الأميركي - ويتكوف وكوشنر - كانا على اتصال به.
غير أن قاليباف نفسه سارع إلى نفي هذه الأنباء بشكل قاطع. وكتب على منصة «إكس»: «لم تُعقد أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، والأخبار المزيفة تُستخدم للتلاعب بالأسواق المالية والنفطية والهروب من المستنقع الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل».
واتهمت طهران وسائل الإعلام بنشر هذه التقارير بهدف «التأثير على الأسواق المالية».
شبكة الوساطة متعددة الطرف
ووفقاً لتقرير نشرته شبكة «أكسيوس»، فإن الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران تمت عبر قنوات متعددة، شملت مصر وباكستان وتركيا وقطر والمملكة المتحدة. وأوضح أن وزراء خارجية هذه الدول أجروا اتصالات منفصلة مع ويتكوف وعراقجي.
وبحسب مصادر أميركية، فإن مصر وقطر أبلغتا الولايات المتحدة وإسرائيل أن إيران مهتمة بالمفاوضات، لكن بشروط صارمة للغاية.
محتوى المفاوضات وبنود الاتفاق المحتمل
1 - الملف النووي: المطالب الأميركية والمرونة الإيرانية
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، شملت المطالب الأميركية في المحادثات النووية:
- تفكيك المنشآت النووية الثلاث الرئيسية في فوردو وناتانز وأصفهان.
- تسليم المخزون الكامل من اليورانيوم المخصب، المقدر بنحو 10,000 كيلوغرام، إلى الولايات المتحدة.
- اتفاق دائم من دون «بند غروب» (أي من دون تاريخ انتهاء).
وأضاف التقرير أن الإدارة الأميركية تتبنى «سياسة عدم التسامح المطلق» تجاه التخصيب، مع إشارة إلى احتمال السماح لإيران بتشغيل مفاعل في طهران لتخصيب منخفض جداً للأغراض الطبية فقط.
أما بالنسبة لليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، فقد كشف تسفي برئيل في «هآرتس» عن أن ترامب قال إنه «في إطار الاتفاق مع إيران ستتسلم الولايات المتحدة كمية اليورانيوم هذه. الأمر سهل جداً، نحن سندخل إلى هناك ونأخذها»، معترفاً بأن «الأمر غير سهل».
وتشير تقارير إلى أن الكمية المقدرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة تبلغ نحو 440 كيلوغراماً، وهي كافية لصنع نحو عشرة أسلحة نووية.
من جهتها، أكدت طهران موقفها الرافض للتخلي عن برنامجها النووي، حيث قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إن «نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج لم يكن أبداً خطة طهران»، مشيراً إلى أن دولاً مثل روسيا وتركيا اقترحت تخزين اليورانيوم عالي التخصيب، لكن طهران رفضت العرض. وأضاف إسلامي أن أي قرار بتخفيف اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة سيكون مشروطاً برفع جميع العقوبات الدولية بالكامل.
مضيق هرمز: إعادة رسم الشرعية الدولية
ويشير برئيل إلى أن بند إدارة الملاحة البحرية في مضيق هرمز يشكل «تجديداً جوهرياً لم تكن توجد حاجة إليه قبل الحرب»، متسائلاً «من غير الواضح إذا كان اتفاق خاص بين إيران والولايات المتحدة محتملاً من ناحية القانون الدولي».
ويضيف أن «فكرة الإدارة الأميركية – الإيرانية المشتركة تضع الدولتين، نظرياً على الأقل، على قدم المساواة»، معتبراً أن «أي شخص يريد تدوين نقاط النصر والهزيمة في هذه الحرب سيطلب منه تسجيل نقطة انتصار واحدة لإيران في هذه المسألة».
المطالب الأميركية الستة
وفقاً لمصادر أميركية، فإن الإدارة تطلب من إيران ستة التزامات رئيسية:
- التخلي عن البرنامج الصاروخي لمدة خمس سنوات.
- صفر تخصيب لليورانيوم.
- تفكيك المنشآت النووية في ناتانز وأصفهان وفوردو.
- رقابة خارجية صارمة على إنشاء واستخدام أجهزة الطرد المركزي والمعدات ذات الصلة.
- اتفاقات مراقبة الأسلحة مع دول المنطقة تحد من الصواريخ إلى 1000 وحدة.
- وقف تمويل القوى بالوكالة مثل «حزب الله» في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحركة «حماس» في غزة.
وأشار التقرير إلى أن إيران رفضت هذه المطالب مراراً في الماضي، وأكدت أن «من الصعب التفاوض مع رئيس كان منخرطاً في حوار ثم هاجم فجأة».
الموقف الإيراني: شروط صارمة مقابل المفاوضات
ونقلت «أكسيوس» عن مسؤول أميركي ومصادر أخرى أن المطالب الإيرانية تشمل:
- وقف إطلاق النار.
- ضمانات بعدم استئناف الحرب في المستقبل.
- تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية.
وذكر التقرير أن ترامب وصف طلب التعويضات بأنه «غير مقبول»، مشيراً إلى أن المسؤولين الأميركيين يرون إمكانية إعادة صياغة هذا البند كـ«إعادة أموال إيرانية مجمدة».
نتنياهو بين التأييد والتخريب
في افتتاحية «هآرتس»، حذرت أسرة التحرير من أن «الماضي غير البعيد يفيد بأن أصحاب القرار في إسرائيل، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، معتادون على عرقلة المفاوضات التي في نهايتها اتفاقات».
وأضافت «ينبغي الأمل ألا يكون الحديث مرة أخرى يدور عن حديث مزدوج: رسمياً يعيدون الدبلوماسية ومن خلف الكواليس يعرقلون ويدقون طبول استمرار الحرب».
ونقلت عن نتنياهو قوله إن ترامب «يؤمن بأنه يوجد احتمال لاستخدام الإنجازات العسكرية لتحقيق أهداف الحرب باتفاق»، وأن «الاتفاق سيحافظ على المصالح الحيوية» لإسرائيل.
الجيش الإسرائيلي بين الجبهتين
أما عاموس هرئيل، فرأى أن «انشغال السياسيين في لبنان يعكس اعتقاداً بإمكانية التعويض عن أي إنهاء محتمل للحرب في إيران بشن حرب طويلة في لبنان، الأمر الذي سيبقي حالة الطوارئ في البلاد على حالها».
وأفادت مصادر إسرائيلية بأن عراقجي أبلغ المسؤولين الأميركيين أنه حصل على «موافقة ومباركة مجتبى خامنئي لإنهاء هذه القضية في أسرع وقت ممكن، شريطة تلبية شروطنا».
وهذا يعكس، حسب تحليله، أن «الولايات المتحدة اعترفت فعلياً بحكم خامنئي الابن في إيران».
تغيير النظام... بين الطموح والواقع
يقول اللواء عاموس يدلين والعقيد أودي أفنتال إن إسرائيل «وضعت نصب عينيها هدف تهيئة الظروف للإطاحة بالنظام في إيران. ومع ذلك، يبدو أنه على الرغم من ضعف النظام بشكل كبير، إلا أنه صمد، حتى الآن».
ويستند رونين بيرغمان في هذا السياق إلى رؤية تاريخية، مشيراً إلى أن رئيس «الموساد» السابق يوسي كوهين، قال في حديث داخلي عام 2018: «تساءلنا عما إذا كان بإمكاننا سدّ هذه الفجوة، وخلصنا إلى أننا لا نستطيع».
واستمرت استراتيجية «الموساد» آنذاك في «محاولة إضعاف النظام حتى يستسلم للمطالب الإسرائيلية والأميركية، وذلك باستخدام مزيج من العقوبات الاقتصادية الخانقة وعمليات اغتيال علماء نوويين وقادة عسكريين إيرانيين وتخريب المنشآت النووية».
قراءة استراتيجية... ترامب على مفترق طرق
يخلص هرئيل إلى أن «أي اتفاق لإنهاء الحرب، إذا تم التوصل إليه في القريب، سيتم عقده من دون تحقيق الهدف الذي كثر التحدث عنه في البداية والذي تم تجاهله بعد ذلك وهو تغيير النظام في إيران. بعد مرور ثلاثة أسابيع ونصف الاسبوع على الحرب ما زال هذا الهدف يبدو أنه صعب المنال».
أما رون بن يشاي، فيختتم تحليله بتساؤل مفتوح «لا يزال لا يمكن القول إننا في بداية مرحلة نهاية الحرب أم أن هذه خطوة أخرى غير ناضجة حتى النهاية من جانب الرئيس الأميركي. لكن يوجد مجال للأمل، وهذا جيد بحد ذاته».
المستقبل... بين الاتفاق والحرب الطويلة
ونقلت صحيفة «بوسطن غلوب» عن سانام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، قولها، إن «المثير حقاً للاهتمام هو أن إيران تستمر في الإصرار على إطار تفاوضي وكأن شيئاً لم يتغير أو لا يوجد تهديد داخلي من الاحتجاجات أو من أسطول ترامب وتهديداته. شروط التفاوض هي نفسها تماماً كما كانت في الخريف الماضي وقبل حرب الـ 12 يوماً في يونيو الماضي».
يكشف التحليل مشهد معقد تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية. يظهر ترامب كقائد يدرك محدودية الخيار العسكري في مواجهة استراتيجية إيرانية غير متكافئة تستهدف أسواق الطاقة العالمية، مما دفعه إلى البحث عن مخرج تفاوضي يحفظ ماء الوجه بعد إنذار علني لم يلقَ استجابة كافية.
في المقابل، تبدو إيران وقد نجحت في تحويل أضعف نقاطها - اعتمادها على مضيق هرمز - إلى ورقة ضغط استراتيجية أعادت صياغة موازين القوى الإقليمية، مستفيدة من قنوات اتصال متعددة عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
يبقى السؤال الأكبر حول هوية الطرف الإيراني المخوّل بالتوقيع، وحول قدرة أي اتفاق على الصمود في ظل تعقيدات البنية السياسية الإيرانية وتشابك المصالح الإسرائيلية - الأميركية التي قد لا تتطابق بالضرورة في المرحلة المقبلة.
فبينما تسعى إسرائيل إلى تحقيق أقصى إنجازاتها العسكرية قبل توقف محتمل لإطلاق النار، يبدو ترامب أكثر انشغالاً باحتواء الأزمة الاقتصادية التي تهدد الانتخابات النصفية المقبلة.
في كل الأحوال، ما كان يُقرأ قبل أسابيع كحرب وجودية على النظام الإيراني بدأ يتحول نحو مشهد تفاوضي قد يعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، مع بقاء جبهة لبنان مفتوحة كخيار استراتيجي بديل لإسرائيل للحفاظ على زخم الحرب ومنع التفكك المبكر للائتلاف الحربي الداخلي.
والأيام المقبلة - التي حددها ترامب مهلة لاستنفاد المفاوضات - ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستشهد اتفاقاً تاريخياً أم عودة إلى دائرة العنف والتصعيد.