تفاهمات مع النظام السوري الجديد... و«نقل نموذج قطاع غزة إلى بلاد الأرز»

واشنطن تبارك «أهون الشرور»... الحرب في لبنان والمخطط الإسرائيلي للسيطرة على مناطق واسعة

غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت
غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت
تصغير
تكبير

في مشهد يعيد إلى الأذهان خرائط سايكس - بيكو وتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، تتكشف من وراء الستار تفاهمات إسرائيلية - سورية مدعومة أميركياً - ولو بشكل غير مباشر - لتقاسم المسؤوليات الأمنية في لبنان، بعد أن أعلنت واشنطن وتل أبيب رسمياً إفلاسهما من «الحل اللبناني» لمسألة «حزب الله».

وما كان حتى أشهر قليلة ماضية مجرد سيناريو هامشي يُناقش في غرف العمليات السرية، أصبح اليوم، «أهون الشرور» الذي تدرسه تل أبيب ودمشق بموافقة ضمنية من واشنطن التي يئست، وفق مصادر إسرائيلية وأميركية، من قدرة مؤسسات الدولة اللبنانية - حكومةً وجيشاً - على الوفاء بأي التزام.

وكانت الرسالة الأميركية، كما نقلتها المحللة السياسية آنا برسكي، عن مصادر مطلعة في صحيفة «معاريف»، قاسية وحاسمة مفادها «لا يوجد مع من يمكن الحديث» في بلاد الأرز.

وعلى الجانب الآخر من الحدود الشمالية لإسرائيل، لا تقف الأمور مكتوفة الأيدي. فوفق تقارير استقصائية، شجعت واشنطن، النظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع، على إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح «حزب الله»، في مسعى لملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة اللبنانية.

وحاولت دمشق التهرب، خوفاً من الانجرار إلى مستنقع طائفي جديد، لكن يبدو أن «الضوء الأخضر» الأميركي والإسرائيلي يتحول تدريجياً إلى «ضغط أحمر» لا يمكن تجاهله.

فجوة قاتلة بين النصر الموعود والواقع المرير

لكن بين الخطط الإستراتيجية الكبرى على خرائط القادة، وفي قاعات القيادة في تل أبيب، يعيش سكان المستوطنات الشمالية أسبوعهم الخامس في الملاجئ، بينما يدفن اللبنانيون أطفالهم تحت الأنقاض. نحو 1500 قتيل، بينهم أطفال ونساء ومسعفون، و5 آلاف جريح، ومليون نازح - هذه حصيلة شهر واحد من التصعيد، وفق أرقام وزارة الصحة اللبنانية.

وفي الداخل الإسرائيلي، لا تبدو الصورة أقل قتامة. ففي تناقض صارخ مع خطاب «النصر التاريخي» الذي يطلقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه اليمني يسرائيل كاتس، يعترف كبار ضباط الجيش – كما كشف عاموس هرئيل في «هآرتس» - بأن الحملة الحالية في لبنان «لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل»، وأن ما يمكن تحقيقه هو «إضعاف» التنظيم وتجريد المنطقة الحدودية فقط.

ضابط رفيع المستوى آخر، قالها بصراحة قاسية: «نزع سلاح حزب الله يحتاج إلى احتلال كل لبنان»، وهو ما ليس ضمن خطط الحرب.

ماذا يريد نتنياهو وهل يختلف الجواب عما يريده الجيش؟

هنا يكمن لب الأزمة الإسرائيلية الداخلية، فجوة مزدوجة ومدمّرة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية من جهة، وبين الجيش والجمهور الذي ينتظر «نصراً» لا يستطيع أحد تقديمه من جهة أخرى.

«التصريحات المتبجحة عن الانتصارات لا تعزز المناعة الصهيونية، هي تمس بها»، يكتب بن درور يميني، في «يديعوت أحرونوت»، معتبراً أن إسرائيل - مثل روسيا في أوكرانيا وأميركا في أفغانستان - اكتشفت أن «القوى العظمى لا تنتصر» في عصر الحروب الطويلة.

أما إيال زيسر، في «إسرائيل اليوم»، فيذهب إلى أبعد من ذلك، داعياً إلى التخلي عن أي أوهام بـ «دولة لبنانية» قادرة على فرض سيادتها. ويكتب بحسم «على إسرائيل أن تعمل ضد حزب الله وكأنه لا توجد دولة لبنانية».

مستنقع الاستنزاف أم «مبدأ الضاحية»؟

في مواجهة هذا الجمود، تتضيق الخيارات. المحلل العسكري تسفي برئيل، يحذر من أن لبنان يتحول إلى «ساحة رئيسية» تحل محل إيران التي أصبحت «جبهة استنزاف»، مشيراً إلى أن إسرائيل تعرف كيف تدخل إلى لبنان لكنها لا تملك خطة خروج.

في المقابل، يلوح في الأفق خيار أكثر عنفاً: تطبيق «مبدأ الضاحية» - أي تدمير أحياء بأكملها في بيروت بعد إخلائها، وهو ما نجح مع «حزب الله» سابقاً لكنه يحمل في طياته مخاطر تصعيد لا تُحصى.

السؤال الذي يرعب تل أبيب: هل يتركها ترامب وحدها في المستنقع؟

ويحذّر عاموس هرئيل، من سيناريو مرعب، «بعد الضربة التي قد توجهها الولايات المتحدة لإيران، قد يبحث ترامب عن مخرج - إعلان النصر والتوصل إلى اتفاق غير مرض مع الإيرانيين، وترك إسرائيل لمواجهة التداعيات بعيدة المدى وحدها»، فهل تتكرر تجربة أفغانستان، لكن هذه المرة مع إسرائيل في دور «الحليف الذي يُترك في الوحل»؟

ونقل هرئيل، عن الضابط «هو قال ما هو صحيح مهنياً، نزع سلاح حزب الله يبقى هدفاً بعيد المدى. يمكنه أن يتحقق بخليط من قوة عسكرية، خطوات سياسية وخطوات أخرى».

ماذا يحدث على الأرض في لبنان؟ تدمير منهجي على غرار غزة

وفي تحليل ميداني يبعث على القشعريرة، يصف عاموس هرئيل، ما يجري حالياً في جنوب لبنان، قائلاً «حالياً يسيطر الجيش الإسرائيلي على الخط الثاني للقرى في جنوب لبنان، على بعد 8 - 10 كلم شمال الحدود، الأمر الذي يفصل المستوطنات عن نيران الصواريخ المضادة للدروع».

لكن هرئيل، يلفت الانتباه إلى تطور أكثر إثارة للقلق، «في الوقت ذاته، بدأ الجيش بتدمير منهجي للقرى الشيعية المحتلة بعد نزوح سكانها بسبب التهديدات الإسرائيلية».

ورغم أن المنطقة حجمها أكبر وأقل كثافة سكانية، يبدو أن الجيش قد بدأ بالفعل في مسار سينتهي بنقل نموذج القطاع من غزة إلى لبنان – أي التدمير شبه الكامل للقرى بذريعة المس بالبنى التحتية.

هذه العبارة -«نقل نموذج القطاع من غزة إلى لبنان»- هي من أخطر ما ورد في التحليلات. فهي تشير إلى تبني إسرائيل إستراتيجية منهجية لتدمير المناطق السكنية في جنوب لبنان، تمهيداً لخلق منطقة عازلة واسعة، على غرار ما حدث في قطاع غزة حيث تم تدمير أحياء بأكملها وتحويلها إلى مناطق عسكرية مقفلة.

وكانت«الغارات الإسرائيلية على مدينة صور أسفرت عن تدمير مبنى مكون من 11 طابقاً بالكامل، وتحويله إلى كومة من الأنقاض غطت محطة وقود قريبة، كما دمرت نصف مبنى مكون من خمسة طوابق».

وأضافت أن«الغارات استهدفت أيضاً مسجداً في بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، ودمرته بالكامل».

وفي تطور خطير يشير إلى تدهور الأمن في المنطقة العازلة، أعلنت قوات الاحتلال أن«ثلاثة من قوات حفظ السلام - اليونيفيل أصيبوا في انفجار داخل منشأة للأمم المتحدة».

قراءة إسرائيلية في العقد اللبنانية

وفي مقال بـ«إسرائيل اليوم»، يقدم الكاتب إيال زيسر، تحليلاً بنيوياً للدولة اللبنانية، يشرح من خلاله أسباب فشل أي رهان على مؤسساتها.

وقال إن «لبنان أقيم ومنذئذ يعيش في إطار سياسي هزيل، كل غايته هو السماح لعائلاته الشريفة بأن تواصل الحفاظ على مكانتها وتثبيت حكمها لأبناء طائفتها التي جاءت منها... وكلنا نذكر من عهد حرب لبنان الأولى بشير الجميل، الذي ابنه نديم وابن أخيه سامي، ومقربه أيضاً سمير جعجع، كل هؤلاء يمثلون اليوم أبناء الطائفة المارونية في مجلس النواب. كما أن رئيس الوزراء نواف سلام، هو ابن عائلة سلام السُنية من بيروت، التي بعض من أبنائها شغلوا في العقود الأخيرة منصب رئيس الوزراء».

واختتم زيسر، مقاله برسالة قاسية إلى صانع القرار الإسرائيلي، قال فيها «يجب على إسرائيل أن تعمل ضد حزب الله وكأنه لا توجد دولة لبنانية، وأكثر من ذلك، أن تعمل أيضاً ضد الغلاف اللبناني الذي يغلف حزب الله فيسمح له بذلك بالعمل بل وحتى تساعده. ما لا نفعله نحن - أحد لن يفعله نيابة عنا».

ويشير المحلل العسكري رون بن يشاي، في تحليله لـ«يديعوت أحرونوت»، إلى أن «القدرات المتبقية لحزب الله، حتى لو كانت جزءاً يسيراً مما سبق، لاتزال تمكنه من إحداث دمار وإجبار الولايات المتحدة على إهدار موارد هائلة في حرب لا يفهم معظم الأميركيين سبب تورطهم فيها».

«لم نعد في عصر الانتصارات»

وفي مقال لافت في«يديعوت أحرونوت»، يوجه الكاتب بن درور يميني، نقداً لاذعاً لخطاب القيادة الإسرائيلية، معتبراً أننا «لم نعد منذ زمن بعيد في عصر الانتصارات الكبرى».

وقال إن «القوى العظمى لا تنتصر، كما أن الدول القوية لا تنتصر».

ويضرب يميني، أمثلة من التاريخ الحديث، مشيراً إلى أن «الاتحاد السوفياتي لم ينتصر في أفغانستان، بل غرق هناك في الوحل، عقوداً كاملاً، وطوى ذيله، وروسيا لم تتعلم الدرس وغزت أوكرانيا... الولايات المتحدة دخلت بالضبط إلى الوحل نفسه كي تطرد (حركة) طالبان، وبعد نحو عقدين تركت الحكم بالضبط لطالبان إياه».

خيارات إسرائيل المصيرية - ماذا بعد؟

- السيناريو الأول التفاهم الإسرائيلي - السوري، وهو الذي يركز عليه تقرير «معاريف» و«رويترز»، حيث تتبلور تفاهمات غير معلنة بين إسرائيل والنظام السوري الجديد لتقاسم الأدوار في لبنان.

وفي هذا السيناريو، تسيطر إسرائيل على جنوب لبنان وتنشئ منطقة عازلة، بينما يعمل السوريون على ملاحقة «حزب الله" في منطقة البقاع.

وبحسب آنا برسكي، فإن «الاتصالات تجري في مستويات مختلفة بين إسرائيل وسوريا - مباشرة وغير مباشرة، بوساطة أميركية».

- السيناريو الثاني، يتضمن حرب الاستنزاف الطويلة، وهو الذي يحذّر منه برئيل وعاموس هرئيل، حيث تتحول جبهة لبنان إلى مستنقع مشابه لما حدث في غزة.

وفي هذا السيناريو، يواصل الجيش عملياته في جنوب لبنان من دون تحقيق «نصر حاسم»، بينما يعاني مستوطنو الشمال من استمرار إطلاق النار.

- السيناريو الثالث: مبدأ الضاحية - الخيار النووي الإسرائيلي في لبنان، وهو خيار لم يُناقش علناً لكنه حاضر في غرف العمليات، يلوح تطبيق«مبدأ الضاحية»- تدمير أحياء بأكملها في بيروت بعد إخلائها - كخيار أخير لكسر إرادة«حزب الله».

وهذا المبدأ نجح مع «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية عام 2006، ومرة أخرى عام 2024، لكن تطبيقه على نطاق أوسع في لبنان يحمل مخاطر تصعيد لا يمكن السيطرة عليها، وقد يدفع الحزب إلى استخدام أسلحته الأكثر تطوراً ضد المدن الإسرائيلية.

سؤال يلوح في الأفق

وتعكس التحليلات المتقاطعة في الصحف الإسرائيلية - «معاريف»، «هآرتس»، «إسرائيل اليوم» و«يديعوت أحرونوت» إضافة إلى التقارير الأميركية في «رويترز» و«أسوشيتدبرس»، صورة معقدة ومتناقضة للحرب في لبنان.

فمن جهة، تتبلور رؤية إستراتيجية تقوم على تفاهمات إسرائيلية - سورية مدعومة أميركياً لتقاسم النفوذ في لبنان. ومن جهة أخرى، يعترف كبار الضباط بأن نزع سلاح «حزب الله» بالكامل ليس هدفاً واقعياً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي