اجتماع واشنطن لا يبحث عن انسحاب بل عن شرعية لاحتلال جديد!

«الجولان ثانية» في لبنان: وثائق إسرائيلية تكشف مخطط التقسيم الثلاثي تحت غطاء «السلام الأميركي»

دخان غارة إسرائيلية على بلدة شبعا جنوب لبنان (أ ف ب)
دخان غارة إسرائيلية على بلدة شبعا جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

- التوجه الإسرائيلي المدعوم أميركياً هو تقسيم لبنان إلى ثلاث مناطق أمنية
- إسرائيل تستغل ضعف الحكومة اللبنانية لفرض شروطها وتكريس الاحتلال
- تسفي هاوزر: ما كان جيداً للجولان جيد للبنان... احتلال بسمى تعديل حدودي

ليس صدفة أن يُعقد الاجتماع الأكثر حسماً في تاريخ العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، في واشنطن... ليس صدفة أن يجتمع السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، والسفيرة اللبنانية نداء حمادة معوض، تحت سقف وزارة الخارجية الأميركية، بحضور الوزير ماركو روبيو. وليس صدفة أن تختار إسرائيل هذا التوقيت بالذات- بعد 16 شهراً من حكم الرئيس جوزف عون، وحكومة نواف سلام، وبعد أن أنجز لبنان 80 في المئة من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، وفق اعترافات إسرائيلية صريحة.

ما يُحضّر له في واشنطن ليس اتفاق انسحاب إسرائيلي إلى الحدود الدولية المعترف بها. ما يُحضّر له هو «تعديلات حدودية» - وهي العبارة البروتوكولية التي يلفّ بها صنّاع القرار في تل أبيب مخططاً لاقتطاع أجزاء من جنوب لبنان وضمها فعلياً إلى إسرائيل، تحت عناوين براقة مثل «المناطق الآمنة» و«المناطق العازلة» و«المناطق الأمنية».

استناداً لتقارير لكبار الإستراتيجيين الإسرائيليين، ووثائق داخلية مسرّبة، وتصريحات عسكرية وسياسية أميركية وإسرائيلية، يكشف النقاب عن نوايا الاحتلال الحقيقية تجاه لبنان.

إنه تقرير عن مؤامرة لا تُمارس بالدبابات فقط، بل بأقلام كبار المحللين وأروقة صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.

المصادر الإسرائيلية والأميركية تقر وتعلن أن الهدف «إسرائيل لا تريد سلاماً مع لبنان. إسرائيل تريد سلاماً على لبنان. سلام الاحتلال. سلام التقسيم. سلام الجولان الذي يُعاد سيناريوه في جنوب الليطاني».

«التعديلات الحدودية»!

وكشفت القناة 14، في تقرير حصري مساء الاثنين، عن الخطة الإسرائيلية التي سيقدمها رون ديرمر - وزير، الشؤون الاستراتيجية السابق وأحد أكثر المقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو - إلى الإدارة الأميركية والحكومة اللبنانية. الخطة، التي تحمل توقيع أجهزة الأمن، وتقسم جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق:

المنطقة... الامتداد الجغرافي - الوضع المقترح

- المنطقة الأولى من الحدود إلى «الخط الأصفر» (عمق 7 - 8 كلم)

وجود عسكري إسرائيلي مكثف وطويل الأمد. انسحاب مشروط بـ«تفكيك كامل» لحزب الله - وهو شرط تعجيزي مقصود.

- المنطقة الثانية من «الخط الأصفر» إلى نهر الليطاني

قوات إسرائيلية تعمل ضد «حزب الله»، مع نقل المسؤولية تدريجياً إلى الجيش اللبناني - تحت الرقابة الإسرائيلية.

- المنطقة الثالثة شمال نهر الليطاني

تُترك للحكومة اللبنانية محاربة حزب الله ونزع سلاحه، مع اعتراف إسرائيلي صريح بأن هذا «غير مرجح في المستقبل المنظور».

ما يعنيه هذا عملياً:

- ضم فعلي لشريط بعرض 7 - 8 كلم داخل لبنان.

- منطقة عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية حتى الليطاني.

- تفريغ الحكومة اللبنانية من مسؤولياتها السيادية شمال الليطاني، وتركها وحيدة في مواجهة حزب الله من دون غطاء عسكري أو سياسي.

«الجولان نموذج» للبنان

في مقال ناري نشره تسفي هاوزر - رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق (2011 - 2013) ورئيس فريق المفاوضات مع الفلسطينيين سابقاً - تحت عنوان «لبنان يدافع عنا» في صحيفة «إسرائيل اليوم»، يضع النقاط على الحروف:

«يستوجب الواقع في الشمال مراجعة متجددة لإحدى الفرضيات الأساس العميقة لدولة إسرائيل: قدسية خط الحدود كما تقررت بعد حرب 1948... ما كان جيداً للجولان - جيد للبنان».

هاوزر، لا يخفي نواياه. هو يتحدث بصراحة عن «تعديلات حدودية» - وهي العبارة الدبلوماسية التي تعني في قاموس الاحتلال: ضم أراضٍ جديدة. ويذكرنا بأن حدود 1949 لم تكن أبداً حدود سلام دائمة، بل كانت حدود هدنة موقتة.

ويسأل سؤالاً إستراتيجياً خطيراً: «بين البديلين - جمود خطير أو معركة طويلة - يوجد طريق ثالث: إعادة تصميم خط الحدود بحيث يمكن الدفاع عنه».

هذا «الطريق الثالث» ليس سوى الاحتلال الدائم.

وهاوزر، يعرف ذلك. ويستشهد بالجولان كسابقة ناجحة: السيطرة على الهضبة لم تكن «حزاماً أمنياً موقتاً» بل «حسماً إستراتيجياً طويل المدى».

والآن، يقول هاوزر، حان دور لبنان.

نتنياهو وكاتس: التصريحات التي لا تحتمل التأويل

قبل ساعات من اجتماع واشنطن، صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحافي بأن إسرائيل «توسع منطقة أمنية عازلة في لبنان».

وأضاف:«نحن لا نتحدث عن خمسة مواقع، بل عن منطقة أمنية صلبة وعميقة تمنع خطر الغزو وتُبعد خطر الصواريخ المضادة للدروع».

وزير الحرب اليمني يسرائيل كاتس، كان أكثر وضوحاً قبل أسبوعين، عندما أعلن أن الجيش «سيقيم منطقة أمنية داخل لبنان وسيسيطر على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني»، مهدداً بأن «جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود سيتم تدميرها».

هذه ليست لغة دفاع. هذه لغة احتلال. هذه لغة ضم. هذه لغة تطهير.

استغلال ضعف لبنان... لبنان الجديد: فرصة أم فخ؟

وفقاً لتقرير صادر عن «مركز مئير عميت للاستخبارات والمعلومات الإرهابية» في تل أبيب (يناير 2026)، أعلن قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، أمام الحكومة «الانتهاء بنجاح من المرحلة الأولى لفرض احتكار الدولة للسلاح جنوب نهر الليطاني».

وفي مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال» (6 أبريل 2026)، أعلن سلام، أن «الحكومة اللبنانية أنجزت 80 في المئة من أهدافها في نزع سلاح حزب الله».

هذا هو بالضبط ما تخشاه إسرائيل.

إسرائيل لا تريد لبنان قوياً. إسرائيل تريد لبنان ضعيفاً، تابعاً، منقاداً. لبنان الذي ينجح في نزع سلاح «حزب الله» بنفسه هو لبنان الذي لا يحتاج إلى وجود إسرائيلي على أرضه. وهذا هو الكابوس الإستراتيجي لإسرائيل: لبنان قوي السيادة يعني نهاية الذريعة الإسرائيلية للتواجد في الجنوب.

التحوّل الذي يقلق إسرائيل

في تطور جوهري، أيد رئيس البرلمان رئيس حركة «أمل» نبيه بري، سياسة الحكومة في «احتكار السلاح» والخطط التي قدمها الجيش لنزع سلاح حزب الله، ولم يُعارض إعلان عون، عن بدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

هذا التحول، الذي يشير إلى تصدع في التحالف الشيعي الداعم لحزب الله، هو أخبار سيئة لإسرائيل. لأن لبنان الموحّد خلف قيادته هو لبنان القادر على فرض شروطه في المفاوضات. لذلك، إسرائيل تسعى إلى عكس المعادلة: إضعاف الحكومة اللبنانية، وتحميلها فوق طاقتها، ثم اتهامها بالفشل.

سلاح ذو حدين

تسفي برئيل، في مقاله بصحيفة «هآرتس»، الثلاثاء، يرسم صورة قاتمة للوضع الإنساني في لبنان: نزوح مليون وربع مليون شخص، 2000 قتيل منذ بداية المرحلة الحالية من الحرب، مستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية، توترات عنيفة بين النازحين الشيعة وسكان في أحياء مختلفة من بيروت.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. إنها ذخيرة تستخدمها إسرائيل للضغط على الحكومة اللبنانية. الرسالة واضحة: «إما أن تقبلوا شروطنا، وإما سنواصل تدمير بلدكم».

الموقف الأميركي... دعم غير مشروط لـ«الأفكار الجديدة»

ويعد اجتماع واشنطن الأعلى مستوى منذ عقود. لكن الرعاية الأميركية ليست حيادية. إنها دعم علني للمسار الإسرائيلي.

تصريحات روبيو، الأخيرة (في «جيروزاليم بوست») تضع «نزع سلاح حزب الله» كشرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي، من دون أن تطلب أي تنازل إسرائيلي مقابل ذلك. هذا يعطي تل أبيب الغطاء الدبلوماسي لمواصلة عملياتها العسكرية تحت عنوان «الدفاع عن النفس».

ترامب و«أفكار جديدة»

في 19 فبراير 2026، قال الرئيس دونالد ترامب، خلال الاجتماع التأسيسي «لمجلس سلام غزة»: «نحن نعمل على بعض الملفات المهمة جداً» بخصوص لبنان.

وعندما سئل عن التفاصيل، اكتفى بالقول: «نحن بحاجة إلى معالجة قضية لبنان».

ترامب، الذي يوصف مستشاره مايك هاكابي، بأنه مؤمن بـ«إسرائيل الكبرى»، لا يبدو متحمساً لإجبار إسرائيل على الانسحاب، الإدارة الأميركية الحالية منفتحة على «أفكار جديدة» - وهي العبارة التي يستخدمها تسفي هاوزر، لوصف «التعديلات الحدودية».

ونقلت «هآرتس» عن شوش بيدروسيان، الناطق باسم مكتب نتنياهو: «ما نبحث عنه في هذا الحوار هو أن يلتزم لبنان نزع سلاح حزب الله، وإزالة جميع أسلحته، وإزالة العسكرة من جنوب لبنان، وأيضاً الوصول إلى اتفاق سلام بين بلدينا».

هذه الجملة تبدو معقولة. لكن السؤال هو: هل نزع سلاح حزب الله بالكامل ممكن؟ الإجابة، وفقاً للخبراء الإسرائيليين أنفسهم، هي «لا». هاوزر، يقول صراحة: «حكومة لبنان لن تفكك حزب الله».

حتى في الخطة الإسرائيلية نفسها، يُعترف بأن تفكيك الحزب شمال الليطاني «غير مرجح في المستقبل المنظور».

هذا يعني أن شرط السلام هو شرط تعجيزي. إسرائيل تطلب من لبنان ما تعرف أنه لا يستطيع تحقيقه، ثم تستخدم فشله - المحتوم - كذريعة لمواصلة الاحتلال.

إسرائيل لا تريد شريكاً... تريد ذراعاً تنفيذية

برئيل، الكاتب المخضرم في «هآرتس»، يفضح هذه اللعبة في مقاله. ويكتب: «اللبنانيون يطمحون إلى إنهاء الحرب وترسيخ وقف إطلاق النار، شريطة اتخاذ خطوات سياسية تؤدي إلى التنسيق وبعد ذلك إلى الشراكة، لكن إسرائيل تصمم على إجراء المفاوضات تحت إطلاق النار... وتتعامل مع جبهة لبنان كمنطقة قتال منفصلة، ولا تنظر إلى حكومة لبنان كشريك محتمل».

برئيل، يصل إلى نتيجة قاسية: «لبنان في صراعه ضد إيران وحزب الله يحتاج إلى شراكة إسرائيل، التي ذهبت حالياً إلى المفاوضات وكأن الشيطان أجبرها على ذلك (ترامب)، وليس بسبب إدراك أهميتها وفائدتها الإستراتيجية».

هذا هو جوهر الأزمة: إسرائيل في المفاوضات، مكرهاً، لا راغباً. وهي تبحث عن ذراع تنفيذية، لا عن شريك سيادي.

سيناريو المستقبل القريب

إذا نجحت إسرائيل في تمرير خطتها في واشنطن، فإن لبنان سيواجه مستقبلاً قاتماً:

1 - تقسيم فعلي للبلاد إلى ثلاث مناطق، مع فقدان السيطرة على جنوبها.

2 - وجود عسكري إسرائيلي دائم في شريط بعرض 7 - 8 كلم، يُوسع تدريجياً.

3 - حكومة لبنانية منهكة تواجه حزب الله وحدها شمال الليطاني، من دون غطاء عسكري أو دعم لوجستي.

4 - أزمة إنسانية متفاقمة مع بقاء مليون ونصف مليون نازح خارج منازلهم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي