الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران... وإستراتيجية الخروج!
- بيرنز: ترامب لم يتوقع قرار طهران تحويل الصراع إلى حرب اقتصادية لها تأثيرات عالمية ـ النظام الإيراني أصبح أضعف لكنه أقل انفتاحاً على التسوية ويُدار من قبل كيان تجاري... الحرس
مع بلوغ المهلة النهائية التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإيران فجر الثلاثاء - الأربعاء، للتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، تواصل واشنطن وتل أبيب تصعيدهما العسكري ضد طهران، وسط تحذيرات من خبراء ومحللين إستراتيجيين من أن الولايات المتحدة دخلت «مأزقاً عميقاً» من دون إستراتيجية خروج واضحة.
بين التهديد والتحدي
في تحليل معمق للموقف، قال عاموس هرئيل، المحلل العسكري البارز في صحيفة «هآرتس» والمتخصص في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، إن «من المرجح أن يستمر التوتر حتى اللحظة الأخيرة، موعد انتهاء الإنذار الذي حدده الرئيس الأميركي لإيران، الساعة الثالثة فجراً بتوقيت تل أبيب».
وأضاف هرئيل، الذي يتابع الملف الأمني منذ عقود، أن «الرئيس الأميركي طلب من إيران فتح مضيق هرمز والسماح بحرية الملاحة فيه، وإلا، كما هدد، سيفتح باب جهنم عليها».
وفي تفاصيل إضافية حول التهديدات الأميركية، نقلت صحيفة «إسرائيل هيوم» عن مصادر مطلعة أن ترامب كتب على منصته «تروث سوشيال»: «افتحوا المضيق اللعين أيها المجانين، أو ستعيشون في الجحيم».
وفي منشور منفصل، أوضح ترامب، الموعد النهائي بشكل قاطع: «الثلاثاء، الساعة 8:00 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة».
أما تسفي برئيل، المحلل السياسي في «هآرتس»، فقد أشار إلى أن «الإنذار تم تأجيله ثلاث مرات»، موضحاً أن «ترامب يصعد من شدة التوتر كلما تبددت توقعاته».
الأهداف العسكرية المحددة
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «إسرائيل هيوم» نقلاً عن صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن مستشاري ترامب، قدموا مبررات لضرب محطات الكهرباء والجسور، بحجة أن تدميرها قد يشل برامج الصواريخ والنووية الإيرانية.
وقال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيثإ إن «الطرق والجسور أهداف عسكرية مشروعة، إذ يمكن للجيش الإيراني استخدامها لنقل الصواريخ والمواد الخام لإنتاج المسيرات».
وكشف تقرير «إسرائيل هيوم» أن محطة «دامافاند» على مشارف محافظة طهران، وهي منشأة غازية كبرى بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 2900 ميغاواط، ستكون على رأس الأهداف، تليها محطة «شهيد سليمي نكا» في محافظة مازندران (2214 ميغاواط) ومحطة «شهيد رجائي» في قزوين (2042 ميغاواط).
ولفت التقرير إلى أن خمس محطات رئيسية - دامافاند ورجائي ومنتظر قائم ورودشور ومفتاح - تزود معاً الجزء الأكبر من الكهرباء لمنطقة طهران.
غير أن مسؤولاً في البيت الأبيض، أضاف أن «محطات الكهرباء أهداف عسكرية مشروعة لأن تدميرها قد يثير اضطرابات مدنية من شأنها إعاقة تقدم طهران نحو امتلاك سلاح نووي».
ومع ذلك، حذر التقرير من أن «كبار الشخصيات العسكرية - سواء الحاليين أو السابقين - نبّهوا إلى أن ضرب البنى التحتية المدنية كورقة تفاوضية، هو أمر غير قانوني».
الموقف الإيراني والتهديد بالرد
في المقابل، نقلت تقارير متعددة ردود الفعل الإيرانية الحادة. فقد قال علي أكبر ولايتي، المستشار السياسي الكبير للمرشد الأعلى، وهو طبيب أطفال تخصص في جامعة جونس هوبكنز الأميركية وشغل منصب وزير الخارجية لمدة 16 عاماً، في تغريدة على منصة «إكس»: «الرئيس الأميركي الغبي يهدد بتدمير البنى التحتية للكهرباء! إذا أراد زعماء الدول العربية منع كل المنطقة من الوقوع في الظلام، فيجب عليهم الشرح لترامب، بأن الخليج ليس مكاناً للمقامرة».
ووفقاً لتقرير، فإن الحرس الثوري دعّم تحذير ولايتي، باعتداءات على دول الجوار.
أما رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، فكتب إلى ترامب، على «إكس» محذراً: «أفعالك المتهورة تجر الولايات المتحدة إلى جحيم حي لكل عائلة، والمنطقة بأسرها على وشك الاشتعال لأنك تصر على اتباع أوامر (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو».
تحذيرات بيرنز
في تطور لافت، ظهر بيل بيرنز، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي) السابق في إدارة جو بايدن، والدبلوماسي والخبير، في بودكاست لمجلة «فورين أفيرز» في 6 أبريل 2026، ليقدم صورة قاتمة للحرب.
ونقلت تقارير إخبارية عن بيرنز، أن «الرئيس ترامب، لم يدرك قدرة النظام الإيراني على البقاء، ولم يتوقع قرار طهران تحويل الصراع إلى حرب اقتصادية لها تأثيرات عالمية». وأضاف بيرنز، الذي لا يعتبر من مؤيدي ترامب: «افترض الإيرانيون بأنه يمكنهم تحمل الضربات أكثر مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله من أضرار اقتصادية. نحن دخلنا إلى مأزق عميق، وكل خيارات الخروج منه صعبة».
وحذر من أن «النظام الذي يتشكل الآن في إيران أضعف، لكنه شرير وأقل انفتاحاً على التسوية».
كما أشار إلى أن إيران تسيطر حالياً على مضيق هرمز كـ«رهينة» للمساومة العالمية، وهي حقيقة لم تكن واشنطن مستعدة لها بشكل كافٍ.
لكن اللافت في تحليل بيرنز، وفقاً لما نقلته وسائل الإعلام، هو أنه اعتبر الحرب مع إيران «حرباً كان يمكن تجنبها» وليست ضرورية بالضرورة.
وأشار إلى أن الضغط العسكري قد يعزز قبضة المتشددين داخل النظام الإيراني بدلاً من إضعافها، قائلاً إن «إيران تُدار من قبل كيان تجاري - الحرس الثوري - الذي يسيطر على البنوك والشركات المملوكة للدولة والكيانات الخارجية، والتي تزدهر في ظل الحرب أكثر من ازدهارها في ظل السلام».
تقديرات خاطئة في إسرائيل
وفي تحليل معمق لواقع «حزب الله»، قال عاموس هرئيل في البودكاست الأسبوعي لصحيفة «هآرتس» إن «كبار ضباط الجيش الإسرائيلي اعترفوا هذا الأسبوع بأن إسرائيل قللت من تقدير القدرات المتبقية لحزب الله بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024».
وأوضح «من الواضح لأي شخص يتابع الأمر عن كثب أن من الصعب تحقيق نصر نهائي آخر ضد حزب الله. قد لا يكون حزب الله هو جيش الذي كان عليه عام 2023، لكنه قادر على إطلاق 100 صاروخ يومياً».
وأشار إلى أن الحزب «ينسق هجماته الآن مع رعاته الإيرانيين في صراع تجاوز الآن طول حرب لبنان الثانية».
تغيير في نمط العمليات
وفقاً لتحليل هرئيل، فإن «حزب الله غير مفهومه العملياتي بشكل جذري. فالحزب الذي كان يعمل كجيش منظم مع قدرات كبيرة، وغير مركزي في سلسلة القيادة، نقل السلطة إلى قادة ميدانيين من الرتب المتوسطة وعاد ليكون منظمة حرب عصابات».
ونقل عن الخبير في شؤون حزب الله، شمعون شبيرا، قوله لـ«هآرتس»: «تصور خاطئ للواقع في لبنان قد ترسخ في الوعي الإسرائيلي، في المكاتب والاستوديوهات. لقد تحققت نجاحات باهرة في الجولة السابقة، لكن صورة مزيفة لهزيمة كاملة لحزب الله تم رسمها هنا. عملياً، مازال لديه آلاف الصواريخ، حتى لو كان بعضها قصير المدى نسبياً».
فلسفة «الانتصار بعدم الخسارة»
في تحليل موسع للإستراتيجية الإيرانية و«حزب الله»، أوضح هرئيل، في البودكاست أن «أعداء إسرائيل - إيران، حماس في غزة وحزب الله في لبنان - يتشاركون الآن فلسفة حرب مشتركة: أنت تنتصر بعدم الخسارة».
وأضاف «في مرحلة ما، افترضت حماس أنها قادرة على هزيمة إسرائيل. وكذلك فعلت إيران. الآن، بعد تلقيهما ضربات قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة، تغيرت الطموحات الإيرانية. ما يتحدثون عنه الآن هو البقاء، تحمل الضربات والبقاء واقفين على أقدامهم».
واختتم هرئيل، تحليله بالقول: «الرئيس ترامب، يفشل في فهم هذا، ولهذا السبب يواصل الفشل في تحقيق الصفقة التي يسعى إليها لإنهاء الصراع. هم (الإيرانيون) ليسوا مهتمين بصفقات طويلة الأجل. الأمر يتعلق بالبقاء على قيد الحياة من خلال الفوضى، والبقاء على قيد الحياة من خلال المقاومة».
تحذير إسرائيلي من دروس غزة
في تحليل لافت، قال تسفي برئيل، إن «إسرائيل تعلمت درساً أو اثنين من فرض العقوبات الإنسانية القاسية على سكان غزة، وأدركت بعد فوات الأوان بأنها لم تحقق أي مكسب إستراتيجي، بل هذا جعلها دولة منبوذة».
خسائر بشرية وتحديات دفاعية
في جانب مهم من تقريره، تحدث عاموس هرئيل، عن الأضرار المتزايدة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن «الجيش يعترف بأن الصواريخ العنقودية تشكل صعوبة جديدة أمام أنظمة الاعتراض، إلى جانب تراكم الإصابات المباشرة بسبب الصواريخ ذات الرؤوس الحربية الكبيرة».
ووفقاً لـ«هآرتس»، هناك 16 إصابة مباشرة لمواقع عسكرية حساسة منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي.
وكشف هرئيل، عن أن «وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أعلن عن صفقة لتسريع التسلح بصواريخ حيتس»، لكنه انتقد التأخير في هذا القرار قائلاً «هذه خطوة كان يمكن اتخاذها في السابق، ربما بمساعدة الأموال الإضافية المخصصة لشركاء الليكود في الائتلاف».
الحياة تحت القصف
وفي تقرير ميداني، زارت جودي مالتس، محررة الشؤون اليهودية العالمية في «هآرتس»، موقف سيارات تحت الأرض تحول إلى مدينة خيام يسكنها سكان تل أبيب الذين لا يملكون حماية كافية ليلاً من الصواريخ.
وكتبت أن «معظم الأشخاص الذين قابلتهم كانوا هناك في يونيو (أثناء الحرب السابقة - 2025). عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران، حزموا حقائبهم وعادوا. لقد عرفوا الإجراء بالفعل».
حرب بلا مخرج؟
يجمع المحللون الإسرائيليون والأميركيون على أن الحرب الحالية دخلت مرحلة خطيرة ومعقدة، حيث يفتقر الطرفان إلى رؤية واضحة للخروج من المأزق. فبينما يراهن ترامب، على التصعيد العسكري لتحقيق إنجاز دبلوماسي، يبدو أن طهران ماضية في إستراتيجية الصمود والتمدد.
ويخلص بيرنز، إلى أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى تبني «خيار ثالث» يتمثل في إعلان النصر ثم مغادرة المنطقة، تاركة لأوروبا ودول الخليج مسؤولية تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
ويحذر من أن «الحرب عززت النظام الإيراني من بعض النواحي، لأنها مكّنت الحرس الثوري - الذي يسيطر على الاقتصاد - من الازدهار تحت مظلة الحرب. النظام الإيراني مصمم للبقاء على قيد الحياة، وليس للحكم».
وفي ما يتعلق بحزب الله، يخلص هرئيل، إلى أن «الانتصارات العسكرية الساحقة لا تضمن بالضرورة القضاء على الخصم، بل قد تدفعه إلى التحول والتكيف بطرق أكثر تعقيداً».
أما أخطر التداعيات، فتكمن في احتمالية تحول الصراع إلى حرب بنى تحتية، ما يهدد استقرار المنطقة بأسرها، ويعيد إنتاج مأساة إنسانية قد لا تقل فداحة عما حدث في غزة، ولكن هذه المرة على نطاق إقليمي أوسع.