العد التنازلي بين واشنطن وطهران: إنذار... تصعيد وحافة الحرب
- الهدف هو شلّ إيران مالياً وحرمانها من الموارد اللازمة لدعم برنامجها الصاروخي
- إذا فُرضت الحرب على طهران فسيكون البقاء... أولوية
وضع الرئيس دونالد ترامب، حداً فاصلاً وحدد له موعداً يبدو نهائياً: أمام إيران أسبوعان لقبول شروط واشنطن أو مواجهة عواقب قد تُشعل فتيل الحرب في الشرق الأوسط.
لم يعد الأمر مجرد جولة أخرى من التصريحات النارية بين الخصمين، بل هو موعد نهائي مدعوم باستعدادات عسكرية، ومواقف متشددة، ومنطقة مُنهكة أصلاً. إذا فشلت الدبلوماسية، فإن المواجهة القادمة، إن حدثت، لن تكون مجرد تبادل محدود للاتهامات، بل ستتحول إلى حرب متعددة الجبهة قد تُعيد تشكيل النظام الإقليمي لسنوات.
وفقاً لمصادر مطلعة على صناع القرار، قدمت الولايات المتحدة مجموعة من المطالب للوفد الإيراني، تعتبرها طهران بمثابة استسلام. ويجري الاستعداد من كلا الجانبين، حيث ينسق كل منهما مع حلفائه، مُفسحاً المجال للمفاوضات الدبلوماسية، ولكنه يستعد أيضاً لمواجهة قد تتجاوز في خطورتها الصراعات الإقليمية السابقة.
تشير مصادر إلى أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، نقلا ما عُرض على أنه المطالب الأساسية لإسرائيل. وتشمل هذه المطالب، بحسب التقارير، التفكيك الكامل للبنية التحتية النووية الإيرانية، وإن لم يُصرّا رسمياً على منع التخصيب نهائياً في البداية، ووضع سقف صارم يحدّ من مدى صواريخ إيران إلى 300 كيلومتر، ووقف الدعم الشامل لحلفائها الإقليميين.
في الوقت نفسه، أكد مسؤولون أميركيون مجدداً على موقف أكثر صرامة: منع إيران من إجراء أي تخصيب لليورانيوم على أراضيها. ويتماشى هذا الموقف بشكل أوثق مع الخطوط الحمراء الإسرائيلية الراسخة - لا قدرة تخصيب محلية، ولا تخصيب في الخارج تحت سيطرة إيرانية، ولا استمرار تطوير برنامج صاروخي قادر على الوصول إلى مدى استراتيجي.
إلا أن رد طهران لم يصل إلى حد الاستسلام. أبدت استعدادها لتعليق برنامجها النووي لسنوات عدة، والسماح بعمليات تفتيش شاملة لمنشآتها النووية ومنشآت تخصيب اليورانيوم، ووضع مخزونها البالغ 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة تحت إشراف دولي.
كما أشارت إيران إلى استعدادها لإبرام اتفاقية تجارية ضخمة مع الولايات المتحدة، تُقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، كبادرة حسن نية وأساس لتعاون طويل الأمد.
وكان رد الفعل الأميركي حازماً، حيث صرّح نائب الرئيس جيه دي فانس، بأن «إيران غير مستعدة للاعتراف بالخطوط الحمراء التي وضعها ترامب»، في إشارة إلى ما وصفته واشنطن بالمطالب الواضحة وغير القابلة للتفاوض.
ووفقاً لمصادر في صنع القرار في إيران، فإن حصر مدى الصواريخ في 300 كيلومتر سيُمكّن إسرائيل من ضرب إيران متى شاءت، تحت ذرائع مختلفة، كما تفعل في لبنان وقطاع غزة. وإذا لم تتمكن إيران من الرد بفعالية، فإن القوة الجوية الإسرائيلية ستعمل بحرية شبه تامة فوق الأراضي الإيرانية، قادرة على تنفيذ عمليات اغتيال مُستهدفة أو تدمير مواقع تُعتبر تهديداً. في مواجهة هذا السيناريو، ستفضل إيران القتال، بغض النظر عن حجم الدمار.
ويتوقع المصدر نفسه أن تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل البنية التحتية الحيوية في المرحلة الأولى من أي حرب. وتشمل الأهداف المحتملة شبكة الكهرباء الوطنية، ومنشآت الطاقة، والقواعد العسكرية التابعة للجيش والحرس الثوري وقوات الباسيج، والقوات البحرية، والصناعات العسكرية، ومصافي النفط، والموانئ، والمطارات، وغيرها من البنى التحتية الاستراتيجية التي تُشكل عماد الاقتصاد الإيراني.
«شل إيران»
وترى المصادر أن الهدف هو شلّ إيران مالياً وحرمانها من الموارد اللازمة لدعم برنامجها الصاروخي.
سيُمكّن هذا النهج ترامب من الادعاء بأنه قد حَيّد فعلياً القدرات الصاروخية الإيرانية بإضعاف الدولة نفسها. وتشير المصادر إلى التشابه مع الادعاءات السابقة حول تفكيك البرنامج النووي، حتى مع إصرار واشنطن على أنها لن تسمح أبداً لطهران بالحصول على سلاح نووي.
ومع ذلك، يُعتقد أن إسرائيل تسعى إلى ما هو أبعد من الردع، فهي تريد تغيير النظام. لكن الحرب وحدها قد لا تحقق هذا الهدف. فبحسب المصدر، يرى المسؤولون في واشنطن وتل أبيب أن الانهيار الاقتصادي قد يدفع السكان في نهاية المطاف إلى الانتفاضة ضد قيادتهم.
ميثاق الأمم المتحدة
وبعيداً عن الحسابات العسكرية، يبرز سؤالٌ أكثر جوهرية: ما هو الإطار القانوني الذي يُبرر للولايات المتحدة شن حرب ضد دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة في غياب هجوم مسلح؟
لا يسمح ميثاق الأمم المتحدة باستخدام القوة إلا في حالتين: الدفاع عن النفس في أعقاب هجوم مسلح، أو بتفويض من مجلس الأمن الدولي. أما الضربة الوقائية أو الاستباقية القائمة على القدرات المستقبلية لا على التهديد الوشيك، فتبقى محل جدل قانوني وسياسي.
إذا مضت واشنطن قدماً من دون دعم مجلس الأمن ومن دون دليل على هجوم وشيك، فإنها ستتجاوز النظام القانوني الذي ساهم في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية.
لن يؤدي هذا التحرك إلى تعميق الانقسامات العالمية فحسب، بل سيعزز أيضاً تصورات القوى المتنافسة بأن القواعد الدولية تُطبق بشكل انتقائي. ولن يقتصر السؤال بعد الآن على مدى صواريخ إيران أو قدراتها النووية، بل على مصداقية النظام الدولي نفسه.
ستكون لهذه السابقة أهمية تتجاوز طهران بكثير. إذا كان بإمكان دولة ما فرض الحرب لفرض خطوط حمراء من دون هجوم وشيك، فقد تحذو دول أخرى حذوها.
إذا اندلع صراع، فمن غير المرجح أن يبقى محصوراً في إيران. من شبه المؤكد أن «حزب الله» سينجر إليه - قبل أو أثناء أو في أعقاب الأعمال العدائية.
دمار سياسي وعسكري
بالنسبة للحزب، قد تُصبح الحرب فرصةً لإعلان أن لبنان لن يتسامح بعد الآن مع انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار لعام 2024، ما يفتح الباب أمام مواجهة ستكون عواقبها وخيمة على كلا الجانبين.
مع ذلك، سيكون الخيار محفوفاً بالمخاطر، من دون أي ضمانات للنتيجة. فإذا مُنيت إيران بهزيمة ساحقة، سيجد الحزب نفسه على الأرجح التالي في قائمة المتضررين - عسكرياً عبر الحدود وسياسياً داخل لبنان.
في المقابل، تُنذر المشاركة المباشرة في الحرب بخطر إحداث دمار إسرائيلي في لبنان يتجاوز بكثير مستوى الصراعات السابقة، وقد يصل إلى حجم لا يستطيع السكان تحمله.
لذا، فإن المخاطر ذات وجهين. فمن المرجح أن تُعرّض هزيمة إيران «حزب الله» لضغوط داخلية غير مسبوقة واستهداف خارجي. ولكن إذا صمدت إيران وحافظت على نظام حكمها، حتى من دون نصر ميداني واضح، فإن مكانة الحزب داخل لبنان ستتعزز بشكل كبير.
حرب ذات نطاق أوسع
يتماشى هذا التوجه مع تحذيرات المرجع الديني الأعلى السيد علي خامنئي، الذي أكد أن أي حرب ستكون ذات نطاق إقليمي. وقد تندلع جبهات متعددة في الشرق الأوسط إذا مضت الولايات المتحدة وإسرائيل قدماً في خطتهما.
من وجهة نظر إسرائيل، يرى مؤيدو الضربة أن الوضع السياسي الراهن مواتٍ بشكل استثنائي. فمع تواجد دونالد ترامب في منصبه، ينظر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى هذه اللحظة كفرصة نادرة لتحقيق ما دعا إليه لأكثر من عقد.
وقد عبّر رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت عن العقلية الاستراتيجية لإسرائيل بوضوح: «لن يحبونا. إن طموح أن يحب العالم إسرائيل لن يتحقق. ما نحتاجه هو أن يخشانا أعداؤنا، ويحترمنا أصدقاؤنا، وأن يحتاجنا الجميع. لقد جربنا أسلوب - أحبونا - لنحو ثلاثة آلاف عام، ولم ينجح».
قد يُختبر قريباً ما إذا كانت هذه العقيدة ستؤدي إلى الردع أم إلى حرب أوسع.
تواجه إسرائيل اتهامات مستمرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. في هذا السياق، تُعدّ فكرة قدرة الحرب على كسب القلوب والعقول في المنطقة موضع جدل كبير.
التأثير... أميركياً
ومن غير المرجح أن تخرج الولايات المتحدة من هذا المأزق من دون أن تتأثر. فبينما اصطفّ جزء كبير من المعارضة السياسية خلف نتنياهو في دعم العمل ضد إيران، فإن الوضع في واشنطن أكثر انقساماً. وقد أعرب العديد من أعضاء الكونغرس عن معارضتهم، بحجة أن إيران لا تُشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي،
لا سيما مع استمرار ترامب في التأكيد على أنه قد «دمّر» البرنامج النووي.
إن الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أكثر تعقيداً بكثير منها في إسرائيل. فالمواجهة العسكرية مع إيران في خضمّ دورة انتخابية ستُعيد حتماً تشكيل المشهد الانتخابي. بالنسبة لترامب... قد يُسهم التصعيد في حشد أجزاء من قاعدته السياسية حول رسالة القوة والردع. تاريخياً، استفاد الرؤساء الأميركيون أحياناً من تأثيرات «الالتفاف حول العلم» قصيرة الأجل خلال الأزمات الدولية.
البقاء... أولوية
من وجهة نظر طهران، إذا فُرضت عليها الحرب، فسيكون البقاء على قيد الحياة أولوية ولن يُتوقع منها أن تُقاتل وفقاً للقواعد التقليدية إذا اعتقدت قيادتها أن الدولة نفسها في خطر. تبقى النتيجة غير مؤكدة. لكن الوضع ليس كاليمن، وليس كالعراق. إيران قوة إقليمية محورية ذات تحالفات متعددة، وقدرات صاروخية، وإمكانية تعطيل تدفقات الطاقة العالمية. أي صراع سيمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.
سيكشف الأسبوعان المقبلان ما إذا كان هذا الإنذار يهدف إلى انتزاع تنازلات أم أن زخم الأحداث قد حسم الأمور بالفعل. يُظهر التاريخ أن الحروب غالباً ما تبدأ لا لأنها حتمية، بل لأن القادة يقنعون أنفسهم بإمكانية السيطرة عليها. إذا ثبت خطأ هذا الحساب، فلن تُقاس العواقب بأسابيع أو أشهر، بل بسنوات من عدم الاستقرار، والصدمة الاقتصادية، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.