في خضم المعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة، لم يوافق المرشح (آنذاك) جو بايدن منافسه دونالد ترامب على أي من السياسات الداخلية أو الخارجية، باستثناء حول اتفاقيات السلام التي نجح ترامب في رعاية توقيعها بين إسرائيل، من جهة، والإمارات والبحرين والسودان والمغرب من جهة ثانية، وهي اتفاقيات أثنى عليها الرئيس الحالي بايدن.

وفي جلسة الاستماع للمصادقة على تعيين انتوني بلينكن وزيراً للخارجية الثلاثاء الماضي، أشار المسؤول الأميركي إلى أن واشنطن تنوي قلب كل سياسات إدارة الرئيس السابق ترامب، باستثناء نقلها السفارة الأميركية إلى القدس الغربية، وموضوع مواصلة السعي لاتفاقيات سلام أحادية بين إسرائيل وبقية الدول العربية.

لكن رغم أن إسرائيل تكاد تكون الموضوع الوحيد الذي يلقى إجماعاً بين الإدارتين الأميركيتين، السابقة والحالية، إلا أن هناك عدداً لا بأس به من نقاط التباين، أولها أن إدارة بايدن ستعمل على إعادة التمويل الأميركي لوكالات الأمم المتحدة المعنية بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وثانيها، أن إدارة بايدن لن تعترف بأي ما من شأنه أن يتعارض والقانون الدولي.

وفي موضوع القدس، لم يعترف ترامب بها «موحّدة»، عاصمة لإسرائيل، وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام القدس الشرقية لتكون عاصمة الفلسطينيين.

ثم أن السفارة الأميركية في القدس هي في الشطر الغربي من المدينة، وهذا من حصة إسرائيل، حتى في القانون الدولي. أضف إلى أن إدارة بايدن ستعود إلى الموقف الرسمي الأميركي التقليدي والقائل بلا قانونية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وهضبة الجولان السورية.

أما الأهم، فهو رفض بايدن لتسوية السلام التي قدمها صهر ترامب، جاريد كوشنر، والمعروفة بـ«صفقة العصر»، وهي تقضي بقيام جيوب فلسطينية، تحكم نفسها ذاتياً، ومتواصلة عبر شبكة من الأنفاق.

أما أكثر العناصر إثارة للجدل في صفقة كوشنر، فتكمن في مطالبتها أن تمثل التسوية التي يقدمها حلاً نهائياً يوقع عليه الفلسطينيون، ويتخلون بعده عن أي من مطالبهم تجاه إسرائيل.

فريق بايدن مختلف.

حتى اليهود الأميركيين العاملين فيه أو المقربين منه، والمتابعين للقضية الفلسطينية، يرفضون عرض كوشنر بالكامل، ويعتبرونه مجحفاً بحق الفلسطينيين، ويجددون تمسك الولايات المتحدة بحل الدولتين، المبني على أساس الأرض مقابل السلام والقرارات الدولية ذات الصلة.

لكن هذا لا يعني أن بايدن أو فريقه يرون نافذة لتنفيذ هذه التسوية أو التوصل لحل نهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل هم يتمسكون بموقف الرئيس السابق باراك أوباما، والقائل إن أميركا يمكنها رعاية تسوية سلمية، ولكن لا يمكنها أن ترغب في السلام أكثر من الأطراف المعنية، أي الفلسطينيين والإسرائيليين.

على أنه في غياب أي بارقة أمل للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، جدّد الديموقراطيون رؤيتهم للسياسة الأميركية المطلوبة تجاه إسرائيل، ونشر بعض من باحثيهم، المقربين من الإدارة، دراسات ضمّنوها رؤيتهم لكيفية تعامل واشنطن مع هذا الملف في السنوات الأربع المقبلة.

في هذا السياق، صدرت دراسة عن «مركز الأمن الأميركي الجديد»، بقلم إيلان غولدنبرغ ومايكل كوبلاو وتامارا كوفمان ويتس، جاء فيها أنه في ظل صعوبة التوصل إلى حل نهائي، لا بدّ لواشنطن من الضغط على إسرائيل لحملها على تحسين ظروف معيشة الفلسطينيين، ووقف الاستيطان، ووقف مشاريع البنى التحتية المخصصة للمستوطنات في الضفة الغربية.

لكن ما اعتبرته الدراسة اقتراحات جديدة لا تعدو كونها تكراراً لدعوات مشابهة داخل إسرائيل، لم تأت من اليسار الإسرائيلي، حسب العادة، بل من أصوات يمينية، على غرار ميخا غودمان، الذي أثار في كتابه «عقدة 67»، الصادر قبل عامين، نقاشاً واسعاً في إسرائيل.

واعتبر غودمان أن التوصل الى تسوية نهائية، متعذر، لأنه لا يمكن لأي طرف تقديم تنازلات كافية للوصول إليها، وأن البديل الممكن هو التوصل الى أكبر تسوية ممكنة، من دون إضفاء طابع «النهائية» عليها، بل اعتبارها تسوية أفضل الممكن، إلى أن تتغير الأمور مستقبلاً، وربما تحدث انفراجات.

وبحسب غودمان، فإن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية «قانوني لكنه ليس أخلاقي»، و«يؤذي سمعة الديموقراطية الإسرائيلية، إذ لا يجوز للإسرائيليين أن يحكموا أنفسهم ديموقراطياً، وأن يحكموا غير الإسرائيليين عسكرياً».

لذا، يقترح غودمان انسحاباً إسرائيلياً إلى أقصى حد ممكن، مع احتفاظ إسرائيل بالمناطق التي تعتبرها إستراتيجية للدفاع عن نفسها، أي قمم التلال الموازية للخط الساحلي، وكذلك حوض الأردن.

أما معظم الضفة الغربية وأحياء في القدس الشرقية، فيمكن الانسحاب منها تماماً، وتسليمها للفلسطينيين ليحكموا أنفسهم داخلها، ومعاونتهم في ذلك، وجعلها متواصلة من دون أن يضطر الفلسطينيون إلى التعامل مع أي إسرائيليين في تجوالهم في أراضيهم.

واقتراح غودمان، يبدو أقل من عرض رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو للفلسطينيين أثناء رئاسة أوباما، والقاضي بمنحهم أكبر مساحة ممكنة للأراضي مقابل تسوية نهائية. لكنه عرض رفضه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بسبب نهائيته، على ما يرى غودمان، وهو ما يعني، أنه قبل التوصل إلى حل نهائي، يمكن لإسرائيل تقليص منسوب التوتر والصراع إلى حدوده الدنيا عبر إجراءات لا تسميها نهائية، وبذلك لا تحرج أي من السياسيين الفلسطينيين أو الإسرائيليين في حال حاولوا إقناع الرأي العام عندهم بقبولها.

منذ انهيار آخر تسوية بين الطرفين في زمن أوباما، لم تكرر واشنطن محاولتها الدفع باتجاه سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، الى أن جاء كوشنر وصفقته، لكنها كانت صفقة أكثر يمينية ودعماً للاستيطان مما يطالب به اليمين الإسرائيلي نفسه. ثم وصل الديموقراطيون إلى الحكم في واشنطن، فقدموا أبحاثاً سقف مطالبها أدنى بكثير مما يمكن لليمين الإسرائيلي القبول به.

في الحالتين، يظهر انفصال الجمهوريين والديموقراطيين عن واقع ومزاج الفلسطينيين والإسرائيليين، ويبدو الأميركيون وكأنهم ينظّرون من على بعد عشرة آلاف كيلومترا، ويقدمون نظريات تبقى في معظمها حبرا على ورق على شكل دراسات وأبحاث.

أما اليسار الإسرائيلي، فهو أكثر استعداداً لتقديم تنازلات أكبر للفلسطينيين، لكن هذا اليسار، مثل القيادة الفلسطينية، لا قدرة له على الحكم أو على تنفيذ أو الالتزام بأي من مقررات السلام في حال تم التوصل إليه، وهو ما يعني أن أي تحسين لوضع الفلسطينيين يبقى في أيدي اليمين الإسرائيلي، وخارج التصورات الأميركية التي تنقصها الدقة والمعرفة على الأرض.