كلما انطلقت صافرة البداية، ظن الناس أن السياسة قد أغلقت أبوابها، وأن العالم منح البشرية هدنةً من الحروب والخلافات. لكن الحقيقة أن المستطيل الأخضر لم يكن يوماً جزيرةً معزولة عن اليابسة، بل كان دائماً امتداداً لها؛ تتصارع فوقه الأفكار كما تتصارع الأقدام، وتتنافس فيه الأعلام قبل أن تتنافس المنتخبات.

كرة القدم ليست لعبة فحسب، بل هي مسرحٌ هائل للبشر بكل ما يحملونه من قناعات وأهواء وانتماءات. فاللاعب الذي يراوغ خصمه هو ذاته المواطن الذي يحمل رأياً سياسياً، والمدرب الذي يرسم خطة المباراة قد يحمل في داخله جراح وطن، والحكم الذي يطلق صافرته ليس إنساناً خرج من فراغ، بل هو ابن بيئة وثقافة وتاريخ.

لهذا كان دييغو مارادونا، أكبر من مجرد لاعب كرة. فقد حمل في جسده ما يؤمن به؛ نقش صورة تشي غيفارا، على ذراعه، وفيدل كاسترو، على ساقه، وكأنه يعلن أن الإنسان يستطيع تغيير ناديه، لكنه لا يستطيع اقتلاع قناعاته من داخله. لم تكن تلك الأوشام زينة، بل بياناً سياسياً مكتوباً على الجلد.

وهنا يكمن الوهم الذي يردده البعض:

«دعوا السياسة خارج الرياضة».

وكأن السياسة تقف عند بوابة الملعب منتظرة إذناً بالدخول!

منذ تأسيس البطولات الكبرى، كانت الرياضة إحدى أدوات القوة الناعمة للدول. وفي كل دورة أولمبية أو كأس عالم، لا تتنافس المنتخبات وحدها، بل تتنافس النظم السياسية، والصور الذهنية، والاقتصادات، ورسائل النفوذ.

في عام 1968، وقف العداءان الأميركيان تومي سميث وجون كارلوس، على منصة التتويج في أولمبياد مكسيكو سيتي، ورفعا قبضتيهما المغطاتين بقفازين أسودين احتجاجاً على العنصرية. لم يحتفِ العالم بالميداليات بقدر ما انشغل بالإشارة السياسية التي أصبحت أحد أشهر صور القرن العشرين.

وفي عام 1980، قاطعت عشرات الدول أولمبياد موسكو بسبب الغزو السوفياتي لأفغانستان، لترد الكتلة الشرقية بعد أربع سنوات بمقاطعة أولمبياد لوس أنجليس. لم تكن الملاعب يومها ساحات سباق، بل خرائط حرب باردة ترتدي الملابس الرياضية.

واليوم، بينما تستضيف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك كأس العالم، والعالم يعيش توترات وحروباً واستقطاباً غير مسبوق، يصبح من السذاجة الاعتقاد بأن البطولة ستظل معزولة عن هذا المشهد. فالأحداث العالمية لا تتوقف عند بوابات الملاعب، بل تدخل مع الجماهير، وتجلس في المدرجات، وترفرف مع الأعلام.

لقد رأينا كيف يمكن لعلم يُرفع في المدرجات أن يستفز مشاعر جهاز فني بأكمله، وكيف تتحول دقائق مباراة إلى ساحة صراع للرموز والهويات قبل أن تكون صراعاً على النقاط. فالكرة قد تكون واحدة، لكن القراءات حولها بعدد الأعلام المرفوعة فوق المدرجات.

إن أخطر ما نعيشه اليوم هو تسييس الرياضة، والأخطر منه هو تسييس العدالة الرياضية. فعندما يشعر العالم أن القرارات قد تتأثر بقوة الدولة المستضيفة، أو بثقلها السياسي، أو بنفوذها الاقتصادي، فإن الخاسر الحقيقي ليس المنتخب، بل الثقة في اللعبة نفسها.

فالعدالة الرياضية لا يجوز أن تحمل جنسية، ولا أن تتحدث لغة السياسة، ولا أن تنحاز إلى صاحب الأرض أو صاحب النفوذ. لأن أول ضحية للتسييس ليست النتيجة، وإنما هي مصداقية البطولة بأكملها.

لقد أثبت التاريخ أن المستطيل الأخضر ليس سوى مرآة للعالم. فإذا اشتعل العالم، اشتعلت المدرجات. وإذا انقسمت العواصم، انقسمت الهتافات. وإذا تصادمت الأيديولوجيات، ظهرت على قمصان اللاعبين، وفي احتفالاتهم، وفي الأعلام التي يحملها الجمهور.

ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا دخلت السياسة إلى الرياضة؟

بل السؤال الحقيقي هو: هل خرجت منها يوماً؟!

من يقرأ التاريخ بإنصاف، سيكتشف أن كأس العالم لم يكن مجرد بطولة لتحديد أفضل منتخب، بل كان في كثير من نسخه كتاباً مفتوحاً يروي موازين القوى في العالم، وتحولات النفوذ، ورسائل الدول، وصراعات الهوية.

فالكرة تدور فوق العشب... لكن السياسة كثيراً ما تحدد اتجاه الريح!