البعثات الجامعية... من إدارة التوظيف إلى صناعة مُستقبل الكويت

تصغير
تكبير

لا توجد سياسة حكومية ترسم مستقبل الدولة مثل سياسة الابتعاث. فالطرق والجسور يُمكن إعادة بنائها، والمشروعات يُمكن تعديلها، أما الإنسان الذي يُبتعث اليوم فسيقود مؤسسات الدولة واقتصادها بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. ولهذا فإن السؤال الحقيقي عند إعلان خطة البعثات ليس: كم مقعداً أُعلن؟ ولا كم تخصصاً أُدرج؟ وإنما: أيّ كويت نريد عام 2040 و2050؟ وهل صُممت البعثات لصناعة هذا المستقبل؟

يُحسب لوزارة التعليم العالي أنها بذلت جهداً واضحاً في ربط خطة البعثات باحتياجات سوق العمل، بالتنسيق مع ديوان الخدمة المدنية والهيئة العامة للقوى العاملة والجهات الحكومية والقطاع النفطي. كما أن توجيه نسبة كبيرة من المقاعد إلى التخصصات الصحية يعكس استجابة لنقص حقيقي في بعض المهن الحيوية.

لكن هذا النجاح الإداري يطرح سؤالاً أكبر: هل نُخطّط لسوق العمل الحالي، أم لاقتصاد المستقبل؟

إن العالم لا يعيش مجرد تطور تقني، بل يعيش إعادة تشكيل كاملة للاقتصاد العالمي. ويُؤكّد تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن ما يقارب 39 % من المهارات الأساسية في الوظائف الحالية ستتغيّر بحلول عام 2030، وأن التحول الاقتصادي سيؤدي إلى استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة، بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة. والأهم من ذلك أن الوظائف الأسرع نمواً ستكون في الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والهندسة البيئية، والطاقة المتقدمة، بينما ستتراجع كثير من الوظائف الإدارية والروتينية التقليدية.

ولم يعد السؤال المطروح في الدول المتقدمة: «كم طبيباً أو مهندساً نحتاج؟»، بل أصبح: «كم عالماً في الذكاء الاصطناعي؟ وكم متخصصاً في الرقائق الإلكترونية؟ وكم خبيراً في الأمن السيبراني؟ وكم باحثاً في التكنولوجيا الحيوية؟»

فالدول التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم لا تبني خُططها التعليمية على الوظائف الحالية، بل على الصناعات التي تريد امتلاكها بعد عشرين عاماً.

ولعلّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه أيّ دولة هو أن تُخطّط لمستقبلها بعقلية الحاضر.

الكويت تمتلك رؤية وطنية طموحة هي رؤية الكويت 2035، التي تستهدف التحوّل إلى مركز مالي وتجاري، واقتصاد أكثر تنوعاً، وحكومة رقمية، وقطاع خاص أكثر إنتاجية. لكن تحقيق هذه الرؤية لا يعتمد فقط على المشروعات والبنية التحتية، بل يعتمد قبل ذلك على نوعية الكفاءات التي نُعدّها اليوم.

وهنا أرى أن فلسفة الابتعاث ما زالت بحاجة إلى نقلة نوعية. فهي، في معظمها، تنطلق من سدّ احتياجات الأجهزة الحكومية الحالية، بينما المطلوب أن تتحوّل إلى أداة لبناء رأس المال البشري الذي سيقود اقتصاد المعرفة.

فعلى سبيل المثال، أين البرامج الوطنية الكبرى لإعداد علماء في الذكاء الاصطناعي؟ وأين الابتعاث المنظم في علوم البيانات، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات، والتقنيات الحيوية، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والروبوتات، والهندسة الجينية، والسياسات العامة المبنية على البيانات؟

إن هذه التخصصات ليست ترفاً علمياً، بل أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي والأمن الوطني للدول.

ولذلك، فإن الاقتصار على تلبية احتياجات الوظائف الحالية قد يحلّ مشكلة اليوم، لكنه قد يصنع فجوة أكبر غداً.

وتُشير أحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن نقص المهارات أصبح من أكبر معوقات تبني الذكاء الاصطناعي، وأن المؤسسات التي تستثمر في تدريب الكفاءات الرقمية وتحليل البيانات تُحقّق استفادة أكبر من التحول التقني، بينما أصبحت المهارات المرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي شرطاً رئيساً للنمو الاقتصادي والتنافسية.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: هل نريد من البعثات أن تُخرّج موظفين، أم أن تُخرّج علماء وقادة ومؤسسي شركات تقنية ومبتكرين؟

إن الفرق بين التجربتين هو الفرق بين اقتصاد يستهلك المعرفة، واقتصاد يُنتجها.

ومن هنا، فإن ما تحتاجه الكويت ليس مجرد خطة بعثات سنوية، وإنما إستراتيجية وطنية لرأس المال البشري حتى عام 2050، تُبنى على أسئلة واضحة ودقيقة:

كم تحتاج الكويت من خبراء الذكاء الاصطناعي؟

كم تحتاج من علماء البيانات؟

كم تحتاج من الباحثين في الطاقة الجديدة؟

كم تحتاج من المُتخصّصين في الأمن الغذائي والمائي؟

كم تحتاج من خبراء الأمن السيبراني والسياسات العامة والتكنولوجيا المالية؟

ثم تُبنى البعثات، وبرامج الدراسات العليا، والمنح البحثية، والتدريب المهني، على هذه الاحتياجات، مع مراجعتها دورياً وفق المتغيرات العالمية.

كما أقترح إعادة هيكلة الابتعاث إلى خمسة مسارات وطنية مُتكاملة: الأول لتغطية الاحتياجات الأساسية في الصحة والتعليم والهندسة، والثاني لدعم المشاريع الوطنية الكبرى ورؤية الكويت 2035، والثالث لتقنيات المستقبل، والرابع لإعداد القيادات العليا في الإدارة والاقتصاد والسياسات العامة، والخامس لرعاية أصحاب المواهب الاستثنائية في العلوم والابتكار والفنون، حتى وإن لم تكن تخصّصاتهم ضمن التصنيفات التقليدية.

إن الدول لا تتنافس اليوم بعدد خريجيها، بل بنوعية عقولها، ولا تُقاس قوة الجامعات بعدد شهاداتها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار. ولهذا فإن كلّ مقعد ابتعاث هو في الحقيقة قرار استثماري طويل الأجل، لا يقل أهمية عن أيّ مشروع وطني كبير.

لقد أحسنت وزارة التعليم العالي عندما ربطت البعثات باحتياجات سوق العمل، لكن المرحلة المقبلة تتطلّب خُطوة أبعد: أن نربطها بمستقبل الكويت، لا بوظائفها الحالية فقط.

فالاقتصاد الذي نُريد أن نراه بعد عشرين عاماً لن تصنعه قرارات الغد، بل تصنعه البعثات التي نُقرّرها اليوم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي