تشير توقعات عدد من المؤسسات المالية والاستشارية الدولية إلى أن أسعار النفط خلال العامين المقبلين قد تتراوح بين 55 و60 دولاراً للبرميل... كيف ستتعامل الدول الخليجية مع هذا الواقع؟
... وهو مستوى يُعد منخفضاً مقارنة باحتياجات معظم الدول الخليجية المنتجة والمصدرة للنفط، التي تحتاج إلى أسعار تقارب 90 دولاراً للبرميل أو أكثر لتحقيق التوازن في موازناتها العامة دون تسجيل عجز مالي.
ويبدو أن الوصول إلى هذا المستوى السعري في الوقت الراهن أمر غير مرجح، في ظل استمرار وفرة المعروض في الأسواق العالمية، وتزايد الإنتاج النفطي من مختلف الدول المنتجة. كما تشير التجارب السابقة إلى صعوبة التزام جميع المنتجين بحصص الإنتاج المتفق عليها، إذ ظل الالتزام الكامل أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق النفطية. فعندما تُخفض كميات الإنتاج وترتفع الأسعار، تسارع بعض الدول إلى زيادة إنتاجها للاستفادة من المكاسب المالية السريعة، وهو ما يحد من فاعلية جهود الدول الساعية إلى تحقيق الاستقرار في الأسواق، ويؤدي إلى استمرار التقلبات السعرية بما ينعكس سلباً على نمو الطلب العالمي واستقرار أسواق الطاقة.
لقد بذلت منظمة أوبك، ومعها تحالف أوبك+، جهوداً كبيرة خلال السنوات الماضية لإعادة التوازن إلى السوق من خلال خفض الإنتاج وإدارة المعروض النفطي. كما انضمت دول نفطية كبرى، وفي مقدمتها روسيا، إلى هذا التحالف دعماً لاستقرار السوق، إلا أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة بصورة مستدامة، وهو ما يفسر استمرار التقلبات الحادة في أسعار النفط والاجتماعات المتواصلة لأعضاء التحالف لمتابعة تطورات السوق.
وقد شهدت الأسواق خلال إغلاق مضيق هرمز ارتفاعاً تجاوز 120 دولاراً للبرميل نتيجة اضطرابات الإمدادات، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى مستويات تقل عن 70 دولاراً للبرميل، لتدور أخيراً حول 68 دولاراً. ومع ذلك، لا يزال بعض التوقعات يشير إلى احتمال هبوط الأسعار إلى حدود 60 دولاراً للبرميل أو أقل إذا استمرت وفرة الإمدادات وضعف نمو الطلب العالمي، وهو ما قد يدفع «أوبك+» إلى إعادة تقييم سياساتها خلال اجتماعاتها المقبلة.
ويبرز في هذا السياق تحدٍ آخر يتمثل في الإنتاج الأميركي، الذي يبلغ نحو 14 مليون برميل يومياً من النفط الخام، وهو الأعلى عالمياً. ويشكل هذا الإنتاج الضخم مصدر قلق للدول الأعضاء في «أوبك+»، التي يبلغ إجمالي إنتاجها نحو 28 مليون برميل يومياً. كما عزّزت الولايات المتحدة صادراتها النفطية إلى الأسواق الأوروبية مستفيدة من التحولات التي شهدتها حركة الإمدادات العالمية، وغالباً ما تعرض خامها بأسعار تقل بنحو خمسة إلى ستة دولارات للبرميل مقارنة ببعض الخامات المنافسة، ما يزيد من حدة المنافسة في الأسواق الدولية.
ورغم انخفاض العائدات، فإن السوق الأميركية تظل من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، وقادرة على استيعاب كميات كبيرة من النفط، وهو ما يجعلها سوقاً لا يمكن تجاهله بالنسبة للدول المصدرة، حتى وإن كان ذلك على حساب انخفاض الإيرادات.
ومن هنا، قد يكون من الضروري أن تستعد الدول المنتجة لمرحلة قد تتسم بانخفاض الأسعار واستمرار زيادة الإنتاج العالمي. وربما يكون من المناسب أن تتريث «أوبك+» في اتخاذ إجراءات إضافية، لإتاحة الفرصة أمام الأسواق لاختبار قدرة المنتجين من خارج التحالف على التكيف مع مستويات الأسعار المنخفضة، ومدى استعدادهم للاستمرار في الإنتاج عند هذه المستويات.
وفي حال أثبتت الأسواق أن الأسعار الحالية غير قابلة للاستمرار بالنسبة للعديد من المنتجين، فقد تجد «أوبك+» نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياساتها والعودة إلى خيار خفض الإنتاج. أما إذا استطاعت الأسواق تحقيق التوازن بصورة طبيعية، فقد يكون تقليص التدخل المباشر من جانب المنظمة خياراً أكثر فاعلية على المدى الطويل.
وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً مهماً لسياسات إدارة السوق النفطية، كما ستكشف مدى قدرة المنتجين داخل أوبك+ وخارجها على التكيف مع واقع جديد قد يتسم بانخفاض الأسعار واشتداد المنافسة في سوق الطاقة العالمية.
كاتب ومحلل نفطي مستقل