مع التوسع في بناء المساكن المخصصة للإيجار، والرغبة في تحقيق أعلى العوائد المادية، لم تعد هذه المشروعات تقتصر على المناطق التجارية، بل امتدت إلى المناطق السكنية الهادئة، حيث ارتفعت مبانٍ متعددة الأدوار تضم أعداداً كبيرة من الشقق والسكان، دون أن توفر لهم سراديب أو مواقف كافية لسياراتهم.
غير أن النظر إلى هذه المشروعات من زاوية العائد المادي وحده يغفل جانباً لا يقل أهمية، وهو النظام العام، وحقوق الجيران، وراحة سكان المنطقة؛ فالمشكلة لا تقف عند حدود العقار، بل تمتد آثارها إلى كل من يعيش حوله.
وحق الجار لا يقتصر على كف الأذى المباشر، بل يشمل مراعاة كل ما ينتقص من راحته أو يخل بسكينته. فالجار الذي اختار السكن في منطقة هادئة لم يكن يتوقع أن تتحول شوارعها إلى مواقف مزدحمة، أو أن يصبح الدخول إلى منزله والخروج منه معاناة يومية. فإن احترام حق الجار لا يتحقق بالامتناع عن الإيذاء فحسب، بل يبدأ من التخطيط المسؤول الذي يوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
ومن القيم التي يحتاجها المجتمع اليوم أن يفكر الإنسان في نتائج أفعاله قبل الإقدام عليها. فما قد يحقق لصاحبه منفعة خاصة، قد يخلّف ضرراً عاماً إذا غابت عنه النظرة الشاملة. فالمالك أو المستثمر لا يقتصر دوره على تحقيق الربح، بل يضع في اعتباره حقوق الآخرين، وما قد يترتب على مشروعه من آثار اجتماعية وتنظيمية؛ لأن المسؤولية الحقيقية لا تنفصل عن احترام المجتمع الذي يحتضن هذا المشروع.
وقد فرض هذا الواقع على السكان سلوكيات لم يكونوا ليختاروها لولا غياب البدائل؛ فيجد أحدهم نفسه مضطراً إلى إيقاف سيارته أمام منزل غيره، أو في موقع يعيق حركة الآخرين، فتضيق الشوارع الداخلية، وتتعطل مداخل المنازل، وتنشأ الخلافات بين الجيران، فضلاً عن كون هذه الممارسات مخالفة للنظام العام.
ومن العدل ألا ننظر إلى هذه المشكلة على أنها مجرد أزمة مواقف، بل هي صورة من صور اختلال التوازن بين الحق الخاص والمصلحة العامة.
وفي الختام، فإن الاستثمار الناجح لا يُقاس بحجم العائد المادي وحده، بل بقدر ما يحقق المنفعة دون الإضرار بالآخرين. ومن هنا، فإن مسؤولية الملاك وأصحاب المباني لا تنفصل عن مسؤولية الجهات المعنية في تطبيق الأنظمة التي تحفظ حقوق السكان، وتنظم المناطق السكنية، وتصون حق الجار، ليبقى العمران وسيلةً لبناء المجتمع، لا سبباً في الإضرار به.
aaalsenan @