في الوقت الذي يتسابق فيه البعض إلى تنميق العبارات وتدوير الزوايا الحادة وصناعة لغة رمادية لا تُغضب أحداً ولا تُطمئن أحداً، خرج وزير الخارجية الشيخ جراح الجابر الصباح، بتوصيف واضح وصريح لما جرى، واصفاً إياه بأنه «عدوان إيراني آثم» ألقى بظلاله على أمن واستقرار دولة الكويت.

قد تبدو الجملة عادية للبعض، لكنها في زمن الحسابات الدقيقة والمفردات المنتقاة بالمليمتر، تحمل من الدلالات ما يفوق عشرات البيانات المطولة والخطب المنمقة.

فالحقيقة لا تحتاج إلى مترجم.

والخطر لا يحتاج إلى تجميل.

والتهديد لا يصبح أقل خطورة عندما نغلفه بمصطلحات دبلوماسية باردة.

منذ سنوات طويلة والمنطقة تدفع ثمن مشروع توسعي لم يتوقف عند حدود دولة، ولم يحترم سيادة دولة، ولم يتردد في استخدام الوكلاء والسلاح والفوضى كأدوات لتحقيق أهدافه. دفعت عواصم عربية أثماناً باهظة، وسقطت دول في مستنقعات الانقسام، واهتزت خرائط الأمن والاستقرار، فيما كان بعض المنظرين يطالبوننا في كل مرة بخفض سقف اللغة حتى وإن ارتفع سقف التهديد.

وكأن المطلوب من الضحية أن تعتذر لأنها شعرت بالخطر.

وكأن المطلوب من الدول أن تصمت حتى لا تزعج المعتدي.

واليوم، بينما يتداول العالم أخباراً وتحليلات حول ترتيبات ما بعد المواجهات العسكرية الأخيرة، وحول احتمالات التعويضات والتسويات والصفقات، يخرج صوت رسمي كويتي ليؤكد حقيقة بسيطة: أمن الكويت ليس بنداً تفاوضياً على طاولة أحد.

دولة الكويت لم تعتدِ على أحد.

لم تهدد أحداً.

لم تتجاوز حدودها.

لكنها في المقابل لن تقبل أن يتحول أمنها إلى هامش في مشاريع الآخرين أو أن تصبح مصالح شعبها رهينة حسابات إقليمية لا ناقة لها فيها ولا جمل.

المثير للسخرية أن بعض المتفلسفين في شؤون الدبلوماسية يعتبرون الوضوح خطأً، بينما يعتبرون الغموض بطولة سياسية. يتحدثون عن المرونة حتى تذوب المواقف، وعن الحكمة حتى تختفي الحقائق، وعن التوازن حتى يفقد الميزان كفتيه.

هؤلاء ينسون أن الدبلوماسية ليست مدرسة لتعليم الصمت.

وليست مؤسسة لإخفاء الوقائع.

وليست غطاءً لإلغاء حق الدولة في الدفاع عن مصالحها.

بل إن التوصيف الدقيق للأخطار هو أول خطوة في بناء سياسة خارجية محترمة.

وإذا كان إنشاء صندوق للاستجابة الطارئة برأسمال مئة مليون دولار يعكس وعياً بحجم التحديات القادمة، فإن التصريح المصاحب له يعكس وعياً أكبر بحقيقة تلك التحديات ومصدرها.

فالجاهزية لا تعني تخزين الأموال فقط.

الجاهزية تبدأ من وضوح الرؤية.

ومن الاعتراف بالمخاطر.

ومن تسمية الأشياء بأسمائها.

إنّ الشعوب لا تطلب من مسؤوليها خطابات نارية ولا شعارات صاخبة، لكنها تحترم المسؤول الذي يتحدث بلغة يفهمها الناس، لا بلغة البيانات المعقمة التي لا تقول شيئاً.

ولهذا استقبل كثير من الكويتيين تصريح الشيخ جراح الجابر، بارتياح؛ لأنه عبّر عما يشعر به المواطن عندما يرى التهديدات تحيط بالمنطقة، وعندما يدرك أن أمن وطنه ليس ملفاً نظرياً في كتب العلاقات الدولية، بل قضية وجود واستقرار ومستقبل.

في السياسة قد تختلف المواقف.

وقد تتغير التحالفات.

وقد تتبدل المصالح.

لكن تبقى هناك قاعدة ثابتة لا تتغير: الدول القوية ليست تلك التي ترفع صوتها أكثر من غيرها، بل تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لتقول الحقيقة عندما يحاول الآخرون دفنها تحت ركام المجاملات.

والشيخ جراح الجابر، في هذه القضية تحديداً، قال الحقيقة كما هي... دون رتوش.