الجهراء التي لا تنسى

تصغير
تكبير

ليست الجهراء مجرد مدينة على أطراف الصحراء، بل هي صفحة مضيئة من تاريخ الكويت، وذاكرة نابضة بالحياة، ومدرسة عريقة في الكرم والشهامة والوفاء. وما زلت أؤمن أن الإنسان لا ينسى المكان الذي تشكلت فيه روحه، ولا الأرض التي فتحت عينيه على الجمال للمرة الأولى.

في الجهراء أبصرت النور، وعلى ترابها خطوت خطواتي الأولى، وبين مزارعها تعلمت أن للطبيعة لغة لا يسمعها إلا من أحبها، وأن لون السماء عند الغروب، وخضرة النخيل، وصفاء الماء، ليست مجرد مناظر، بل دروس في الجمال والإيمان.

كانت الجهراء في ذلك الزمن وادعة مطمئنة، تتجاور فيها البيوت كما تتجاور القلوب. يعرف الجار جاره، ويطرق الباب وهو واثق أنه سيدخل بيتاً من بيوت أهله. لم تكن العلاقات تُقاس بالمصالح، وإنما بالمحبة والوفاء وحسن الجوار.

وللديوانية مكانتها التي لا تغيب عن الذاكرة. كانت مجلس الحكمة، ومنبر التشاور، وملتقى الرجال، يتبادلون فيها الرأي والخبر، ويقفون مع المحتاج، ويصلحون بين المتخاصمين، ويستقبلون الضيف بابتسامة صادقة قبل أن تمتد إليه أكواب القهوة العربية. هناك تعلمنا أن الكرم ليس كثرة ما نملك، وإنما حسن استقبال الناس، وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو الذكر الطيب.

أما مزارع الجهراء، فكانت عالمي الأول، ومنها بدأت رحلتي مع الفن. كنت أتأمل صفوف النخيل وهي تمتد في الأفق، وأراقب انعكاس الشمس على السواقي، وأصغي إلى أصوات الطيور عند الفجر، فأشعر أن الطبيعة ترسم لوحاتها بنفسها، وما على الفنان إلا أن يقرأ هذا الجمال بعينيه وقلبه.

لقد كانت تلك المشاهد أول معلم لي في الرسم. فمنها تعلمت قيمة الضوء، وسحر الظل، وانسجام الألوان، وهدوء التكوين. ولم تكن لوحاتي فيما بعد إلا امتداداً لذلك المخزون البصري الذي احتضنته الجهراء في طفولتي وشبابي.

وفي مواسم الربيع كانت الأرض تكتسي حلتها الخضراء، وتخرج الأسر للاستمتاع بجمال الطبيعة، بينما تعبق الأجواء برائحة النباتات البرية بعد المطر، وكأن الصحراء نفسها تحتفل بالحياة. كانت تلك الأيام تغرس في النفوس حب الأرض، وتربط الإنسان ببيئته ارتباطاً لا ينقطع.

كما كانت الجهراء رمزاً للعمل والصبر. رجالها عرفوا قيمة الكد، وأدركوا أن الرزق ثمرة الجد والاجتهاد، فكانت المزارع تنبض بالحياة، وكانت الأيدي تبني وتزرع وتنتج، دون ضجيج أو تظاهر، في صورة صادقة من صور الكرامة الإنسانية.

ومع تعاقب السنين شهدت الجهراء نهضة عمرانية كبيرة، واتسعت شوارعها، وتعددت أحياؤها، وتوفرت فيها الخدمات الحديثة، فأصبحت محافظة مزدهرة تجمع بين الأصالة والتطور. غير أن أجمل ما بقي فيها هو روح أهلها، فالأماكن قد تتغير، أما القيم الأصيلة فتظل حية ما دام هناك من يتمسك بها.

إن مسؤولية المحافظة على تاريخ الجهراء وتراثها لا تقع على عاتق المؤرخين وحدهم، بل هي مسؤولية كل أب وأم، وكل معلم ومثقف وفنان، حتى يعرف الأبناء كيف عاش الآباء، وكيف بُني هذا الوطن بالإخلاص والعمل والمحبة.

وأقول للشباب: تمسكوا بتراثكم، فهو ليس حكايات تُروى، بل جذور تمنحكم القوة والهوية. واقرأوا تاريخ مدينتكم، وامشوا في طرقاتها بقلوب تعرف فضل من سبقكم، فالأمم التي تحفظ ذاكرتها هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها.

أما أنا، فكلما وقفت أمام لوحة بيضاء، عادت إليّ صور الجهراء القديمة؛ نخلة باسقة، أو مزرعة هادئة، أو غروب ينساب فوق الرمال، فأشعر أن ريشتي مازالت تستمد ألوانها من ذلك المكان الذي منحني أول درس في التأمل، وأول إحساس بالجمال.

ستبقى الجهراء في قلبي وطن الطفولة، ومهد الذكريات، ومنبع الإلهام الذي رافقني في لوحاتي الفنية طوال حياتي. وكلما رسمت نخلة أو مزرعة أو غروباً على أطراف الصحراء، شعرت أنني أرسم جزءاً من الجهراء التي سكنت وجداني، وأسأل الله أن يحفظها وأهلها، وأن تبقى عنواناً للكرم والأصالة والمحبة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي