منذُ مَيعة طفولتي وأنا أقضي فترة الإجازة الصيفية مع أسرتي في لبنان، ولي فيه أجمل وأحلى الذكريات فهو محفور في وجداني.
لبنان السحر والجمال والجلال، لبنان الهواء النقي والنسيم العذب، والغيم الفاتن، والراحة النفسية والهدوء.
لبنان الطبيعة الخلّابة والجبال الخضراء البديعة.
لبنان قرة العين وسلوة المهموم وسعادة الحزين.
لبنان الذي قال عنه نزار قباني:
«لبنان، ذلك البلد العابق بروائح التاريخ الزكيّة التي تشهد عليها جبال بعلبك الشامخة، وشجر الأرز الضارب بأصله في أعماق التاريخ.
في هواه يسكن السلام...»
لبنان الذي يجبرك على الوقوع في حبه، كيف ولا هو الذي جمع أطراف البهاء كله.
فأهله من أطيب الناس، وأكثرهم ترحاباً وأرقهم تواصلاً، ووأسعهم أخلاقاً.
زرت بلداناً كثيرة ولكني لم أشعر بالدفء والحميمية والاتصال الإنساني الذي أشعر به حينما أزور لبنان.
حبي للبنان قديم وينمو في قلبي كل يوم.
لا يمكن أن يسقط من مخيلتي أبداً مشهد ذهابي مع والدي وأنا طفل صغير وتعبئة الماء من نبع حمانا الشهير، حيث الماء الزلال العذب، الذي يغسل الروح بنقائه وصفائه، كان مشواراً سعيداً بالنسبة لي.
لا يمكنني كذلك أن أنسى تجمع العوائل والأسر الكويتية في بحمدون، وسمرهم في المقاهي إلى ساعات متقدمة من الليل.
لا يمكنني كذلك أن أنسى الصلاة في جامع العثمان في الجبل، الذي بناه المحسن الكويتي العم عبدالله عبداللطيف العثمان، رحمه الله، عام 1957م، حيث يعتبر أيقونة معمارية صمم على الطراز الإسلامي الأندلسي.
لا يمكنني أن أنسى كذلك بيروت والروشه والسوليدير والتمتع بأكل الكنافة بالكعك في شارع الحمراء العريق.
لبنان كأنه عروس فائقة الحُسن والأناقة تتدفق منها الحياة وينبض منها القلب.
ما أصدق قول جبران خليل جبران:
«لبنان كلمة من نور خطّها الزمن على وجه الفجر. إذا لم يكن لبنان وطني، لاخترت لبنان وطناً لي».
ارتباط الكويتيين بلبنان ارتباط حب قديم جداً كمصيف سنوي منذ خمسينات القرن الماضي على الصعيد السياحي، وكذلك على الصعيد الثقافي والأكاديمي ذهاب مجموعة كبيرة من طلبة الكويت للدراسة فيه بالجامعة الأميركية في بيروت والجامعة العربية (BAU) ومنهم الدكتور أحمد الخطيب، أول طبيب كويتي والدكتور عبدالله النفيسي، وسيدات فاضلات من سيدات الكويت كأمثال الشيخة ألطاف سالم العلي، والمعالجة النفسية المتميزة ألطاف العيسى، وغيرهم الكثير.
زرته الصيف الماضي مع الصديق الغالي خالد البلوشي، بعد انقطاع سنوات بسبب الحروب، ووقفت على الأطلال واستعدت الذكريات القديمة وتذكرت مقولة أحلام مستغانمي:
«إن الأماكن لا قيمة لها ولا روح فيها إن لم تكن مأهولة بذكرياتنا ومن نحب».
أدعو من قلبي أن يعود لبنان أجمل وأبهى، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يعود عروساً للشرق الأوسط من جديد.